الشاعرة السورية ميرفت أحمد علي… الشعر هو الرَّابح الأكبر… في حلبة الإبداع اليوم
#سفيربرس _بغداد _حاورها..صباح الخزعلي
على هامش استضافتها في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، التقينا الأديبة السورية ميرفت أحمد علي، وكان هذا الحوار العاجل حول الشعر ومكانته اليوم.
ـ1ـــــ بدايتكِ وأول قصيدة لكِ
بما أن الحوار يتناول الجانب الأحدث في مساري الأدبي وهو (الشعر، تأليفاً ونقداً)، فمن الجميل أن أستذكر أول خطوة حبوتُ بها نحو هذا المعشوق، وكانت في القصيدة العمودية، التي ننبهر ـــــ ونحن بعد في مدارج الفتوَّة واليفاعة ــــــ بالموسيقا الخارجية التي يوفِّرها حرف الروي في ذاك النوع من كلاسيكيات الشعر، إضافة إلى ميزان البحر الذي نتلقَّفه بالسماع وبالاستمتاع أولاً، قبل أن نتعلم صياغته بالمحاكاة أكاديمياً.
ربما يأخذكَ العجب إذا قلتُ إنني حررتُ ما بداخلي من شجن ومواجد تجاه مدرِّسة اللغة العربية في الصف الثامن الإعدادي (التعليم المتوسط)، وكنتُ آنذاك في الثالثة عشرة… وأهديتُ القصيدة للمدرِّسة المتفانية المحبوبة (رفيف عرنوق) أطال الله بعمرها، لقاءَ تشجيعها لي على المثابرة والكتابة… وقتها لم أكنْ أعلم شيئاً عن البحور الشعرية وتفاعيلها وجوازاتها، وجاءت القصيدة لتُحاكي القصيدة العمودية (بالفطرة) بنسبة ثمانين بالمئة، فتأثرت السيدة (رفيف) بما كتبتُ أيَّما تأثر، وانتظرت الفرصة السانحة، فأهدتني في نهاية الفصل الدراسي الأول، الأعمال الكاملة لـ (جبران خليل جبران) وهي كتابيّ: العربية والمُعرَّبة
لم أجد وقتَها عنواناً مناسباً للقصيدة سوى (غدَق)؛ كدلالة على الإلهام والخير الوفير الذي عرفه قلمي وذهني بتعرُّفي على هاتيك المدرِّسة الرائعة، التي أدينُ لها بالكثير من الامتنان… إذ شجَّعتني على ممارسة الإعلام والأدب.
2 ـــ آخر كتاباتكِ
أحدث إصدار لي في مجال الشعر، هو كتاب (في مديح العَراء)، وهو إصدار شخصي، تحمَّل أحدُ الناشرين نفقاته مشجِّعاً ومشكوراً… والكتاب صوتٌ شاجب لكل ما يُضيم الإنسان من مذلّات، واستلابات، وانتهاكات لحق العيش الكريم، و يغلب عليه النَّفس النقدي الساخر المرير، وستتمُّ ترجمته قريباً إلى الفرنسية. إنها أول فرصة تأتيني لترجمة عمل لي إلى لغة أخرى، رغم كثرة إصداراتي.
وقيد الإصدار حاليًا، ديوان شعري للناشئة، بعنوان: (النصف الآخر).
3 ـــ بمن تأثرتِ في بداية حياتكِ؟
الشعراء المُلهمون كانوا كثرًا، في البداية أعطيتُ أُذني وأوليتُ انتباهاتي للشعراء السوريين المعاصرين، لأنني كنت منطربة بتجاربهم، وبما يصدحون به من شعر حديث، وأوليتُ اهتمامي لشعر التفعيلة بالدرجة الأولى، ولم يطل بي أمدٌ حتى افتُتنتُ بقصيدة النثر، وبخاصة حين يتقنُها شعراء قاتلوا من أجلها، وتفانَوا في إخراجها بأبهى الحُلل والصور لتعكس شجون الشعوب، ومآسي الأمم، ودمامة الحروب وقُبحها. بخاصة ما يُعاينُ من تلك القصائد… النزيفَ الغزير الناجم عن اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وكانت تجربة الشاعرين السوريين (صقر عليشي) و(أدونيس) مما تابعتُ باهتمام وجلَد ودأب.
