بين سرعة النشر وأمانة الكلمة.. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد الخبر يحتاج إلى وقت طويل حتى ينتشر، ولا إلى تحقق كافٍ حتى يصدقه البعض. تكفي رسالة، أو مقطع، أو منشور، حتى يتحول إلى حديث المجالس، وتتداوله الألسن وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
والمؤلم أن كثيراً من هذه الأخبار لا يقوم على دليل، وإنما على الظنون، أو الخصومات، أو الحسد، أو مجرد الرغبة في إثارة الجدل. وما هي إلا ساعات حتى يجد إنسان نفسه متهماً، أو مشوه السمعة، أو محكوماً عليه في نظر الناس، دون أن يُمنح فرصة للدفاع عن نفسه، أو أن يتثبت أحد مما قيل عنه.
إن أخطر ما في الشائعة أنها لا تقتل الجسد، بل تدمر الثقة، وتهدم السمعة، وتؤذي الأسر، وقد تقطع الأرحام، وتضيّع الحقوق، وربما دفعت بعض الناس إلى مواقف أو قرارات بُنيت على معلومات لا أصل لها.
ولذلك لم يجعل الإسلام الكلمة أمراً هيّناً، بل جعلها مسؤولية. يقول الله تعالى:
﴿وَسَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾.
فما يقوله الإنسان أو يكتبه أو ينشره هو مسؤولية، وسيقف يوماً بين يدي الله ليسأل عنها: هل كانت حقاً أم باطلاً ؟
ثم جاء التوجيه الإلهي الواضح فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
إنها دعوة إلى التثبت، لأن الندم لا يعيد للناس كرامتهم إذا هُدمت، ولا يمحو آثار كلمة خرجت بغير حق.
وقال النبي ﷺ:
«بحسب امرئٍ من الكذب أن يُحدِّث بكل ما سمع».
فليس مطلوباً من الإنسان أن يكذب حتى يكون آثماً، بل قد يكفيه أن ينقل كل ما يسمع دون تحقق، فيصبح شريكًا في نشر الباطل.
وما أكثر القصص التي تبدأ بكلمة، ثم تتحول إلى روايات، ثم إلى يقين عند بعض الناس، مع أنها لم تقم يومًا على بينة. وقد يكون باعثها حسداً، أو منافسة، أو خلافاً شخصياً، أو رغبة في إسقاط ناجح. ثم يتناقلها الناس، ويضيف كل واحد إليها شيئًا، حتى تصبح الكذبة أكبر من صاحبها.
إن من أخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يشهد على أمر لا يعلمه. وربما ظن أنه ينقل خبراً، وهو في الحقيقة يوقع شهادة ستكتب عليه، ويسأل عنها يوم القيامة. فالكلمة ليست هواءً يذهب، بل أمانة تبقى.
فلنحفظ ألسنتنا وأقلامنا، ولنقف عند كل خبر قبل أن ننشره، ولنسأل أنفسنا: هل نملك الدليل؟ وهل نرضى أن نقف بين يدي الله بهذه الكلمة؟
فكم من سمعة هُدمت بشائعة، وكم من بريء ظُلم بكلمة، وكم من إنسان دفع ثمن حديث لم يكن له من الحقيقة نصيب. والحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت، أما الشائعة فمهما انتشرت، فإن أثرها يبقى شاهداً على خطورة الكلمة حين تخرج بلا حق، وعلى مسؤولية من أطلقها أو أعان على انتشارها.
ليس كل ما يُتداول حقيقة، وليس كل ما يُسمع يُنقل، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُصدَّق.
فاحفظ لسانك، وأمسك قلمك، وتثبت قبل أن تحكم؛ فإن أعراض الناس ليست ميداناً للتجربة، ولا سمعتهم مادةً للتسلية، ولا كرامتهم ثمنًا لشائعة عابرة.
وتذكر دائماً أنك حين تتحدث عن إنسان، أو تكتب عنه، أو تعيد نشر ما قيل فيه، فإنك لا تنقل خبرًا فحسب، بل قد تكتب شهادة، والشهادات أمانة، وكل أمانة مسؤولية بين يدي الله.
قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي _الكويت



