هندسة العقلية التسويقية الذكية… حين يتحول التسويق من موضة إلى عقيدة _ بقلم . حسين الإبراهيم 

#سفيربرس

إعلان

1.لماذاتفشل مشاريع التحول التسويقي رغم توفر الأدوات الذكية؟ 

3.ماذايعني “الأثر التسويقي”، وكيف نقيسه؟ 

4.أينتكمن الخطورة في التعامل مع التسويق كـ ”موضة” عابرة؟ 

5.ماهو الجوهر العملي لـ “هندسة العقلية التسويقية الذكية”؟. 

في تسعينيات القرن الماضي، جلست أمام شاشة حاسوبي، وبرامجي: فينتورا. كوريل درو. أدوات بدائية. وكنت أظن أنني أفهم التسويق. 

كنت مخطئاً. 

لم أكن أفهمه، كنت أمارسه. والفرق بين الاثنين كالفرق بين من يقرأ عن السباحة ومن يقفز في النهر.

حينها اصطدمت بجدار، ليس تقنياً، جدار من العقول. أصحاب المنتجات يصرون على نماذج قديمة. مباشرة. أقرب إلى الموضة منها إلى الاستراتيجية. لا أحد يهتم بقياس الأثر. كانوا يريدون ظهوراً. ضجيجاً. بريقاً. أما “لماذا” فلم تكن سؤالاً مطروحاً أصلاً، وكان المسوق في نظرهم ليس محللاً، بل نجماً يبيع الوهم بثقة.

اليوم، بعد ثلاثة عقود ونيف، وأنا أنظر إلى ثورة الذكاء الاصطناعي، يعود السؤال نفسه بثوب جديد: هل يمكن لنموذج يخلط بين الغرور والتسويق أن يعيش في عصر البيانات والخوارزميات؟

الخوارزمية لا تجامل… لا تحابي. لا تكترث لشهاداتك المعلقة على الحائط، تُظهر النتائج كما هي. عارية.

هنا يبدأ الفرق بين من يمارس التسويق ومن يفهمه. بين من يصنع ضجيجاً ومن يترك أثراً.

لماذا تفشل مشاريع التحول التسويقي؟ 

الرقم صادم. 

أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي في التسويق ستُلغى. ليس لأن التقنية فاشلة. بل لأنها لم تتجاوز مرحلة التجريب. هذا ما خلص إليه تحليل خبراء “معهد غارتنر”.

أربعون بالمئة ـ أي أن ما يقارب نصف الاستثمارات في هذا المجال تتبخرـ لا بسبب خلل في الخوارزميات. بل بسبب خلل في العقول التي تديرها.

والسؤال الملحّ: لماذا؟ 

الجواب ليس تقنياً. إنه ثقافي. عقلي. مؤسسي. الشركات تشتري الأدوات الذكية كما يشتري المراهق حذاءً رياضياً جديداً، ظناً أن الحذاء هو من سيركض. لكن الأدوات لا تفكر. لا تبتكر. لا تبني علاقات. البشر هم من يفعلون ذلك. وحين يبقى البشر بمنهجياتهم القديمة، وتُرمى بين أيديهم أدوات متقدمة، تكون النتيجة كارثية، كمن يضع محرك طائرة في سيارة قديمة: القوة موجودة، لكن الهيكل لا يحتمل.

في بعض الشركات، يسيطر ما أسميه “نموذج المالك الأفهم”. رجل يملك القرار، ويملك معه قناعة راسخة بأن حدسه الشخصي لا يخطئ. لا يستوعب التحولات الذهنية العالمية، ولا يريد أن يستوعبها. يكفي أنه “يعرف السوق” منذ ثلاثين عاماً.

وفي شركات أخرى، تسيطر النخبة التقنية: فريق يمتلك الأدوات، يفكك الخوارزميات، يتحدث بلغة الأكواد، لكنه يفتقر إلى أبسط مهارات التسويق. لا يفهم الإنسان، يرى في العميل بيانات، لا رغبة.

كلا التيارين يعيق بناء العقلية التسويقية الذكية. لماذا؟ لأنهما يهملان الجوهر لصالح الشكل. الأول يهمل الأدوات. والثاني يهمل الإنسان… التسويق الذكي يحتاج الاثنين معاً.