4 ــ أبرز مشاركاتكِ
مشاركاتي كانت قليلة إجمالاً، فاللهاث وراء لقمة العيش الكريمة كثيراً ما أَلهاني عن تلبية الدعوات، سيَّما العربية منها… لكنني في السنوات الأربع الماضية تداركتُ هذه الهفوة، وبدأتُ أُولي اهتمامًا للمؤتمرات وللمهرجانات الأدبية المحلية منها والعربية، وأهمها: مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية (الدورة الحادية عشرة والثالثة عشرة)/العراق
مهرجان الرمثا الشعري والقصصي (ثلاث دورات)/الأردن
مهرجان توزر للشعر العربي/تونس
مهرجان ساكب الدولي للشعر العربي/الأردن
5 ـــ لمن كتبتِ؟
كتبتُ لمظاليم الناس، للشعوب البائسة المحكومة بالقهر بدلَ أن تكون محكومة بالأمل (كما قال الكاتب المسرحي الكبير سعد الله ونوس)
كتبتُ للأطفال الغزَّاويين وغير الغزَّاويين الذين نُهبت طفولتهم، وكبروا ـــ بفعل المآسي ـــ وشاخوا قبل أوانهم.. كتبتُ مندِّدةً بالاستبداد بكل تلاوينهِ، وبالذل بكل أفانينهِ حين يؤولُ إلى فزَّاعة، وإلى شرطي داخلي ورقيب قهري يكتمُ الأنفاس، ويعيقُ تدفقات الحياة الطبيعية.. وجريان الأمل في النفوس البائسة… كتبتُ للوطن الحبيب أتصوَّره يرفلُ بالبهرج والسَّناء، وهامتُهُ تطالُ السماء.. وكتبتُ للطفولة ولحقوقِها ولروعتِها بوصفها مرحلةً عمرية خلابة وذهبية، تتشكلُ فيها ملامح الشخصية والمستقبل والسلوك… وما زالت لديَّ شواغلُ وقضايا جانبية أكتبُ في محاورها وأدورُ في مداراتها، وأجرِّب.
6 ـــ كيف ترَين الشعر في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في العراق؟
الشعر في بلاد الشام، وبخاصة في العراق وسوريا بلغَ أوجَ اكتماله ونضوجه، تتجاورُ فيه القصيدة الكلاسيكية (على استحياء) إلى جانبِ القصيدة الحرة، وفي العراق وسوريا وبعض الأصوات الشعرية في الأردن إضافةً إلى المغرب… ثمَّة اعتناءٌ كبير بالقصيدة النثرية، واشتغالٌ محموم على الحداثة الشعرية وتيّارها الذي يلاقي ترحيباً وقبولاً كبيريْن لدى المبدع والمتلقي، تماشياً مع التطور المدني والحضاري، ومع روح المعاصرة والتجدد. لكن في يومنا الحالي، أجدُ الصوت العراقي له تفوُّق على الأصوات المجاورة، فالشعراء العراقيون هم أبناء المغامرات التجريبية الأولى، بدءاً من نازك الملائكة ومن عاصروها وتلوها، وأسجل للعراق الحبيب الأسبقية في الشعر، والريادة في مناهجه ومسالكه والاجتهادات فيه.
