“شموس في الظل” للشاعر العراقي طلال الغوار حينما يختصرُ الشعرُ مجرّةً لغويةً، قائمةً ببلاغاتها
#سفيربرس ميرفت أحمد علي_بيروت

الديوان الشعري (شموس في الظل) للشاعر العراقي (طلال الغوار) صدر في بغداد 2023 عن دار الشؤون الثقافية العامة، بواقع 168 صفحة، ويتضح لمن اطَّلع على الدواوين الشعرية السابقة للشاعر إيّاه، أنه مشتملٌ على نصوصٍ من ديوانه السابق (أول الحب أول المعنى)، وبعضِ لمحاتٍ وظلال من ديوانه الجميل (أشجار تتبعها الطرقات)، وقد بنيتُ هذهِ الدراسة على هذه الطبيعة التداخلية بين الدواوين الثلاثة:
مُدخل
يجمعُ الكتاب أكثر من مئة نص قصير، تتوزع بين القصيدة الحرة والمقطوعة والشذرة والقصيدة المقفّاة. وعنوانهُ قائمٌ على مفارقة ضوئية: «شموس» تُقيم «في الظل»، أي إشراقٌ مستور، وهو صدىً لعنوان «شموس لم أرها» الذي يتصدَّر نصاً من الديوان الأول. وهذا العنوان يلخِّص مشروع الشاعر: أن يصطادَ في العتمة ضوءاً ممكناً، وأن يحملَ الجرح والحرب والغياب على كتف الشجر والنهر والكلمة. ولذلك يصلح العمل لأن يُقرأ كحصيلةٍ لتجربة تعيدُ ترتيب مفاتيحها، لا كحلقةٍ منفصلة عن سابقاتها.
ينتهجُ الشاعر أسلوباً شعرياً حداثياً، له مبرراته وعلاماته الدالَّة، ومنها:
1. التقطيع البصري، والعبارة القصيرة:
يقوم الكتاب على اقتصادِ الكلمة وتفتيتِ الجملة إلى أنفاسٍ بصرية قصيرة:
«في طفولتي / كنت أعلِّق وجهي / على شجرة / وأنا / أنصب تحتها / فخاخي / كي أصطاد الشمس»
(ص 5).
كلُّ وقفةٍ هنا تعلِّق المعنى وتؤجل الدهشة إلى السطر الأخير. والبياضُ بين الأسطر جزءٌ متضمَّن من الإيقاع، يقومُ مقام الوقفة الصوتية في الإلقاء. وقد جعل الشاعر من النجمتين (* و **) فاصلاً يحوِّل النص الواحد إلى عنقودٍ من اللقطات والمتوالياتِ المشهدية، كما في اللوحات التعبيرية: «العاشق» و«أول الشعر» و«إيماءات».
2. تجاوُر الحرّ والمقفّى:
لا ينحازُ الكتاب إلى الشعر الحر وحده؛ ففيهِ مقطوعات مقفّاة منتظمة التفعيلة، كـ«وجد»:
«كل الذين تحبهم / ذهبوا / ومضى بطيِّ الريح وعدُك … ضاقَ بالطرقات وجدُك» (ص 11).
و«شوق»: «كما هي تبكي أنا قد بكيت / ومن فرط شوقي دموعي شربت» (ص 78).
و«همسة» (غرس/همس/شمس)
و«شجن» (صمتٌ/بيتٌ/ميتٌ/زيتٌ)
و«طفل أنا» و«حنان».
والدلائل كثيرة ومنثورة في غيرِ مكان…
ويكادُ يكونُ التوزيع الإيقاعي في قصائدِ الديوان قاعدةً عامة ينتهجُها الشاعر؛ إذ تحضر القافية حين يتغلَّب الغناء والحنين والحب على الساحة الشعورية، وتغلبُ التفعيلة الحرة والنثرية حين يحضرُ السؤال والتأمل والموقف السياسي، كما في نصوص «حرريني من قبضتكِ» و«عذراً» و«بلادي» و«اعتزال». وهذه ثنائيةٌ تشي بوعيٍ فنيٍّ عميق ومُختمر في تجربة الشاعر:
الموسيقى العالية للعاطفة، والإيقاع المفتوح للمُساءلة والإيغال الفلسفي فيما وراء الأفق النصي ومراميزه.
3. التصوير الانزياحي واللون الأخضر:
الصورة في شعر طلال الغوار تبدو عمادَ الكتاب، تتجاورُ فيها الطفولة بمحدوديتها مع الكونِ بأسره، نستقي على سبيلِ التدليل بعضَ عبارات متناثرة في صفحات الديوان، تعززُ المجاورة بين المحدود واللامحدود:
«ارتديتُ موجاتِ النهر / ومشيتُ بخطواتِ الأشجار» (ص 150)
والنهر الذي «ينصبُ عند الضفافِ فخاخاً / كي يصطادَ الموجات» (ص 143)
والهديل الذي «يثقبُ قلبَ الظهيرة» (ص 148).
وللتشخيصِ في قصائد الغوار سلطةٌ واسعة: فالشجرة «تتكتَّم على حزنها» (ص 36)، والريح «تفتضُّ رسائل الطيور» (ص 93)، وسواه كثير…
ويبرزُ اللون الأخضر مفتاحاً دلالياً، يُسنَد إلى غير المرئي؛ فيتحولُ إلى مقياس للحياة، كما في المختارات التالية:
«أغنيةٌ خضراء» (ص 52)، و«ببكاءٍ أخضر» (ص 143)، و«المطر الأخضر» (ص 150).
ولذا نستشعرُ الصدمة في قصيدة «قصيدتي لم تعدْ خضراء»، فكأنَّ الشاعر يعلنُ أن الحياة نفسها قد جفَّ نسغها في القصيدة التي هي المبتدأ والمنتهى في وعيِ الشاعر العاشق لقصيدته، والميمِّم شطرَ تصاويرها وهوى إلهاماتها، لا يَعوقُه عن حبِّه عائق، ولا ينافسهُ فيه منافس!
4. البناءُ بثناياتِ التكرار والحوار:
تتكئ القصائدُ الطويلة في ديوان (شموس في الظل) على بُنى متراكمة، كما في:
«رأيتُ» وفي «وداع» (ص 148–149)، وفي «عذراً» (ص 71–72)، وفي «هناك» (ص 124–127)، وفي «ما جدواك» (ص 31–32)، وأيضاً «أنا … أنا»، ومثلها في «الشاعر» (ص 88–89).
وهذا التراكم يخلقُ نبرةَ اعتراف جماعية تصعدُ درجةً بعد درجة، فتتسلق المعنى المنشود بعنادٍ وبكفاح منظوريْن وملموسين لدى المتلقي.
ويتعدَّد الصوت داخل النص الشعري الواحد في الديوان؛ فالقصيدة تخاطبُ شاعرها في «اخضرار المعنى» («لا تكتبني بفأسِ الحطّاب»)
والطفلةُ تحاكمُ القصائد في «أحلام في غيمة»
والأبُ الضرير يخرجُ من قبره في «اعتزال».
ويخفِّف هذا الحوار من الغنائيَّة المنفردة لدى الشاعر، ويُحيلُ شِعرياته الأنيقة إلى نصوصٍ درامية مصغَّرة.
وبالانتقال من فذاذاتِ الأسلوب الشعري لدى طلال الغوار، إلى شواغلِ تفكير الشاعر، تبرزُ في المرآة قضايا نذرَ الشاعر نفسه لها، وهجسَ بها لعقود، قبل أن تترجمَ في ديوان، ومن تلك القضايا المكرورة الطافية على سطوحِ الوجدانِ الملساء العاكسة:
1. الحب بوصفهِ أصلَ المعنى:
يستمرُّ الحب مفتاحاً للدلالة، كما في الديوان الأول: «كلما أكثرتُ من التأويل / كان حبّك / هو المعنى» (ص 18). غير أنَّ الشاعر يعيدُ النظر في عجز اللغة عن حملِ المعنى، كما في قوله:
«ليس عندي / من الشعرِ ما يكفي / كي أقول لك / أنا أحبك» (ص 19).
ويبلغُ الحب أعلى حسيَّته في صورة الطبخ والقطاف: «أقلِّبك / على نار قصائدي / بهدوء / ثم أقطفك / وردةً يانعة» (ص 20).
وفي مقطوعتهِ الآسرة «اسمِّي حبيبتي قصيدة» (ص 46–47) تخرجُ الحبيبة من أعطافِ الكلمات:
«كم هي كلماتي ضيقة / ها هي حبيبتي / تخرجُ منها».
ويرسِّخُ نصّ «تقرأ الحياة شعراً» (ص 135–137) هذا الاتحاد؛ فثمَّة فتاةٌ تطلب أن تُوضع في قصيدتها الأنهار والحدائق والأطفال، بدعوى لها فيها كلُّ الأحقية مفادُها: «أليس الحب كما الشعر؟».