أعود إلى مراحل عملي في مؤسسات الإعلان منذ 2003. كنا نعد حملات تعتمد على الصحافة والتلفزيون. كان النجاح يُقاس بارتفاع مؤقت في المبيعات. دون أن نفهم “لماذا” حدث ذلك. كنا نبني على رمال متحركة. نطلق الحملة. ترتفع المبيعات. نفرح. ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. ولا أحد يسأل: ماذا بقي في ذهن العميل بعد أن انتهى الإعلان؟ هل تغيرت علاقته بالعلامة؟ هل أصبح مناصراً؟

لا. كنا نجمع أرقاماً. لا أثراً. 

اليوم، ومع توفر أدوات تحليل رحلة العميل، أصبح بمقدورنا تتبع كل خطوة. كل نقرة. كل تردد. كل توقف قبل الشراء. المفارقة؟ بعض المسوقين ما زالوا يفكرون بعقلية التسعينيات. رغم أن الأدوات تغيرت. يملكون تلسكوباً حديثاً، لكنهم ينظرون به إلى السماء نفسها التي كانوا ينظرون إليها قبل ثلاثين عاماً. لا يبحثون عن كواكب جديدة، يكتفون بتأكيد ما يعرفونه.

هنا تكمن المعضلة الحقيقية. ليست في نقص البيانات، بل في غياب السؤال الصحيح. الفرق بين مسوق يفكر بالبيانات ومسوق يجمعها هو الفرق بين من يسأل “ماذا تقول الأرقام؟” ومن يسأل “ماذا تخفي الأرقام؟”.

الأول يقرأ السطح. الثاني يغوص.

والغوص هو ما يقودنا إلى السؤال التالي: إذا كانت الأدوات متوفرة، والبيانات غزيرة، فلماذا يعجز كثيرون عن بناء فريق يفكر بالبيانات قبل الأدوات؟

بناء فريق تسويقي يفكر بالبيانات قبل الأدوات 

هذا المبدأ ليس نظرياً بالنسبة لي. كان جوهر فلسفتي منذ البداية.

في عام 1992، وأنا أؤسس “مؤسسة علا للخدمات الإعلامية”، فرضت قاعدة واحدة لا استثناء فيها: كل حملة تبدأ بسؤال واحد… ليس “ماذا نريد أن نقول للعميل؟” بل “ماذا يحتاج هذا الإنسان حقاً؟”

السؤالان يبدوان متشابهين. ليسا كذلك. الأول يبدأ من الأنا. الثاني يبدأ من الإنسان. الأول يبحث عن قناة لإطلاق رسالة. الثاني يبحث عن فجوة في حياة إنسان ليملأها، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين تسويق يصرخ وتسويق يُصغي.

في تلك الأيام، لم تكن هناك خوارزميات ولم تكن هناك بيانات ضخمة. كنت أجمع “بياناتي” من الحوار المباشر مع العملاء. من ردود أفعالهم على التصاميم. من نظراتهم حين يرون رسالة معينة. من صمتهم حين لا تعجبهم.

الصمت كان بيانات… التردد كان بيانات. حتى المجاملة كانت بيانات، إذا عرفت كيف تقرأها. كنت أفككها. أحللها. أبني منها فرضيات. ثم أختبرها في الحملة التالية. هذه كانت “البيانات” قبل أن تصبح كلمة رنانة.

اليوم، يمكن للخوارزميات أن تفعل ذلك بسرعة تفوق الخيال، تحلل ملايين التفاعلات في ثوانٍ. تتنبأ بالسلوك قبل حدوثه. تخصص الرسالة لكل فرد على حدة، لكن الروح واحدة: فهم العميل قبل محاولة إقناعه. الأداة تغيرت. الجوهر لم يتغير.

البيانات ليست غاية. هذا ما يخطئ فيه كثيرون. البيانات وسيلة لفهم أعمق للإنسان. والعقلية التسويقية الذكية تبدأ من سؤال محدد: ما الحاجات التي تُظهرها البيانات؟ وليس: ماذا نريد أن نقول له؟

هذا التحول من “البث” إلى “الاستماع” هو هندسة العقلية الجديدة. من خطبة عصماء إلى محادثة ثنائية الاتجاه. من إذاعة تطلق رسائلها في الفراغ إلى مستمع ينتظر دوره ليتكلم.

يقول “كيب بودنار” من HubSpot: “المحادثات التي نجربها اليوم مختلفة تماماً، أصبحت تتمحور حول التعلّم، وليس حول المشاكل.”

