محمود الذخيرة… حين يصبح الشاعر ذاكرة وطن وصوت الفرات
#سفيربرس _ بقلم الرصاص :عبد الرزاق بشير الهويدي

النص الذي أوردتهُ كلمةٌ تأبينيةٌ وتوثيقيةٌ في غاية الروعة والوفاء، وتستعرض سيرة الباحث والشاعر الراحل محمود الذخيرة بكثير من الجمال والأصالة.
تمت مراجعة وتدقيق النص كاملاً لغوياً وإملائياً مع الإبقاء الكامل على جميع أبيات وحسرات الشاعر باللهجة الفراتية الشعبية كما هي دون أي تغيير، لتبقى الصورة الشعرية والمفرده التراثية أصلية وصادقة.
النص بعد التدقيق والمراجعة
محمود الذخيرة… حين يصبح الشاعر ذاكرة وطن وصوت الفرات
الحديث عن الباحث الكبير محمود الذخيرة ليس حديثاً عن شاعر فحسب، بل هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخنا الثقافي، وعن رجل حمل التراث أمانةً، والكلمة رسالةً، والهوية مسؤولية.
ويزداد هذا الحديث خصوصيةً واعتزازاً بالنسبة لي، لأن علاقتي بالأستاذ محمود الذخيرة لم تكن علاقة قارئ بشاعر فقط، بل كانت علاقة إنسان بإنسان، وتلميذ بمعلم، ورفيق درب في ميادين العلم والثقافة.
عرفته معلماً وأنا تلميذ، ثم شاءت الأيام أن أصبح زميلاً له في ميدان التربية حين كان مديداً وأنا أحد المعلمين، ثم جمعتنا بعدها مجالس الثقافة والأدب؛ فكنت قريباً من تجربته الشعرية، شاهداً على جانب من مسيرته الإبداعية، ومتابعاً لرحلة الكلمة عنده من الفكرة الأولى حتى اكتمال القصيدة.
وكان لي شرف توثيق وكتابة جانب من قصائده، والاقتراب من عالمه الشعري، مما أتاح لي أن أرى عن قرب حرصه الكبير على الكلمة الصادقة، وأمانته في حفظ التراث، ودقته في اختيار الصورة والمعنى، وإيمانه بأن الشاعر ليس مجرد صانع أبيات، بل شاهد على عصره وحارس لذاكرة مجتمعه.
ولهذا فإن وقوفي اليوم للحديث عن محمود الذخيرة ليس مجرد تقديم لسيرة شاعر، بل هو وفاء لإنسان ترك أثراً في كل من عرفه، ووفاء لكلمة بقيت حية في ذاكرة الناس.
حين نتحدث عن الشعر الشعبي، فإننا لا نتحدث عن كلمات موزونة تقال وتنتهي بانتهاء مجلسها، ولا عن أبيات تعيش لحظتها ثم تغيب، بل نتحدث عن ذاكرة مجتمع، وعن صوت الناس حين يعبرون عن أفراحهم وأحزانهم وأحلامهم وانكساراتهم.
فالشعر الشعبي هو ديوان الحياة اليومية، يحفظ اللغة والعادات والتقاليد وصورة الإنسان في بيئته. هو صوت الأرض حين تتكلم، وصوت الأجيال حين تروي حكاياتها، وهو السجل الذي حفظ تفاصيل الحياة البسيطة التي قد لا تجد مكانها في كتب التاريخ.
ومن بين الأصوات التي تركت أثراً لا يمحى في الشعر الشعبي الفراتي، يبرز اسم الشاعر والباحث الراحل محمود الذخيرة، الذي لم يكن شاعراً فقط، بل كان حارساً للذاكرة، وباحثاً في التراث، وصوتاً صادقاً لبيئته التي حملها في قلبه وحولها إلى قصيدة.
لقد جمع محمود الذخيرة بين موهبة الشاعر وأمانة الباحث، فكتب القصيدة التي تغنيها الألسن، وكتب البحث الذي يحفظ تاريخ الناس. كان يؤمن أن التراث ليس ماضياً منتهياً، بل هو هوية الإنسان وجذوره، وأن الأمم التي تضيع ذاكرتها تفقد جزءاً من شخصيتها.
ولهذا أفنى حياته في جمع الموروث الشعبي، وتوثيق العادات والحكايات والأمثال، وحفظ مفردات البيئة الفراتية، ليترك للأجيال صورة حقيقية عن الإنسان الذي عاش على ضفاف الفرات، بما يحمله من قيم وكرامة وأصالة.
محمود الذخيرة… شاعر الفرات والإنسان
لم يكن محمود الذخيرة شاعر مناسبة، بل كان شاعر الإنسان بكل ما يحمله الإنسان من مشاعر وتجارب. كتب للحب، وللأرض، وللنهر، وللريف، وللمرأة الفراتية، وللناس الذين وجدوا أنفسهم في كلماته.
