الجحيم الحي بقلم _ بقلم : هدى زوين
#سفيربرس _بيروت

ليس كل جحيمٍ تُرى نيرانه، ولا كل سجنٍ له جدران. ثمة جحيمٌ أكثر تعقيدًا؛ ذلك الذي يعيش فيه الإنسان وهو يمارس حياته بصورة تبدو طبيعية، بينما تتآكل في داخله الطمأنينة، ويتراجع الأمل، ويصبح القلق جزءًا من يومه المعتاد.
الجحيم الحي لا يبدأ بانهيارٍ مفاجئ، بل بتراكمات صغيرة تتسلل إلى تفاصيل الحياة: راتب لا يكفي، خدمة لا تصل، فرصة لا تُمنح إلا لمن يملك النفوذ، قانون يُطبّق بصورة متفاوتة، ووعود تتكرر حتى تفقد الكلمات معناها. ومع كل أزمة جديدة، يتعلم الإنسان كيف يخفض سقف توقعاته، إلى أن يصبح الحصول على أبسط حقوقه طموحًا كبيرًا.
المشكلة ليست في الأزمات وحدها، فالأزمات يمكن أن تمرّ، والمجتمعات قادرة على تجاوز المحن. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأزمة إلى نظام حياة، وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، والخلل أمرًا مألوفًا، والانتظار جزءًا من ثقافة المجتمع.
في تلك اللحظة، يحدث التحول الأخطر: لا يعود الإنسان يطالب بتغيير الواقع، بل يبدأ في البحث عن طريقة للتعايش معه.
وهنا يصبح الجحيم أكثر قسوة.
فالإنسان لا يُهزم فقط عندما يُحرم من حقه، وإنما عندما يقتنع بأن المطالبة بهذا الحق لن تغيّر شيئًا. ولا يفقد حريته فقط عندما يُمنع من الكلام، بل عندما يتعلم أن الصمت أكثر أمانًا من الحقيقة.
ومع مرور الوقت، تتغير معايير المجتمع. يصبح الوصول أهم من الاستحقاق، والعلاقة أهم من الكفاءة، والقدرة على المناورة أهم من النزاهة. تتراجع قيمة العمل الجاد أمام الامتيازات، ويجد الإنسان نفسه أمام منظومة تدفعه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى السؤال عن كيفية النجاة بدل السؤال عن كيفية الإصلاح.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يتحول الفساد من ممارسة مرفوضة إلى واقع قابل للتبرير.
عندما يبدأ الناس بتفسير الخطأ بدل رفضه، والدفاع عن التجاوز بدل مواجهته، يصبح الخلل أكبر من مجرد خلل إداري أو اقتصادي؛ يتحول إلى أزمة في الوعي نفسه.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يرفض أن يتحول إلى نسخة من الواقع الذي يحيط به.
هناك معلّم يصرّ على أن التعليم بناءٌ للعقل لا صناعةٌ للحفظ. وكاتب يرفض أن يجعل قلمه أداة للمجاملة. وإعلامي يدرك أن الكلمة مسؤولية وليست مجرد مساحة للظهور. وموظف يرفض أن يستغل موقعه. وأبٌ وأمّ يربيان أبناءهما على أن الكرامة ليست امتيازًا، وأن الصدق لا يصبح خطأً لأنه مكلف.
هؤلاء قد لا يملكون القدرة على تغيير المشهد كله، لكنهم يملكون شيئًا أكثر أهمية: القدرة على عدم المشاركة في إنتاجه.
فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تفشل مؤسساتها، بل عندما يفقد أفرادها قدرتهم على التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مفروض، وبين ما يجب احتماله مؤقتًا وما يجب رفض تحوله إلى قاعدة.
والسلطة، أيًّا كان شكلها، لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار القرارات، بل بقدرتها على حماية الإنسان من أن يتحول إلى رقمٍ في منظومة المصالح. وحين تصبح السلطة منفصلة عن المسؤولية، يتحول النفوذ من وسيلة لإدارة الشأن العام إلى قوة تعيد ترتيب المجتمع وفق موازين لا علاقة لها بالعدالة.
لكن لا يمكن تحميل السلطة وحدها مسؤولية كل شيء. فالمجتمع شريك في صناعة واقعه، بالصمت كما بالموقف، بالتبرير كما بالرفض، وبالقبول التدريجي لما كان يراه في البداية غير مقبول.
لهذا، فإن مقاومة الجحيم الحي لا تحتاج دائمًا إلى صرخة عالية؛ أحيانًا تبدأ من موقف صغير، من كلمة صادقة، من رفض واسطة، من أداء واجب بإخلاص، من صحفي لا يبيع الحقيقة، ومن إنسان يقرر أن يحتفظ بضميره حتى عندما يصبح التخلي عنه أكثر راحة.
فالظلام لا ينتصر لأنه قوي دائمًا، بل لأنه يجد أحيانًا من يعتاد وجوده.
والأوطان لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عن الأزمات، بل إلى من يرفض تحويلها إلى قدر دائم. تحتاج إلى وعيٍ يعيد للإنسان حقه في السؤال، وحقه في الاعتراض، وحقه في أن يحلم بحياة لا يكون فيها الوصول إلى أبسط الحقوق إنجازًا استثنائيًا.
الجحيم الحي ليس أن نعيش في واقعٍ صعب، بل أن نعتاد صعوبته إلى الحد الذي نتوقف فيه عن محاولة تغييره.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يموت:
متى يصبح احتمال الواقع مشاركةً في صناعته؟ ومتى يتحول الصمت من وسيلة للنجاة إلى سببٍ لاستمرار الجحيم؟.
#سفيربرس _بقلم الكاتبة: هدى زوين



