فرح… حين لا يكون الفرح في متناول اليد: قراءة سيميائية في العنوان والغلاف. بقلم : مريم المصري

#سفيربرس _فلسطين _نابلس

إعلان

يشدنا الكاتب (همام الطوباسي) إلى قراءة مجموعته القصصية “فرح” التي تنبثق أحداثها من مخاض المعاناة الفلسطينية، وتتخذ من الأسرة الفلسطينية فضاء سرديًا تتقاطع داخله تفاصيل الحياة اليومية مع جراح الوطن وذاكرته. فنحن أمام عائلة تتكون من الأب والأم وأبنائهما الأربعة: سامي، ورشيد، ووحيد، وحسن، غير أن هذه الأسرة لا تبدو مجرد إطار حكائي تتحرك داخله الشخصيات، بل تتحول إلى نموذج مصغر للبيت الفلسطيني، بما يختزله من محبة وصراع وفقد وذاكرة وانتظار وأمل وحزن.
يصطدم المتلقي لمجموعة الكاتب القصصية “فرح” بعتبة خطابها السردي الأولى، المتمثلة بعنوان الخطاب القصصي؛ إذ يختزل العنوان مفارقة لافتة بين ما يقوله العنوان وما يقترحه الغلاف. فالعنوان بحمولته الدلالية الوجدانية الإيجابية مركب في كلمة واحدة “فرح”، بينما يذهب الغلاف في الاتجاه المقابل؛ إذ يستحضر صورة امرأة تسير في فضاء غامض، يغلب عليه العتمة والضباب، فيبدو الفرح ليس حالة مكتملة، وإنما حالة منشودة، وغائبة، ومؤجلة.
ويتحول العنوان “فرح” إلى بؤرة مركزية تتفاعل مع علامات الغلاف البصري، ويؤسس منذ البداية لانتظار قرائي يقوم على السؤال: أي فرح هذا الذي تقودنا إليه الصورة من خلال هذا الطريق المعتم؟
يتكون العنوان من وحدة لغوية قصيرة ذات كثافة دلالية ونفسية عالية؛ فهو اسم علم في الاستعمال الشائع، وهو في الوقت ذاته مصدر يدل على الشعور بالسرور والانشراح، كما أن دلالات العنوان تضع القارئ أمام أسئلة مفتوحة: فرح من؟ وممّ؟ وهل هو فرح متحقق أم مأمول؟ وهل المقصود شخصية تحمل الاسم نفسه؟ أم الحالة الشعورية التي تتوزع على صفحات الخطاب القصصي؟ وبهذا يصبح العنوان أشبه بسؤال سردي مؤجل لا بإجابة جاهزة.
أما الغلاف، تثير صورة المرأة المحتلة الجزء المركزي منه، وهي تظهر من الخلاف، دون بروز لوجهها؛ إذ إن غياب الوجه يجسد غياب الملامح التي تسمح بتحديد الشخصية، ويجعل المرأة أقرب إلى شخصية نموذجية يمكن أن تمثل امرأة بعينها، أو نساء كثيرات، أو ذاتًا إنسانية تبحث عن شيء لا نراه، كما أن صورة المرأة توحي بحالة انفصال عن عالمها المحيط، أو رحلة داخلية للروح والنفس الإنسانية. من هنا تتحول المرأة إلى علامة أساسية في الغلاف: امرأة+ طريق مجهول+ عتمة= رحلة بحث عن الحب، والأمان، والذات، والخلاص، والفرح نفسه.
ويرتبط الفستان الأبيض الطويل الذي ترتديه المرأة بالنقاء والبدايات والأمل الذي يحيلنا إلى لفظة “فرح”، وهو يشير إلى الزفاف والحياة الجديدة. وأشير بالقول، إن وضع هذا الفستان داخل فضاء شديد العتمة يجعل دلالته تتعرض لما يمكن تسميته بالتوتر اللوني؛ فالأبيض هنا لا ينتصر على العتمة، وإنما يظهر محاصرًا بها.
إن هذا التناقض بين بياض الفستان وسواد الفضاء بثنائياته الضدية الموزعة بين أبيض/ أسود، وأمل/ خوف، وحضور/ غياب، وحركة/ وسكون، ونور/ حزن، ينتج دلالة أعمق من الدلالة اللونية المباشرة؛ إذ يبدو أن ثمة ذاتًا تحمل في داخلها إمكانية الحياة، لكنها تسير في عالم لا يمنحها الضوء بسهولة.
والناظر إلى شعر المرأة الطويل والمنسدل، والمتحرك إلى الخلف، يراه ينسجم مع حركة جسدها؛ إذ يوحي بأنها تمضي مبتعدةً عن شيء ما، أو تبحث عن شيء لم يتحدد بعد؛ فهي لا تقف، وإنما تتحرك إلى الأمام في فضاء يزداد غموضًا كلما توغلت فيه، وبذلك يغدو الشعر علامةً على الانفلات والتحرر من جهة، وعلى الاضطراب وعدم اليقين من جهة أخرى. أما الفضاء الخلفي، بما يكتنفه من أشجار وضباب وعتمة، فيتجاوز دلالته المكانية ليغدو فضاءً نفسيًا يحيل إلى التيه والمجهول والاختبار؛ فالمرأة تبحث عن طريق، في حين يحجب الفضاء ملامح هذا الطريق، فتغدو الرحلة الخارجية تمثيلًا لرحلة داخلية تبحث فيها الذات عن وجهتها. وتتأكد هذه الدلالة من خلال موقع كلمة “فرح” في أعلى الغلاف، في مقابل وجود الشخصية في أسفل الصورة وسط العتمة ما يجعل الفرح يبدو أفقًا أو غايةً تسعى الذات إلى بلوغها، لا حالةً مكتملة الحضور كأن الوصول إلى الفرح يمر عبر العتمة، وأن ما يبدو في ظاهره غيابًا للفرح قد يكون في العمق رحلةً شاقة نحوه، الأمر الذي يجعل العنوان والغلاف يتكاملان في إنتاج دلالة الفرح المؤجل الذي يولد من رحم المعاناة الفلسطينية، وهذا ما يجسده واقع العائلة الفلسطينية المضطرب بين فقد وصمود، وانتماء واغتراب، وذاكرة وحاضر.

#سفيربرس _بقلم :د. مريم المصري _ نابلس

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى