أضواء السماء في رحلة قصيرة بقلم : هدى زوين
#سفيربرس _بيروت

في ظروفٍ استثنائية، تمرّ بنا محطات تستوقفنا طويلًا، وتدفعنا إلى التأمل في تفاصيل الحياة التي اعتدنا عبورها دون أن نمنحها ما تستحق من التفكير. كان عامًا صعبًا، تشابكت فيه الأحداث، وتداخلت فيه الوقائع، حتى بدا التاريخ وكأنه يعيد كتابة نفسه بأوراق جديدة وأساليب مختلفة، لا يدرك أبعادها إلا من عاش تفاصيلها وتأمّل ما وراءها.
خلال هذه الفترة، لم أعد أرى الناس كما كانوا. تغيّرت الوجوه، وتبدّلت المواقف، وانكسرت في بعض النفوس ضمائر كنا نظنها عصيّة على الانكسار. أصبح الصواب موضع شك، والخطأ يجد لنفسه ألف تبرير، واختلطت المفاهيم حتى بات المرء يتساءل: هل تغيّرت الحياة فعلًا، أم أننا بدأنا نرى حقيقتها من دون أقنعة؟
وسط هذا الضجيج، قررت أن أخوض رحلة عميقة، وإن بدت في ظاهرها قصيرة؛ رحلة إلى الداخل قبل أن تكون انتقالًا من مكان إلى آخر. أردت أن أستعيد فيها حب الحياة، ذلك الحب الذي تربّيت عليه، وحب الكتابة التي رافقت تكويني، وشكّلت جزءًا من وعيي وطريقتي في قراءة العالم وفهم تناقضاته.
ذهبت لأكتشف معالم جديدة، لا في المكان وحده، بل في نفسي أيضًا. أردت أن أتعلّم كيف أتكيّف مع المتغيّرات من دون أن أفقد ملامحي، وكيف أحتفظ بروحي وسط عالم تتبدّل فيه القيم والمواقف بسرعة مقلقة. كنت أبحث عن الأمان والطمأنينة، عن مساحة أستطيع فيها أن أتنفّس بعيدًا عن ثقل الأحداث، وأن أستعيد قدرتي على رؤية الحياة بعينين أقلّ تعبًا وأكثر إيمانًا بإمكانية البدايات الجديدة.
هناك، بين اتساع السماء وصمت اللحظات، أدركت أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يبتعد قليلًا كي يرى بوضوح، وأن يصمت كي يسمع صوته الحقيقي، وأن يعيد ترتيب داخله قبل أن يواجه العالم من جديد.
كنت أبحث عن أضواء السماء، لا لأتأمل جمالها فحسب، بل لأستمدّ منها القوة؛ قوة الاستمرار حين تتعب الروح، وقوة الكتابة حين تعجز الكلمات عن تفسير ما يحدث، وقوة الإيمان بأن الحياة، رغم كل ما فيها من خيبات، لا تزال تستحق أن نحبّها.
فالرحلات الحقيقية ليست تلك التي تقودنا إلى أماكن جديدة فحسب، بل تلك التي تعيدنا إلى أنفسنا بصورة مختلفة. وربما لا نعود منها كما كنّا، لكننا نعود أكثر وعيًا بما نريد، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق أن نحمله معنا وما ينبغي أن نتركه خلفنا.
كانت رحلة قصيرة في الزمن، عميقة في أثرها؛ ذهبت لأبحث عن أضواء السماء، وعدت لأبحث عن الضوء الذي لا ينبغي له أن ينطفئ في داخلي.
#سفيربرس _بيروت _ بقلم الكاتبة هدى زوين