عبارة تستحق التأمل. الفريق الذكي لا يبحث عن حلول سريعة… يبحث عن أنماط سلوكية متغيرة. لا يسأل “كيف نبيع أكثر؟” بل “كيف نفهم أعمق؟” ويتخذ قراراته بناءً على فرضيات قابلة للاختبار. لا على حدس شخصي، ولا على خبرة منفصلة عن الواقع… الخبرة وحدها لا تكفي. قد تكون الخبرة سجناً إذا تحولت إلى قناعات جامدة. الفريق الذكي يعرف أن ما نجح أمس قد يفشل غداً، ولهذا يختبر. دائماً. بلا توقف.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كان الفريق يفكر بالبيانات، ويصغي للعميل، فكيف يقيس النتيجة؟ هل يكفي عدد النقرات؟ هل تكفي نسب التحويل؟ أم أن هناك شيئاً أعمق، أصعب قياساً، لكنه هو ما يبقى؟

هنا يبدأ الحديث عن الأثر. لا الأرقام. الأثر. 

حين تتجاوز الرسالة الأرقام إلى الأثر الإنساني

عدد النقرات لا يعني شيئاً.

نسب التحويل لا تعني شيئاً.

أعرف أن هذه العبارة ستثير حفيظة كثيرين، لكنني أقولها بوعي كامل. هذه الأرقام أدوات قياس. لا غايات. هي وسائل للوصول إلى شيء أعمق: الأثر. والأثر، في جوهره، إنساني لا رقمي.

التسويق الذكي لا يكتفي بقياس كم شخصاً رأى الإعلان. بل يسأل: كيف غيّر هذا الإعلان تصورهم للعلامة؟ هل شعر العميل بأنه مفهوم؟ مقدَّر؟ هل أصبح مناصراً يتحدث عن العلامة دون أن يُطلب منه؟

هذه المقاييس النوعية هي ما يميز التسويق الذكي عن التسويق الآلي. الأول يبني علاقة. والثاني يبيع منتجاً. الأول يستثمر في الذاكرة العاطفية. والثاني يستنزفها.

تحذير “هيمانيو خان” من Raymond Lifestyle يستحق أن يُعلَّق على جدران كل وكالة تسويق: “في مشهد تهيمن عليه البيانات، غالباً ما تنسى العلامات التجارية قوة الرنين العاطفي. في التسارع لإنتاج محتوى يومي، يتراجع الاتساق العاطفي.”

عبارة دقيقة… البيانات لا تشعر. البيانات تسجل. لكن الإنسان يشعر. والعلامة التي تنسى هذا الفرق تتحول إلى ضجيج في بحر من الضجيج.

يُقاس الأثر الحقيقي بأسئلة مختلفة تماماً. هل تغيّر تصور العميل عن العلامة؟ هل عاد إليها دون إغراء خصم؟ هل تحدث عنها في مجلس لم تكن حاضراً فيه؟ هذه الأسئلة لا تجيب عليها لوحة تحكم Google Analytics. تجيب عليها المحادثات. الملاحظات. ردود الفعل غير المتوقعة… الشكاوى التي تتحول إلى ولاء. الأسئلة التي يطرحها العملاء دون أن يُطلب منهم.

هذا ما عايشته في تصميم أغلفة الكتب الصادرة عن مؤسسة عُلا في التسعينيات. القارئ لا يتذكر التفاصيل. لا يتذكر العنوان الفرعي. ولا اسم المؤلف بخط صغير. ولا حتى السعر. يتذكر الشعور الذي تركه الغلاف. البصمة العاطفية.

هذه البصمة يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها اليوم… يمكنه قياسها. تصنيفها. التنبؤ بها. لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحدس الإنساني الذي يولد من التمرس. الحدس الذي يقول لك، بعد ثلاثين عاماً في هذا المجال، إن هذا الغلاف سيبيع. ليس لأن البيانات تقول ذلك. بل لأن شيئاً في داخلك يعرف. ثم تأتي البيانات لتؤكد ما عرفته. أو لتنفيه. لكنها لا تأتي أولاً.

الحدس والبيانات ليسا خصمين. هذا خطأ شائع. هما شريكان. الحدس يطرح الفرضية. والبيانات تختبرها. الحدس يرى النمط الخفي. والبيانات تؤكده أو تنفيه. التسويق الذكي هو المزيج بين الاثنين: الفن والعلم. الحدس والتحليل. العاطفة والمنطق. من يملك أحدهما فقط يخسر. ومن يملك الاثنين يبني علامة تبقى أطول.

لكن ما الذي يهدد هذا كله؟ ما الخطر الأكبر الذي يواجه التسويق الذكي اليوم؟ ليس نقص الأدوات. وليس نقص البيانات. الخطر هو أن يتحول التسويق إلى موضة. إلى أداة لتغذية الأنا. إلى عرض عضلات تقني بلا جوهر.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. 

التسويق عقيدة، لا موضة 

من أخطر الآفات التي تواجه التسويق اليوم أن يتم التعامل مع التسويق كموضة عابرة. كترند. كشيء يلمع ثم يخبو. أو كأداة لتغذية الأنا الشخصية. بدلاً من كونه نظاماً معرفياً قائماً على التخطيط والقياس والتعلم المستمر.

في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت البيانات تكشف بسرعة أي نموذج تسويقي يفتقر إلى الجوهر. الخوارزميات لا تحابي الغرور. تُظهر النتائج كما هي. عارية. بلا تجميل. ومن كان يبني سمعته على الضجيج، سيجد نفسه فجأة في مواجهة أرقام لا تكذب.

قرأت في إحدى المنشورات الدوريّة فكرة بسيطة لكنها عميقة ماتزال في ذاكرتي: “الاستثمار على العائد (ROI) لن يختفي، لكن الفكرة هي دمجه مع مؤشرات نوعية أخرى تركز على العملاء والتحليل.”

هذا هو التسويق الذكي في جوهره: مزيج من الفن والعلم. من الحدس والتحليل. من العاطفة والمنطق. ليس اختياراً بينها. بل دمجاً لها. من يفهم هذا يستطيع أن يبني علامة تصمد. ومن يصر على أن التسويق “شعور داخلي” فقط، أو “أرقام فقط”، سيخسر. الأول يطير بلا بوصلة. والثاني يمشي بلا قلب.

هذه المعضلة كانت حاضرة في بداية رحلتي المهنية. كنت أواجه مسوقين يصرون على فرض رؤاهم بناءً على “شعورهم الداخلي”. لم يكونوا يريدون اختبار الفرضيات. لم يكونوا يريدون سماع البيانات. كانوا يتعاملون مع التسويق كموضة. أو كأداة لإثبات الذات.

“أنا أشعر أن هذا سينجح”، يقولون. وحين تفشل الحملة، يبحثون عن أعذار. السوق لم يكن جاهزاً. المنافسة كانت شرسة. الإعلان لم يظهر في الوقت المناسب. أي شيء إلا الاعتراف بأن حدسهم كان خاطئاً. لأن الاعتراف بذلك يعني أنهم ليسوا “النجم” الذي تصوروه.

في عملي في الجامعة الافتراضية السورية، رأيت النموذج المضاد. تسويق يُبنى على الثقة. على فهم أن العميل شريك في رحلة معرفية. وليس مجرد هدف لإطلاق رسالة. لم نكن نبيع خدمة تعليمية. كنا نبني علاقة. علاقة قائمة على أن الطالب ليس رقماً في قاعدة بيانات. بل إنساناً يبحث عن مستقبل.

هذا الفهم غيّر كل شيء. غيّر اللغة. غيّر القنوات. غيّر التوقيت. حتى غيّر الصمت بين الحملات. أحياناً، أفضل تسويق هو أن تصمت. أن تترك العميل يتذكرك دون أن تتدخل.

هذا النموذج هو الوحيد القادر على البقاء في عصر الذكاء الاصطناعي. لماذا؟ لأنه يضع الأثر قبل الانطباع، والعلاقة قبل الصفقة. الخوارزمية تستطيع أن تجلب لك ألف عميل في يوم. لكنها لا تستطيع أن تجعل أياً منهم يعود. العودة قرار إنساني. الولاء شعور. الثقة بناء. وهذه أشياء لا تُشترى بالأدوات، بل تُبنى بالعقلية. العقلية التي ترى في التسويق عقيدة، لا موضة.

الموضة تمر، دائماً. أما الأثر، فيبقى. 

لكن الكلام عن العقلية يبقى نظرياً إن لم نواجه السؤال الأصعب.

المعيار التسويق كموضة (ضجيج) التسويق كعقيدة (أثر)
الهدف الظهور. الانطباع اللحظي. الأثر. العلاقة. التغيير الدائم في التصور.
المقياس عدد النقرات، مرات الظهور، ارتفاع المبيعات المؤقت. تغير السلوك، الولاء، المناصرة، العودة الطوعية.
العلاقة بالعميل هدف لإطلاق الرسالة. رقم في قاعدة بيانات. شريك في رحلة معرفية. إنسان له رغبات ومخاوف.
مصدر القرار الحدس الشخصي. “شعوري الداخلي”. الخبرة المنفصلة عن الواقع. فرضيات قابلة للاختبار. بيانات + حدس. تجربة + تحليل.
الدور في المؤسسة أداة لتغذية الأنا. مسرح للاستعراض. نظام معرفي. بنية تحتية للتفكير الجماعي.
التعامل مع الفشل البحث عن أعذار. السوق لم يكن جاهزاً. المنافسة شرسة. اعتراف بالخطأ. تحليل. تعديل. تعلم.
الأفق الزمني حملة. موسم. ترند. علامة. عقد. إرث.
السؤال المركزي ماذا نريد أن نقول؟ ماذا يحتاج هذا الإنسان حقاً؟

انظر في هذا الجدول. ليس للتحليل الأكاديمي. إنه مرآة. اسأل نفسك: أين يقف فريقك؟ أين تقف أنت؟ الجواب على هذا السؤال هو بداية هندسة العقلية التسويقية الذكية في مؤسستك. ليس نهاية الطريق. بل أول خطوة فيه.

هندسة العقلية التسويقية الذكية

الآن، بعد أن وضعنا كل قطعة في مكانها، يمكننا أن نرى الصورة كاملة.

التسويق الذكي ليس مجموعة أدوات متناثرة. ليس قائمة تطبيقات، ليس شهادات مهنية معلقة على الحائط، إنه نظام متكامل. بنية تحتية ذهنية. أربع ركائز. إذا انهارت إحداها، انهار البناء كله.

الركيزة الأولى: التحرر من منهجيات الماضي.

ليس لأن الماضي سيء. بل لأن الأدوات القديمة صُممت لعالم مختلف. عالم خطي. بسيط. بطيء. أما اليوم، فالعميل يتفاعل مع العلامة عبر عشرات النقاط المتشابكة. في تطبيق. في تغريدة. في تعليق. في محادثة مع روبوت. النموذج الخطي ـ انتباه، رغبة، اهتمام، شراء ـ لم يعد صالحاً.

كما قالت “عائشة فروست” من HubSpot: “اعتاد الناس التحرك في خطوط مستقيمة، والآن نراهم يفعلون أشياء لا حصر لها… نحن بحاجة إلى إطار ديناميكي، متكيف، يشبه الحلقة وليس الخط.”

الحلقة، لا الخط. هذه هي الركيزة الأولى.

الركيزة الثانية: بناء عقلية قائمة على البيانات، لا على جمعها.

الفرق بين من يجمع البيانات ومن يفكر بها هو الفرق بين من يلتقط الصور ومن يقرأ القصص. البيانات وسيلة لفهم أعمق للإنسان. ليست غاية. والفريق الذكي لا يسأل “كم عدد النقرات؟” بل “ماذا تقول هذه النقرات عن رغبات العميل؟”. لا يسأل “ما نسبة التحويل؟” بل “لماذا تحول هؤلاء، ولماذا لم يتحول أولئك؟”.

الأسئلة هي التي تصنع العقلية. لا الأجوبة.

الركيزة الثالثة: التركيز على الأثر الإنساني في التواصل.

لا يكفي أن تُرى الرسالة. يجب أن تُحدث فرقاً. أن تغير تصوراً. أن تترك أثراً عاطفياً. التسويق الذكي يقيس ما لا يُقاس عادة: الشعور. الولاء. المناصرة. هذه مؤشرات لا تظهر في لوحات التحكم. لكنها تظهر في المحادثات. في التوصيات. في العودة الطوعية.

الخوارزمية تستطيع أن تحلل البصمة العاطفية، لكنها لا تستطيع أن تخلقها. الخلق يبقى إنسانياً. الحدس الذي يولد من التمرس. من ثلاثين عاماً في هذا المجال. من آلاف الحملات. من أخطاء لا تُحصى.

الركيزة الرابعة: الالتزام بالتسويق كعقيدة معرفية.

ليس كموضة. ليس كأداة لإثبات الذات. بل كنظام معرفي قائم على التخطيط والقياس والتعلم المستمر. الخوارزميات لا تحابي الغرور. تُظهر النتائج كما هي. ومن يبني على الضجيج، ينهار مع أول ريح. أما من يبني على المعرفة، فيصمد. ليس لأنه يعرف كل شيء. بل لأنه يعرف كيف يتعلم. كيف يختبر. كيف يعدل. كيف يعترف بالخطأ.

هذا هو الفرق بين من يمارس التسويق ومن يعيشه.

هذه الركائز الأربع ليست منفصلة. ليست أربع مقالات في مقال. إنها نسيج واحد. إذا حررت نفسك من الماضي، لكنك لم تبنِ عقلية البيانات، فأنت تتحرك بلا بوصلة. وإذا بنيت عقلية البيانات، لكنك أهملت الأثر الإنساني، فأنت تبني آلة بلا روح. وإذا اهتممت بالأثر، لكنك تعاملت مع التسويق كموضة، فأنت تبني على رمال. الركائز الأربع معاً. لا واحدة منها وحدها.

هذا هو معنى “هندسة العقلية”. ليس تغيير الأدوات. بل إعادة تصميم طريقة التفكير الجماعية في المؤسسة.

أسئلة منهجية 

كل ما سبق يقود إلى لحظة واحدة. لحظة الصدق. حين تجلس وحدك، بعيداً عن العروض التقديمية. بعيداً عن اجتماعات الفريق. بعيداً عن لغة “الترند” و”الابتكار” و”التحول الرقمي”. وتسأل نفسك سؤالين لا ثالث لهما.

السؤال الأول: هل فريقي ينتظر التعليمات أم يبحث عن الأنماط؟

الفرق بين الاثنين هو الفرق بين فريق ينفذ وفريق يفكر. الأول ينتظر أن تُقال له ماذا يفعل. الثاني يسأل لماذا نفعل هذا. وماذا تقول البيانات. وما الذي لم نجربه بعد. الأول أداة. الثاني عقل. والمؤسسات التي تبنى على الأدوات تبقى حيث هي. أما التي تبنى على العقول، فتتقدم.

السؤال الثاني: هل نقيس الأثر أم نجمع الأرقام؟

الأرقام سهلة. تظهر في لوحات التحكم. تُطبع في التقارير. تُعرض في الاجتماعات. لكن الأثر مختلف. الأثر لا يظهر في تقرير. يظهر في عميل يعود دون أن تُرسل له عرضاً. في مناصر يتحدث عنك في مجلس لم تكن حاضراً فيه. في ذكرى عاطفية تركتها رسالة لم تكن متوقعة.

الأثر بطيء. صامت. لكنه يبقى. أما الأرقام، فتتغير مع أول حملة جديدة. مع أول منافس يخفض السعر. مع أول تغير في الخوارزمية.

الإجابة على هذين السؤالين هي بداية هندسة العقلية التسويقية الذكية في مؤسستك. ليست النهاية. البداية. لأن الهندسة عملية مستمرة. لا تنتهي. كل حملة درس. كل عميل معلم. كل فشل فرصة. وكل نجاح فخ.

من يفهم هذا، يعرف أن التسويق ليس وظيفة. ليس مهنة. إنه طريقة في النظر إلى العالم. إلى الإنسان. إلى العلاقة بينهما.

والتسويق الذكي ليس مجموعة أدوات. هو نظام متكامل. أربع ركائز. التحرر من منهجيات الماضي. بناء عقلية قائمة على البيانات. التركيز على الأثر الإنساني. الالتزام بالتسويق كعقيدة معرفية. هذه الركائز الأربع تشكل “هندسة العقلية التسويقية” التي تمكن الفرق من الانتقال السلس من عصر التخمين إلى عصر اليقين.

لكن اليقين لا يعني الجفاف، لا يعني أن نصبح آلات. اليقين يعني أن نبني على أرض صلبة، أن نعرف لماذا ننجح، ولماذا نفشل. أن نتوقف عن التخمين، ونبدأ في الفهم. أن نرى في العميل إنساناً. وفي البيانات وسيلة. وفي التسويق أثراً.

#سفيربرس _بقلم :الإعلامي حسين الإبراهيم

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى