إعلان
إعلان

كسر الجليد الدبلوماسي: لماذا تتجاوز زيارة ماكرون لدمشق حدود الرمزية السياسية؟

# رئيس تحرير سفيربرس

إعلان

كسر الجليد الدبلوماسي: لماذا تتجاوز زيارة ماكرون لدمشق حدود الرمزية السياسية؟
​في مشهدٍ يعيد رسم الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية دمشق كحدثٍ استثنائي يحمل من الدلالات ما يتجاوز بروتوكولات الدبلوماسية المعتادة. هذه الخطوة، التي تجعل منه أول رئيس دولة غربية يطأ أرض سوريا في عهدها الجديد، لا تُمثّل مجرد إنهاء لسنوات طويلة من القطيعة، بل تؤسس لمرحلة تحول فارقة تتخطى في أبعادها أي حسابات آنية ضيقة.
​ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن القيمة الرمزية لهذه الزيارة تفوق بكثير الأهداف المباشرة المعلنة؛ فهي بمثابة إعلان رسمي عن ولادة واقع سياسي جديد في المنطقة.
​تراكم دبلـوماسي ورسائل دعم مبكرة
​لم تكن خطوة الإليزيه وليدة الصدفة أو نتاج تحول مفاجئ، بل جاءت تتويجاً لمسار من الدعم الفرنسي الذي انطلق منذ اللحظات الأولى للتغيير في سوريا. فمنذ وصول الرئيس الشرع إلى قيادة البلاد، كانت باريس – بالتنسيق مع برلين – سبّاقة في مد جسور التواصل، حيث كان وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا أول من التقى بالرئيس الشرع في خطوة حملت آنذاك دلالات اعتراف وتأييد واضحة.
​هذا التقارب المستمر وتوالي اللقاءات، والتي كان أبرز محطاتها زيارة الرئيس الشرع إلى فرنسا في أيار/مايو 2025، مَهّدا الأرضية الخصبة لزيارة ماكرون الحالية، لتأتي كترجمة فعلية لعمق التنسيق المشترك.
​ملفات ساخنة على طاولة التنسيق المشترك
​تتداخل في هذه الزيارة أبعاد استراتيجية متعددة وملفات شائكة تتطلب تنسيقاً عالي المستوى بين باريس ودمشق:
​البُعد السياسي والإقليمي: يتصدر التنسيق مع الإدارة السورية الجديدة قضايا المنطقة الساخنة، بدءاً من الملف اللبناني، مروراً بترتيبات الداخل السوري، وصولاً إلى صياغة مقاربة جديدة للتعامل مع الحضور الإيراني في المنطقة، والتي أصبحت دمشق طرفاً فاعلاً ومحورياً في رسم حدودها.
​المعادلة الأمنية ومكافحة الإرهاب: فرضت سوريا الجديدة نفسها كجزء لا يتجزأ من التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” والتنظيمات الإرهابية. ويأتي هذا في سياق حراك أمني إقليمي تمثل مؤخراً في اجتماع رفيع المستوى ضم وزير الدفاع السوري إلى جانب قوى دولية تواجه التطرف، وتعد فرنسا طرفاً رئيسياً فيه.
​الملفات العالقة والترتيبات الانتقالية: تبحث الزيارة ملفات بالغة الحساسية لباريس، وفي مقدمتها قضية المقاتلين الفرنسيين المتواجدين في سوريا والذين تحتويهم السلطات السورية حالياً، فضلاً عن ملف العائلات الفرنسية التي انتقل جزء كبير منها إلى العراق، إلى جانب مناقشة آفاق المرحلة الانتقالية وضمان استدامتها.
​الرهان الغربي على الاستقرار
​يبدو واضحاً اليوم أن الولايات المتحدة والدول الغربية قد حسمت خياراتها بالرهان على شخص الرئيس الشرع كصمام أمان للمرحلة المقبلة، وبناءً على هذا التقييم اتخذت خطوات ملموسة لتخفيف العقوبات الاقتصادية.
​هذا التوجه الغربي ينطلق من قراءة براغماتية بحتة؛ فالقوى الدولية في هذه المرحلة معنية بـ “الاستقرار كأولوية قصوى” لإعادة ترتيب أوراق المنطقة، وترى في الإدارة الحالية العنوان الأوحد والقادر على تحقيق هذا الهدف. ورغم إدراك باريس لوجود أزمات وتحديات قائمة، إلا أن هناك قناعة أوروبية وأمريكية بأن الأمور تتجه نحو الحل، نظراً للمرونة العالية والكافية التي أظهرها الشرع في مواجهة المعضلات المعقدة.
​نحو أفق اقتصادي واعد
​على الصعيد الاقتصادي، يعيد هذا الانفتاح الدبلوماسي الكبير الأمل بإنعاش العجلة الاقتصادية السورية. ورغم بعض الاختلالات الأمنية التي تظهر بين الحين والآخر – وكان آخرها حادثة التفجير قرب القصر العدلي بدمشق – إلا أن المؤشرات العامة تؤكد أن الوضع الأمني السوري العام يسير بثبات نحو مزيد من الاستقرار، مما يمهد الطريق لعودة الاستثمارات وإعادة الإعمار.
​إن زيارة ماكرون لدمشق ليست مجرد حدث عابر في سجل العلاقات الدولية، بل هي اعتراف دولي صريح بالواقع السوري الجديد، ورسالة واضحة بأن دمشق استعادت دورها كمرتكز أساسي لصياغة استقرار الشرق الأوسط.

# بقلم : محمود أحمد الجدوع رئيس تحرير سفيربرس
​#سفيربرس #فرنسا #سوريا #إيمانويل_ماكرون #الرئيس_الشرع #دمشق #الدبلوماسية_الفرنسية #الشرق_الأوسط #الاستقرار_السياسي

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *