ريادة الأعمال ليست أن تبدأ مشروعاً، بل أن تبدأ بصناعة مستقبلك
#سفيربرس _ بقلم : علي عمران

في ظل التغيير المتسارع واللّحظي لعالم اليوم، لم تعد هناك أي جدوى من أن يسأل المرء نفسه “أين سأجد وظيفة مناسبة؟” لأنه ربما في ذلك انتقاص من إنسان القرن الحادي والعشرين بتأطيره وفق عقليّة “الشغّيل” أو المرؤوس، إذ أن الإنصاف الفعلي يكمن في طرح المرء تساؤلاً جوهريّاً حول “كيفيّة صنع قيمة تجعل الآخرين بحاجة إلى ما يقدمه” وهنا تبدأ ريادة الأعمال.
فريادة الأعمال ليست مجرد “بسطة” على قارعة طريق، أو مشروع تجاري برأسمالٍ كبير ومكتب فاخر، بل إنها عقليّة مختلفة تتمثّل في أن ترى فرصة، حيث يرى الآخرون مشكلة، وأن تمتلك ناصية الشجاعة لتبدأ قبل أن تكون كل الظروف مثاليّة، فكثيرون ينتظرون اللّحظة المناسبة، ينتظرون المال، الخبرة، الوقت، والدعم، لكن الحقيقة تؤكد أن المقوّمات المثاليّة لا تأتي غالباً، كذلك بالمقابل فإن روّاد الأعمال لا ينتظرون أن يصبح الطريق واضحاً بالكامل، بل يبدؤون، يتعلمون، يخطئون، يعدّلون مسارهم، ثم يتقدمون من جديد.
وعلى إثر ذلك يتخاطر حيّز التفكير تساؤلٌ آخر، لماذا أصبحت ريادة الأعمال خياراً مهمّاً في عالم اليوم؟ ربما الإجابة ترجّح عدة احتمالات في مقدمتها أن العالم تغيّر بشكل شبه جذري، فالثورة المتقدمة لتقانة الاتصالات والمعلومات فتحت مسارات لم تكن موجودة قبل سنوات، فقد أصبح بإمكان شخص ما يمتلك مهارة، أو معرفة، أو فكرة، أن يصدّرها مختلف أنحاء العالم، وأن يحوّل ما يعرفه إلى قيمة حقيقية، بالتالي فإن العصر الحالي لا يكتفي بالشهادات بل يتعدى إلى توظيف المهارات النوعيّة كالمبيعات وبناء العلامة التجارية، أو صناعة المحتوى، أو التصميم، أو التدريب، أو التجارة والتسويق عبر الشبكة واحتراف أدوات التقانة المتقدمة، فيا من تمر على كلماتي ليس المهم فقط ماذا تعرف، بل كيف تستطيع أن تحوّل معرفتك إلى قيمة يحتاجها المجتمع، وهنا يكمن الفرق بين الشخص الذي يمتلك مهارة، ورائد الأعمال الذي يعرف كيف يوظّفها.
إذاً، فالأمر ليس إلّا تغييراً لعقليّة المرء وفلسفة تفكيره حيال المال والأعمال، فمثلاً لا يُستحسن التفكير بمسألة “كم سأربح؟” لأن ذلك مؤشر على محدودية وبساطة أهداف صاحبه، بينما الأصح استبداله بالبحث عن المشكلة التي تتطلّب حلولاً ذكيّة للآخرين، فكلّما استطعت حل مشكلة مطروحة، بالتوازي مع تقديم قيمة حقيقية متنامية وبناء ثقة متجذرة، أصبحت فرصتك أكبر في بناء مشروع مستدام، على اعتبار أن ريادة الأعمال الناجحة لا تقوم على بيع منتَج أو خدمة للناس فقط، بل على فهم طبيعة الناس، ومعرفة احتياجاتهم، ثم تقديم حل يستحق أن يدفعوا مقابله.
ولا بد من الإشارة إلى أن البدايات لا تحتاج انطلاقة مثاليّة ترقى عتبات الكمال، فذلك يؤدي إلى حتميّة الفشل من جراء تردد يؤدي إلى تأجيل وتسويف جراء انتظار الوقت والفرصة المناسبين، وبالنتيجة فإن آفة أي مشروع تتمثل بالتردد المتواصل وليس نقص الموارد والإمكانيات على اعتبار أن رائد الأعمال يكتسب الخبرات والامكانيات بالسعي الحثيث، الدؤوب والمستمر، فالأفكار الرياديّة الناجحة تبقى مجرد أفكار منقوصة ما لم تتبلور وتُترجم وفق مشروع حقيقي على أرض الواقع، لذا فإن الأصح أن تبدأ بما لديك وتتعلم ما ينقصك بالتطوير المستمر مع تحقيق أقصى استفادة من الوسائل التقنيّة المتقدمة المتاحة بين أيدينا، فهي ليست وسائل لتمضية الوقت والترفيه، علاوة على الضرورة الملحّة لبناء العلاقات كمّاً ونوعاً مع مواكبة السوق بمتطلباته ومتغيراته، لأن رائد الأعمال الحقيقي لا يقول أنا اكتفيت من السؤال لأنني أعرف كل شيء، كما لا يرى نفسه فريد عصره، بل يرى في نفسه طالب علم يسأل، يبحث، ينمو ويتطور باستمرار ولسان حاله “أنا مستعد بشغف لتعلّم الجديد المُجدي النافع كل يوم”.
فيا من تمر على سطوري تذكر أن مستقبلك قد لا ينتظر وظيفة روتينية، بل ينتظر القرار واتخاذ خطوة جديّة واحدة مختلفة الآن، تتمثّل بتعلّم مهارة جديدة، ثم البدء بمشروع ذي قيمة، بالتوازي بناء مجتمع رفيع من العلاقات مع تطوير الحضور الرقمي وفق أسس فعّالة لا عشوائية، فريادة الأعمال تعني ببعض جوانبها تحويل الخبرة التراكميّة إلى حل ذكي آمن لمشكلات مطروحة، لكن على الضفة المقابلة حري بالتنويه إلى أنه لا أحد يستطيع أن يضمن حتميّة النجاح، لكن من البديهي والمؤكّد أنك إذا بقيت مكانك، لن يتغير شيء، أما إذا بدأت، فقد تفشل، وقد تتعلم، وقد تنجح، وفي جميع الحالات، ستكون قد اكتسبت مفاهيم لا يمكن لأي وظيفة تقليديّة روتينيّة أن تمنحك إياها بمفردها والمتمثّلة في فلسفة وخبرة بناء مستقبلك بنفسك.
خلاصة القول، إن ريادة الأعمال لها أهلها على اعتبارها طريق وعرة المسالك، لكنها قد تكون من أكثر الطرق التي تمنح الإنسان فرصة اكتشاف قدراته الحقيقية لأنها قيمة، كما كل شيء في الكون قيمة، فالذهب قيمة والعلم قيمة والمهارة قيمة تتعاظم مجتمعة بالصقل المتواصل والنمو.
ويبقى السؤال الجوهري بين يديك عزيزي القارئ:
هل ستبقى ساكناً تنتظر الفرصة كحجر رحىً غطتها تراكمات السنين بالطحالب، أم أنك ستوقظ قدراتك، تنهض وتبدأ من جديد بصناعة مستقبلك؟ فإذا كنت تشعر أن الوقت حان لتطوير نفسك، بتعلّم مهارات جديدة، وخوض غمار تجربة مختلفة، فربما تكون الخطوة الأولى أقرب مما تتخيل.
#سفيربرس _ بقلم : علي عمران