2. الشعرُ كهاجسٍ مُستوطن:
يشتغلُ الشاعر طلال الغوار في ديوان (شموس في الظل) على سؤالِ الكتابة نفسِه:
«الشعرُ جرحٌ نازف / لكنَّه عبق» (ص 23).
وفي قصيدة «حديقة»، تتحولُ الكلمات إلى براعم:
«رأيتُ الكلمات / تأخذُ شكل البراعم»، وينتهي النصُ بعبارة: «أشذِّب قصيدة جديدة» (ص 24–25).
وفي «فكرةٍ ملساء» تُولد القصائد من الانزلاقِ، يقول الشاعر:
«القصائدُ التي تولد دائماً / من فكرةٍ ملساء» (ص 51)
ويقرُّ في «أخطاء»: «إنها أخطائي الوديعة» (ص 57).
وللشعرِ وجهٌ سلطويٌّ يحاكمهُ الشاعر في قصيدة «حرريني من قبضتكِ»، فيقول:
«ما جدواكِ إذن / إذا لم تنتزعي الفؤوس / المخبأة في قلبِ الأشجار» (ص 31–32). فالقصيدةُ التي لا تنتزعُ الفأس من الشجرة… تفقدُ مبرر وجودها، وهذا جوهرُ وعيِ الشاعر الأخلاقي بالكتابة.
3. ثلاثيةُ الحرب والبلاد والاستبداد
هذه الثِّيمةُ تجسِّد برأيي أعمقَ ما يضيفهُ الكتاب إلى الديوان. إذ تحضر الحرب بخنادقِها وبخُوذها:
«خرجتُ من الحربِ / وليس معي / سوى بضعِ قصائد» (ص 155)، تحملها وديعةً عن أصدقاء «يبستْ حياتهم هناك / خلفَ السواتر».
وتتحولُ الفاجعةُ إلى لقطةٍ قصيرة فادحة الخسارة والألم في قصيدة «الشهيد»:
«رأيتُ يد الشمس / تلملمُ أشلاءه / وأخذتهُ إليها» (ص 82).
أمّا نقدُ السلطة… فيمرُّ عبرَ فلتر السخرية، ونستحضرُ هذا المجال في هذا السياق:
«ذلكَ القائدُ … أراد أن يكون مضيئاً / فأشعلَ فيها الحرائق» (ص 42).
ويصلُ إلى المدينةِ الميتة: «وجوهاً لا ملامحَ لها … إنها قبورٌ تمشي» (ص 86، وتعود في ص 143).
وتتخذُ الرؤيةُ موقفاً صريحاً من العنف الديني، كما في قول الغوار:
«لن تصلَ الجنة / لا بالقتلِ / ولا بالسيف / أنتَ تصلُها / بالحب» (ص 154).
4. الطفولة والأبوَّة والقرية:
تبدو الطفولةُ في وعي الشاعر طلال الغوار كفردوسٍ مسروق، نلتقطُ تدليلاً على ذلك في مقطع «لغة الماء» فيقول:
«كي أصطادَ الموجات / وأضعها في جيبي» (ص 33)،
وفي قصيدة «انتظار»، إذ يقول: «طفلٌ / ما زال ينتظرني / خلفَ شجرة / منذ خمسينَ عاماً / غير أني لم أره» (ص 132).
والأبُ حاضرٌ بوصفهِ ضميراً وعتبةً، ضريراً يدسُّ الصباحات في حقيبةِ ابنه المدرسية، ثم ميتاً يخرجُ من قبره ليطمئنَّ على حفيدِ أحلامه (ص 107–109).
5. الزمن والطريق الذي لا يُجتاز:
يتكررُ في الديوان حضورُ الطريق الطويل الذي «لم أقطعْه بعد» (ص 62)، ويتسعُ في «يوسف» إلى بئرٍ عمرُها قرون: «وأنا في هذا الجبِّ / أضيءُ بانتظاري / ظلامهُ الثقيل» (ص 121).
فالزمنُ هنا ليس تتابعاً، بل انتظاراً طويلاً فائضاً عن قدرةِ الاحتمال، والمعنى يؤجَّلُ دائماً إلى الأفق التالي.
وكنظرةٍ عامة، تُبرزُ مزايا الكتاب نضجَ الرؤية الإبداعية عند الشاعر طلال الغوار، وتنوُّعَ الأصوات، وقدرةَ الشاعر على جعل الشذرة تحملُ فاجعة كاملة، كما في («الشهيد»)، ونلمسُ كقُرّاء جِدَّةَ بعض النصوص كـ «اعتزال» و«ما يصلح لكتابة قصيدة».
وأهمُّ ما يستحق المراجعة والوقوف على ضفافهِ في هذا الديوان، كثرةُ المُعاد والملحوح عليهِ في القضايا الفكرية لدى الشاعر، إذ تتشكلُ «إشراقات» (ص 36–45) من مقاطع مجمَّعة يعرفها قارئُ الديوان الأول («النهر الذي لم يرثْ وصيته أحد»، و«أتأبّطُ ستين عاماً»، و«أولئك الطائفيون فؤوس مخبأة»). وهذه تقنيةُ تجميع (كولاج) لها وجاهتُها، لكنها تفقدُ أثرها حين لا تضيفُ تحويلاً. وتتكررُ عناوين («القصيدة» ثلاث مرات، و«همسة» و«حب» مرتين) من دون فروق كافية في المداليل.
وقد وردتْ اقتباساتٌ وتناصّات رائعة، أبدعَ فيها الشاعر الغوار الصُّنعةَ الشعرية، ومنها:
اقتباس ديني ولفظي (محوَّر أو جزئي):
«لأقرأَ في سورة الموج / وعدَ القطاف» (ص 87): نقلَ مصطلح «السورة» إلى الموج، فأصبحَ البحر كتاباً مقدساً.
«ولم ترتِّق ثوبها / الذي قُدَّ من الخاصرة» (ص 71): لفظ «قُدَّ» قرآني (سورة يوسف)، وقد نقلهُ من القميص إلى ثوبِ الوطن.
«ألا شجرٌ نحو ضوئكِ يمشي / فأتبعه» (ص 12): تمنٍّ بأسلوب «ألا» على نمط الخطاب الصوفي والقرآني.
«حينما تأبَّطوا شرَّهم» (ص 9): اقتباس من لقبِ الشاعر الصعلوك «تأبَّط شرّاً».
«أَخرجيني من جبِّ الكلمات» (ص 31) و«وما زلتُ أسمعُ صوت يوسف في الجب» (ص 121): استدعاء قصة يوسف كاملة.
«إن شحَّ في القنديلِ زيت / لم يزل في القلب زيت» (ص 119): صدى محتمل لصورةِ القنديل والزيت في آيةِ النور، وهو أضعفُ من سابقاته.
اقتباس أسطوري وأدبي:
«لا تبحث عنها في أعماقِ البحر / كما فعلَ البطل جلجامش / ابحث عنها بعيداً في أعماقك» (ص 84): اقتباسٌ صريح من ملحمة جلجامش (نبتة الخلود)، مع قلبِ الاتجاه من البحرِ إلى الداخل.
«لا أحبُّ البكاء على الأطلال» (ص 64): نقد لمقدمةِ القصيدة القديمة.
«شارع المتنبي» (ص 85–86) و«شارع الرشيد» (ص 98): اقتباسٌ من ذاكرة المكان البغدادي.
ومن التناصّات الآسرة:
1. التناص الذاتي (وهو السمةُ الأبرز في الكتاب):
إذ نجد في (شموس في الظل) أنَّ عناوينَ بعض القصائد هي عناوين لدواوين الشاعر السابقة، مثل:
«حرريني من قبضتكِ» و«احتفاء بصباح شاغر».
2. التناصّ القرآني والأسطوري: الاتكاء المُتقن على سورة يوسف (الجب، الذئب، الإخوَّة، القميص)، وجلجامش (الخلود)، وتأبَّط شرّاً (الصعلكة).
3. التناصّ مع الواقع السياسي: تردُ في نصوص: «منذ 2003» في «شارع المتنبي»، والخنادق والخوذة والسواتر، والحديث عن الطائفية، وهي إحالات واقعية تجعلُ النص وثيقةً شعرية توثِّقُ مرحلةً ما.
كما لا يخفى على قارئ الديوان، اكتنازُ قصائدِه من الغلافِ إلى الغلاف بأضرابِ البلاغة العربية وبأنماطها السائدة، من تشابيه، مثل (والليلُ بعض قصائدي)، واستعارات مثل (تحطُّ على كتفي شمس)، وكنايات مثل ( أتأبَّطُ ستين عاماً) و(ابيضَّت سنواتي)، ومجاز مرسل من قبيل (أصابع الروح) و(حنجرة الشجر)
واحتفَت القصائد بأساليبِ علم البديع، كالطباقاتِ وما أكثرها مثل ( يختبئ في بكائهِ… للضحك)
و(أهربُ منها…إليها التجأت)
كما تتضحُ أساليب المقابلة: «بهاؤك واسع … لكن دروبك ضيقة» (ص 110).
وثمَّة استحضاراتٌ خلّاقة للجناس الاشتقاقي مثل: «أتمرأى … مرايا» (ص 19 و95)، و«تقلبني … تقلب تأريخاً» (ص 49)، و«أكتبني … تكتبني» (ص 63–65).
والسجع والقافية حاضران: «وعدُك/وردُك/وجدُك»، و«بكيتُ/شربتُ/عرفتُ/التجأتُ»، و«صمتُ/بيتُ/ميتُ/زيتُ».
واستخدمَ الشاعرُ في الديوان أساليبَ المفارقة كقوله:
«وكنتُ طليقاً حتى في قفصِ أحلامها» (ص 32)
و«أرادَ أن يكون مضيئاً / فأشعلَ فيها الحرائق» (ص 42)
ووردَ حسنُ التعليل، كما في قول الشاعر:
«بكتْ بينَ يديه العمامةُ / لكثرةِ ما كان يدسُّ بها / ضحكاته المخاتلة» (ص 152)
و«الليلُ لا يعرف نفسه / حين يكون بلا قمر» (ص 21).
وإذا سُئلتُ (وهذا رأيٌ شخصي) عن أفضلِ خمسِ قصائد في ديوان (شموس في الظل) للشاعر طلال الغوار، أقول:
1. «اعتزال» (ص 107–109)
برأيي هو أنضجُ نصوص الكتاب. أبٌ ضرير «يدسُّ الصباحات في حقيبتي المدرسية»، ثم يموت ويخرج من قبره ليرى ابنه، فلا يجده: «كان خندقاً نائماً / في فراشي / وأحلامي تستندُ على خوذة»، وتأتي الخاتمة كإغلاقِ باب: «أحكمَ أبي / إغلاقَ القبر / واعتزلَ الأحلام».
يجمعُ النص الأبوَّة والحرب والموت في مشهدٍ واحدٍ من دون أن يرفعَ صوته.
2. «حرريني من قبضتك» (ص 29–32)
لأنها قصيدةٌ طويلةٌ تحاكمُ الشعرَ نفسه: «ما جدواك إذن / إذا لم تنتزعي الفؤوس / المخبأة في قلب الأشجار»، ثم تسقطُ الذات في المأزق: «وكنتُ طليقاً حتى في قفصِ أحلامها». إنها مقطوعةُ تجمعُ بين الاعتراف والاتهام، وتفتحُ سؤالَ وظيفةِ القصيدة.
3. «وداع» (ص 148–149)
وجدتُّ بأنَّه نصٌ قائم على «رأيتُ»، يتراكمُ فيه المشهد بلا ثرثرة: «رأيتُ الصباح / يبكي في منديل»، «رأيتُ النوافذَ تطلقُ طيورها / ولا تعود»، وتأتي الخاتمة: «رأيتُني وحيداً / أعبرُ خط استواءِ الحياة».
4. «ما يصلحُ لكتابةِ قصيدة» (ص 103–104)
بدونِ أيِّ انحياز… أجدُهُ نصاً ذكياً ومرحاً في ظاهرهِ، عميقاً في باطنهِ، إذ ثمَّةَ شاعرٌ لا يجدُ في صباحه شيئاً يصلحُ كقصيدة، فيجمعُ في دفترٍ صغير غابةً بعيدة، وزورقاً بلا شراعٍ «يقودُ نهراً باتجاهٍ آخر»، حتى «يصبح كلّ ما حولي / صالحاً لكتابةِ قصيدة».
إنَّهُ بيانٌ صريحٌ يعكسُ جماليَّةَ الخيالِ أمام رتابةِ الواقع.
5. «عندما ينبتُ الزهر» (ص 138–139)
قصيدةٌ مقفّاة مؤثِّرة تجمعُ الحرب بالأمل:
«عندما ينبتُ الزهرُ على خوذتي / في الثقوبِ التي خلَّفتها الرصاصاتُ / وقتَها سأعود». فالزهرةُ التي تنبتُ في ثقبِ الرصاصة… صورةٌ أصيلةٌ تحملُ رسالةَ النص كلَّها.
مُخرج:
ولا نملكُ إلا أن نعترفَ بأن «شموس في الظل» يمنحُ قارئهُ تجربةً ناضجة تكتبُ الحرب والحب والطفولة بلغةِ الشجر والنهر، وتحمِّل القصيدة مسؤوليةَ الشهادة. وهو في أفضلِ نصوصه («اعتزال»، «حرريني»، «وداع») يتجاوزُ الجمالَ إلى الفاجعة، فيجعلُ الظلَّ يتبوأُ عرشَ الشمس.
#سفيربرس ميرفت أحمد علي_بيروت