كانت قصيدته قريبة من القلب؛ لأنها لم تخرج من برج بعيد عن الناس، بل خرجت من حياتهم اليومية، من أفراحهم وأحزانهم، من بيوتهم وحقولهم وضفاف نهرهم. ولهذا بقي شعره حاضراً في المجالس والذاكرة الشعبية، لأن الناس لم يسمعوا فيه صوت شاعر يصفهم من بعيد، بل سمعوا أنفسهم وهم يتكلمون.
شاعر الحب والصورة الشعرية
أيها الحضور الكريم…
حين ندخل إلى عالم محمود الذخيرة الشعري، نجد أن الحب كان واحداً من أجمل الأبواب التي عبر منها إلى قلوب الناس. لم يكن الحب عنده مجرد عاطفة عابرة أو صورة تقال، بل كان تجربة إنسانية كاملة، تحمل الفرح والقلق والانتظار والوجع. استطاع أن يحول المشاعر الداخلية إلى صور شعرية نابضة، وأن يجعل من التفاصيل الصغيرة عالماً واسعاً من الإحساس.
في قصيدته “يا غلاتك” يقول:
يا غلاتك
يلي صوتك يعزف بگلبي نغم
حرگه وألم
يلي حبك رجفة المحموم تسري بالعظم
فالصوت عند محمود الذخيرة ليس مجرد صوت، بل موسيقى تسكن القلب، والحب ليس إحساساً عابراً، بل حالة تهز الإنسان من أعماقه.
ويقول:
حتى النبع عطشان لعيونك سوالف
حتى الصخر حتى النهر
حتى البلابل والشجر
هنا يبلغ الخيال الشعري عنده ذروته، إذ يجعل الطبيعة كلها مشاركة في حالة العشق، وكأن المحبوب أصبح جزءاً من تكوين الحياة نفسها.
وفي قصيدته “عمري دمع” يقول:
عمري دمع
وخدك شمس بسرابها أوجعتني
ويقول:
عمري زرع
ومنجل عيونك حصدني
صور بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها، تختصر رحلة الحب بما فيها من عطاء وألم وفقد.
شاعر الشوق والانتظار
ولعل الشوق من أكثر المساحات التي أبدع فيها محمود الذخيرة، فقد كان يعرف أن الشوق ليس مجرد حنين جميل، بل هو أحياناً وجع مقيم يسكن الروح.
في قصيدته “شحذت الشوق” يقول:
شحذت الشوق من عينك
أخاف إنك ترجعني
أني لطاريك لمن أسمع
أحسلك نار تلكعني
فهو لا يقدم الشوق كحالة فرح فقط، بل كاحتراق داخلي، فالذكرى عنده قادرة على أن تعيد الألم كما تعيد الأمل.
ويقول:
انت دنياي وحسابي
وانت فردوس زارعني
فالمحبوب هنا ليس شخصاً فقط، بل عالم كامل يسكن الروح ويمنحها معناها.
شاعر الحنين والاغتراب
كان الحنين من أبرز ملامح شعر محمود الذخيرة، لكنه لم يكن حنيناً إلى الأشخاص فقط، بل كان حنيناً إلى المكان والبيت والطفولة والذكريات.
وفي قصيدته الخالدة “خذوني معاكم” يقول:
خذوني معاكم والظعن يمشي
على نگلة خطاكم
ثم يقول:
يا ديار تركناها
على وادي الشوك تبچي
وحچايانا دفناها
بموگد غرگان يشكي
هنا تتحول الديار إلى كائن حي يحمل الحزن، وتصبح الأماكن خزائن للذكريات.
ويقول:
والبرگ هو البرگ
والمطر هو المطر
بس الگلوب الشالت الحلوين
محتارة بهواكم
فالطبيعة بقيت كما هي، لكن الإنسان تغير بفعل الفراق، لأن المكان لا يكتمل إلا بمن نحب.
الفرات في شعر محمود الذخيرة… المكان الذي أصبح قصيدة
أيها الحضور الكريم…
لم يكن الفرات عند محمود الذخيرة مجرد نهر يجري بين الضفاف، بل كان روحاً وهوية وذاكرة. كان الفرات في شعره يحمل طفولته، وذكريات الناس، وأصوات البيوت القديمة، وحكايات الرجال والنساء الذين عاشوا على ضفافه. لقد كان يرى أن المكان ليس حجراً وتراباً فقط، بل هو أرواح وأزمنة وقصص.
وفي قصيدته “ديرة هلي” يقدم صورة واسعة للمكان بكل تفاصيله:
ديرة هلي
ديرة شمس ويخم جلد الحوت
فهو لا يصف أرضاً فقط، بل يستحضر تاريخاً وكرامة ورجالاً وعادات، ويجعل من القصيدة سجلاً حياً للبيئة الفراتية.
شاعر الوفاء والعتاب
حتى في عتابه كان محمود الذخيرة يحمل المحبة، وحتى حين يكتب الألم كان يترك نافذة للأمل.
وفي قصيدته “هب الريح” يقول:
هب الريح لو هب حيل
عساهو يمر يذكركم
يجعل الريح رسولاً يحمل الكلام إلى من غابوا، وكأن الطبيعة كلها تصبح وسيلة للتواصل مع الأحبة.
