سموّ النفس بين حكمة الشرق وصمت الرواقيين.. بقلم : نور عمر حاج حسين

#سفيربرس

إعلان

في لحظةٍ ما، حين يهدأ العالم من حولك، وتخفت الأصوات التي تجرّك إلى الخارج، ستسمع صوتاً خافتاً ينبعث من داخلك. صوتٌ ليس من العقل وحده، ولا من القلب وحده، بل من شيءٍ أعمق… شيءٍ يشبه الندى حين يلامس ورقةً عطشى، أو يشبه نوراً صغيراً يتسلّل إلى غرفةٍ مظلمة دون أن يطلب الإذن.

هذا الصوت هو النفس.

النفس عند ابن سينا: نورٌ يبحث عن أصله

ابن سينا كان يرى النفس كجوهرٍ علويّ، هبط إلى الجسد كما تهبط شرارةٌ إلى غصنٍ يابس، لا لتُطفأ، بل لتُشعل فيه حياةً جديدة.
النفس عنده ليست أسيرة الجسد، بل رفيقته في رحلةٍ قصيرة، تحاول خلالها أن تتذكّر من أين جاءت، وإلى أين تعود.

كان يقول — بمعنى كلامه — إن النفس الناطقة هي أعظم ما في الإنسان، لأنها وحدها القادرة على أن ترى الحقيقة دون أن تُعميها الشهوة، وأن تختار الخير دون أن يُغريها الظلام.

النفس عند ابن سينا تريد أن ترتقي، تريد أن تتطهّر، تريد أن تعود إلى صفائها الأول.
لكنها لا ترتقي بالهروب من الحياة، بل بفهمها، ولا تتطهّر بالانقطاع عن الناس، بل بالصدق معهم ومع الذات.

النفس عند ماركوس: صمتٌ يتقوّى بالمواجهة

أما ماركوس أوريليوس، فكان يرى النفس كقوةٍ تتشكّل في قلب العاصفة.
النفس عنده لا تُختبر في لحظات السكينة، بل حين يضيق صدرك، حين تخذلك الأيام، حين تتكسّر الأشياء التي ظننت أنها ثابتة.

ماركوس كان يكتب لنفسه، لا للناس، كأنه يحاول أن يربّي روحه كما يربّي الأب طفله الوحيد.
كان يقول — بمعنى تأملاته — إن النفس تصبح عظيمة حين تتوقف عن مطاردة ما لا يمكن تغييره، وحين تتعلّم أن تقف بثباتٍ أمام ما لا يمكن الهروب منه.

النفس عنده ليست نوراً فقط، بل صلابة.
ليست هدوءاً فقط، بل قدرة على أن تبقى هادئة وسط الضجيج.

بين ابن سينا وماركوس: النفس التي تتذكّر وتقاوم

حين تجمع بينهما، تدرك أن النفس ليست شيئاً واحداً، بل طبقاتٌ من الضوء والظل، من الحكمة والصراع، من الطفولة والشيخوخة.

ابن سينا يعلّمك أن النفس تتذكّر.
ماركوس يعلّمك أن النفس تقاوم.
والإنسان الحقيقي هو الذي يجمع بين الذاكرة والمقاومة، بين النور والصمت، بين المعرفة والعمل.

النفس تسمو حين تعرف حقيقتها، لكنها تزداد قوة حين تواجه ضعفها.
تتطهّر حين تصدق، لكنها تنضج حين تتألم.
وتقترب من كمالها حين تتوقف عن انتظار العالم، وتبدأ في إصلاح عالمها الداخلي.

ونصيحتي اليكم …
يا من تبحثون عن السمو…
لا تجعلوا النفس مشروعاً مؤجلاً، ولا معركةً تُخاض مرةً واحدة.
النفس تُبنى كل يوم، كما يُبنى البيت من حجرٍ صغير، وكما تُربّى الشجرة بقطرة ماء.

اعتنوا بنفوسكم كما تعتنون بطفلٍ خائف، وكما تعتنون بزهرةٍ وحيدة في صحراء واسعة. و لا تقسوا عليها حين تخطئ، ولا تتركوها حين تضعف، ولا تفرّطوا فيها حين يزدحم العالم حولكم. النفس لا تريد أن تكون مثالية، بل صادقة. لا تريد أن تكون قوية دائماً، بل ثابتة حين يلزم الثبات. وحين يشتدّ عليكم الليل، تذكّروا أن النفس التي تصمد في الظلام، هي النفس التي تستحقّ النور.

#سفيربرس _بقلم : نور عمر حاج حسين

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى