“المرأة عدو المرأة” أسطورة قديمة… أم مرآة لواقع مكسور؟. بقلم : ريم الأسعد
#سفيربرس

الفكرة بحد ذاتها تعلمنا أن المرأة بشكل عام مقيدة وليست حرة بالمطلق إذا ما حررت نفسها من هذه القيود الباطنية .
لا تستطيع امرأة أن تدعي أنها حرة مجرد امتلاكها هذه العقدة النفسية والإجتماعية المتوارثة لكي تصبح حرة حقيقية عليها أن تتخلص من براثن فكرة أن المرأة عدوتها ومنافستها .
ففي صالونات التجميل وفي مكاتب العمل وفي مجالس العائلة تُقال هذه الجملة نصف همس ونصف حكمة «المرأة عدو المرأة» تُقال عن الغريبة وعن الصديقة وعن الأخت وأحيانًا عن الأم وكأنها قانون أزليّ لا يحتاج إلى دليل .
لكن هل هي حقيقة بيولوجية؟ أم أنها مرآة معتمة نرى فيها جرح أعمق لنظام اجتماعي يجعل من المرأة ساحة للصراع ومن ثم يلومها على هذي الجراح؟
لماذا نصدّق الجملة؟ القراءة النفسية لذلك تقول أن النفس البشرية لا تكره من لا يشبهها بل غالباً تخاف من يشبهها لأنها تقارن نفسها به و هذا ما يسميه علم النفس «المقارنة الاجتماعية» والمرأة تُقارن بالمرأة لأنها المرجع الأقرب سواء من حيث الجمال ، الأمومة ، الزواج ، النجاح ، القبول . وحين تصبح الموارد الرمزية نادرة كاهتمام الرجل، مكانة العائلة ، فرصة العمل ، صورة الجسد هنا يتحول الشبيه إلى منافس .
ثم يأتي «العداء الداخلي المستبطن» امرأة تربّت في مجتمع يقلّل من قيمتها تتعلّم لا شعورياً أن تحتقر جنسها فتُفرّغ احتقارها في غيرها من النساء فمثلا الأم التي قُمعت تُقمع ابنتها والصديقة التي جُرحت تجرح صديقتها إنه ألمٌ لفعل موروث لا عداء فطري .
وهناك أيضًا «الإسقاط» فعندما تخاف المرأة من فشلها ترى في نجاح الأخرى تهديد وحين تُخان تعمّم الخيانة على كل النساء فتتحول التجربة الفردية إلى حكم جماعي .
البيولوجيا… هل في الجسد عدوّ فطري؟
لا يوجد جين للكراهية ولا هرمون للعداء. لكن هناك فرضيات تطورية تفسّر «المنافسة داخل الجنس»: الذكور يتنافسون على الإناث والإناث يتنافسن على موارد الذكور أو على المكانة . هذه فرضيات تفسيرية ليست قدر محتوم فالإنسان كائن مرن والتعاون بقدرٍ ما هو تنافس .
نعم، هناك هرمونات تؤثر في الانتماء والاستبعاد “الأوكسيتوسين” هرمون الارتباط قد يعزز التعاطف مع «داخل الجماعة» وعدائية «خارجها». والكورتيزول، هرمون التوتر، يزيد الحساسية للتهديد لكن هذه الكيمياء لا تعمل في فراغ فالبيئة والتربية والاقتصاد هي التي تمنحها معناها كامرأة آمنة اقتصاديًا وعاطفيًا لا ترى في كل امرأة عدو .
أما السرّ الأكبر… نظام يجعل المرأة ساحة
السرّ ليس في أنوثة المرأة بل في بنية اجتماعية تجعل قيمتها مشروطة في كثير من المجتمعات الشرقية والغربية تُقاس المرأة بجمالها، بزواجها، بأمومتها، بسلوكها. وحين تكون القيمة نادرة، يتحول «سوق المنافسة» إلى حرب الضرائر في الماضي، الحماة والكنّة، المقارنات بين الأخوات، «حرب الأمهات» و في الغرب ظاهرة «الملكة النحلة» في العمل.
هذا ما يسميه علم الاجتماع «العداء الأفقي» حين تتقاتل الفئات المضطهدة بدل أن تواجه النظام هذا هوصراع النساء .
يبقى السؤال الكبير من صنع الشروط؟ من جعل الجمال رأس مال؟ من ربط بقاء المرأة بموافقة الرجل؟ من يبيع لها الخوف ثم يبيع لها الحل؟
من الشرق إلى الغرب… الوجه نفسه بأقنعة مختلفة
في الشرق، تظهر العبارة في الحكايات الشعبية، وفي تحذير الأم لابنتها من «نساء العائلة»، وفي صراع الضرائر. وفي الغرب تظهر في أفلام المراهقات وفي مسابقات الجمال وفي «حروب الأمهات» بين العاملة وربة المنزل الاسم يختلف والجوهر واحد امرأة تُدفع إلى تربة ضيقة فتتنافس مع من تشاركها التربة.
لكن العبارة ليست نبوءة إنها «نبوءة ذاتية التحقق» كلما رددناهاصنعناها وكلما علّمنا البنات أن الصديقة خطر صارت الصداقة خطر وكلما قلنا إن المرأة عدو المرأة منعناها من اكتشاف قوتها في التضامن
كيف نكسر الجملة؟
أولاً بالوعي ، أن نستطيع أن نفرّق بين الغيرة الطبيعية والعداء المدمّر
وثانياً بالاستقلال الاقتصادي فالمرأة التي لا تحتاج إلى «رجل ينقذها» لا ترى في كل امرأة منافسة
وثالثاً بتربية البنات على الثقة لا على المقارنة
و رابعاً بإعلام لا يبيع صورة المرأة كخصم لنفسها
وخامساً بالصداقة النسائية الواعية أن نتعلم أن نجاح الأخرى ليس فشلاً لنا.
ليست المرأة عدو المرأة العدو هو الخوف والجوع إلى الأمان و نظام يبيع للمرأة صورة ثم يعاقبها إن لم تشبهها. عندما تتغير الشروط تتغير العلاقات وحين تكتشف النساء أن عدوهنّ ليس بعضهنّ يبدأ التغيير الحقيقي عندها فقط تسقط العبارة القديمة… لا لأنها كذبة أخلاقية إنما لأنها لم تعد ضرورة نفسية ولا اجتماعية.
حتى تدّعي المرأة أنها حرة أولا ينبغي أن تتخلص من هذه العقدة التي تعيش فيها
أن المرأة عدّو المرأة .
#سفيربرس _بقلم :ريم الأسعد