7 ـــ أبرز إنتاجاتكِ
كتبتُ في السنوات الأربع الماضية قرابةَ خمسٍ وثلاثين دراسة نقدية تناولت تجارب شعرية سورية ومغربية وعراقية… وهذا بحد ذاته إنجازٌ أعتزُّ به، فالخوض في النقد الأدبي، الشعري الحداثي بشكل خاص، يقع في مجال اختصاصي كدارسة للأدب، ويقع في مجال اهتماماتي بتتبع الحركة الشعرية لدى كبار شعراء العرب ممَّن أُعاصرهم، وأُعتز بأنني أنهلُ من مشاربهم ما يعززُ ثقتي بنفسي كدارسة لآدابهم، وكخائضة في الشعر الحديث… فالنقد أضافَ لي الكثير، ونمَّى الذائقة والملكة الشعرية لديّ، وأسَّس لرؤية إبداعية لم تتأثر بمَن قرأتُ لهم فحسب، بل نسجتْ لنفسها على منوالها الخاص، أسلوبَها الخاص وأدواتها الخاصة… فأنا حريصة على ألا أكرر مفردات الآخرين، وأن أختصَّ بما يَميزُني عن الشعراء من مفرداتٍ وصور، وهذه مكابدةٌ شاقة جداً، وتحدٍّ لا أزعمُ أنني كسبتُ رهانَه، ولكنني ما أزال في طور المحاولات العنيدة والصبورة الدؤوبة.
8 ـــ برأيكِ بماذا يجب أن يتَّصف الشاعر؟ وماذا يعني لكِ الشعر؟
لا يُطلب من الشاعر الكثير، عليه أن يتحلَّى بالتواضع وبالإقرار بوجود من هُم أفضل منه شأناً وأداءً وخضرمةً وتمكناً وخبرةً، حتى لو كانوا أصغر منه سناً. وعليه أن يأخذ نفسَه بالدُّربة وبالمران، بحثاً عن صوتهِ المتفرِّد ونايهِ الذي لا يشبههُ ناي، فيغدو بهِ ومعه عازفاً منفرداً استثنائياً بلحنٍ خاص، يصلحُ عنواناً له، أو عتبةَ ولوجٍ لم يطأها غيره من الشعراء المعاصرين أقلُّه… كما عليه بالنَّهل من كل التجارب والمدارس الشعرية، ومن كل الثقافات والموارد الفكرية، سيَّما الفلسفة والميثولوجيا والتاريخ قديمهِ وحديثه، والاطلاع على المستجدات السياسية الخاصة والعامة. فكلُّها محفِّزاتٌ وعناصرُ إلهام واستلهام تدفع بالشاعر إلى التألق والنجاح إذا أحسنَ استثمار ثقافته وتضمينها في شعره من دون أن تُثقل كاهل القصيدة بالتنظير المباشر أو بالتغريب.
أما الشعر، فهو يعني لي الكثير، إنه وطني وملاذي الخاصّ، ومُعتزلي ومُرتكزي، وإكسيرُ حياتي، وهاجسي الذي لا يفتأُ يطاردني مطالباً باهتمامٍ أكبر. ومن دونهِ لا طعمَ للحياة!
9 ـــ شيء من أعمالكِ هو الأقرب إليكِ
مجموعة شعرية للأطفال (النصف الآخر)
مسرحيات شعرية غنائية للناشئة (اللغز)
10 ـــ بكلمات أخيرة ماذا تقولين؟
بوصفي كاتبة من كتّاب اليوم، أرى أن الشعر باتَ المنافس الأكبر وشبه الوحيد للأجناس الأدبية الأخرى التي تراجعت شعبيَّتُها، وأعني الرواية والقصة وحتى القصة القصيرة جداً (الومضة)، وغدا الشعر في القرن الحادي والعشرين مرآةَ الفرد والمجتمع، وحاملَ أعباء القضايا الإنسانية والوطنية (كما كان في الجاهلية لسانَ حالِ القبيلة والشاعر). وذلك لأسباب يطولُ شرحها.
وختاماً أشكركم على هذه الحوار
#سفيربرس _بغداد _حاورها..صباح الخزعلي