ويقول:
لو جان الوصل بالنجوم
بشهب الليل نواصلكم
فالمسافات مهما ابتعدت لا تستطيع أن تهزم قلباً وفياً.
شاعر الزمن والوجع الإنساني
ومن أعمق قصائده قصيدة “يبست يا عود”، التي تجاوز فيها الحديث عن الحب إلى التأمل في العمر والرحيل وتحولات الإنسان.
يقول:
يبست يا عود لا تزعل
ربيعك راح
چنت يانع لكل الطيور ماتبخل
فالعود هنا ليس مجرد شجرة، بل هو رمز للإنسان الذي أعطى كثيراً، وفتح أغصانه للجميع، ثم وجد نفسه أمام قسوة الزمن.
ويقول:
مواضينا شجر بستان
مواضينا تمر ولوان معدوده
وگطفناه بليه حساب
إنها صورة للماضي حين كان الإنسان يعيش النعمة دون أن يدرك أنها ستصبح يوماً ذكرى.
ثم يقول:
راح الراح
وبگى عمري مثل مثلوم
وهي خلاصة إحساس شاعر أدرك أن الزمن يمضي، وأن بعض الأشياء إذا رحلت لا تعود.
الشاعر الباحث… حارس الذاكرة
لم يكن محمود الذخيرة شاعراً فقط، بل كان باحثاً حمل مسؤولية حفظ تاريخ المكان والإنسان.
ومن أبرز أعماله كتاب “أهل الرقة في ثلاثة قرون”، الذي يمثل جهداً كبيراً في جمع تاريخ الرقة وأسرها وشخصياتها، وتوثيق جانب مهم من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة. كما قدم كتاب “الطب الشعبي في منطقة الرقة”، الذي حفظ جانباً من الموروث الشعبي والمعرفة المتوارثة بين الناس.
لقد كان يؤمن أن الشاعر ليس صانع كلمات فقط، بل شاهد على عصره، وحارس لذاكرة مجتمعه. وكان يدرك أن ما لا يُوثق قد يضيع، وأن مسؤولية المثقف لا تنتهي عند الإبداع، بل تمتد إلى الحفظ والنقل للأجيال القادمة.
نظافة الكلمة وصدق الموقف
ومن الجوانب التي تزيد مكانة محمود الذخيرة احتراماً، أنه حافظ على استقلال قصيدته ونظافة أرشيفه الأدبي.
فقد عاش في زمن كانت فيه قصائد المديح للسلطة طريقاً للظهور والامتياز، وكان كثيرون يجعلون من الشعر وسيلة للتقرب من القوة، لكنه حافظ على مكانة الكلمة، ولم يجعل قصيدته أداة لتجميل أي موقف أو خدمة أي جهة.
ولهذا بقي تاريخه الشعري واضحاً، لأن قيمة الشاعر لا تقاس فقط بجمال ما يكتب، بل أيضاً بصدق ما يختار أن يقوله. فالمواقف الحقيقية لا تقاس بما يقال بعد تغير الظروف، بل بما يقوله الإنسان عندما تكون للكلمة كلفة، وللموقف ثمن.
رحيل بلا جناح… حين تختصر القصيدة حياة شاعر
وحين رحل محمود الذخيرة، لم يرحل من الذاكرة، لأن الكبار لا يغادرون تماماً. تبقى كلماتهم شاهدة عليهم، وتبقى قصائدهم جسراً بينهم وبين الأجيال.
ولعل أكثر ما يختصر رحلة عمره قوله:
”بتالي زماني صرت طير بليا جناح
يا حيف عدى العمر سلم عليا وراح”
أي صورة أبلغ من صورة الطير الذي فقد جناحه؟ لقد اختصر في هذا البيت وجع العمر كله، اختصر تعب الإنسان حين تمضي الأيام، وحين يشعر أن أشياء كثيرة أخذها الزمن ولم تعد.
لكن محمود الذخيرة، وإن فقد جناح الجسد، فقد بقيت له أجنحة أخرى؛ جناح القصيدة، وجناح الذاكرة، وجناح المحبة التي زرعها في قلوب الناس.
إنّ محمود الذخيرة لم يكن مجرد شاعر شعبي، بل كان ذاكرة تمشي على الأرض. حمل الفرات في قلبه، وحمل الناس في قصيدته، وحفظ تفاصيل المكان والإنسان. ترك شعراً للحب، وشعراً للحنين، وشعراً للأرض، وترك للأجيال نموذجاً للمثقف الذي جمع بين الإبداع والوفاء.
رحم الله محمود الذخيرة…
كان صوت الفرات حين يغني، ودمعة الفرات حين يحزن، وذاكرة الفرات حين يخشى الناس أن ينسوا.
كان شاعراً حين كتب، وباحثاً حين وثق، وإنساناً حين أحب.
من هنا مر شاعر…
فخلدته الكلمات، وأحبته القلوب.
#سفيربرس _ بقلم الرصاص :عبد الرزاق بشير الهويدي



