ثلاثية التوقعات بقلم : محمد عفيف القرفان
#سفيربرس _الكويت
تتحرك حياتنا بين ما نطمح إليه، وما نأمله من الآخرين، وما يطلبه الآخرون منّا. فنحن لا نعيش الواقع وحده، بل نعيش أيضاً الصورة التي رسمناها له في أذهاننا؛ صورةً لما ينبغي أن نكون عليه، ولما نتمنى أن يفعله الآخرون من أجلنا، ولما يعتقد الآخرون أننا قادرون على تقديمه لهم. ومن هنا تنشأ التوقعات، تلك الأفكار التي قد تدفعنا إلى الإنجاز، وقد تتحول في أحيان أخرى إلى مصدر للقلق وخيبة الأمل والشعور بالتقصير.
ليست المشكلة في أن نتوقع، فالتوقع جزء طبيعي من تفكير الإنسان وتخطيطه للمستقبل، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول توقعاتنا إلى شروط صارمة للسعادة، أو حين نخلط بين ما نتمناه وما نضمن حدوثه، أو حين نجعل رضا الآخرين معياراً لقيمتنا الشخصية. ولعل التحدي الحقيقي لا يتمثل في التخلص من التوقعات، بل في فهمها وإعادة ضبطها، حتى نتمكن من العيش بطموح دون قسوة على أنفسنا، وبمحبة دون مبالغة في انتظار الآخرين، وبمسئولية دون أن نفقد هويتنا لإرضائهم.
أولاً
توقعاتي من نفسي بين الطموح والضغط
توقعات الإنسان من نفسه من أكثر التوقعات تأثيراً في حياته؛ لأنها ترتبط بصورته عن ذاته وبطموحاته وبالمعايير التي يقيس بها نجاحه وإخفاقه. فقد يتوقع الإنسان من نفسه أن يكون ناجحاً في عمله ومتميزاً في دراسته ومتزناً في علاقاته وقادراً على مواجهة الصعوبات دون أن يتأثر بها. وقد يضع لنفسه أهدافاً عالية بدافع التطور والرغبة في تحقيق الأفضل، وهذا أمر إيجابي ما دامت تلك الأهداف واقعية ومرنة.
لكن الطموح قد يتحول إلى عبء حين يطالب الإنسان نفسه بأن يكون مثالياً في كل شيء، وأن ينجح دائماً وألا يخطئ وألا يتأخر عن الآخرين وألا يمر بلحظات ضعف أو تردد. عندها تصبح الإنجازات غير كافية مهما عظمت، وتتحول الأخطاء الطبيعية إلى أدلة يتهم بها الإنسان نفسه بالفشل، ويصبح الوصول إلى الهدف أقل أهمية من الخوف من عدم الوصول إليه.
ثانياً
توقعاتي من الآخرين بين الحقيقة وخيبة الأمل
نحن لا نتعامل مع الآخرين بأفعالهم وحدها، بل نتعامل أيضاً مع المعاني التي نمنحها لتلك الأفعال. فقد نتوقع من شخص نحبه أن يفهم احتياجاتنا دون أن نشرحها، أو أن يبادلنا الاهتمام بالطريقة نفسها التي نقدمها له أو أن يتذكر التفاصيل التي تعني لنا الكثير أو أن يقف بجانبنا في اللحظات التي نحتاج فيها إليه.
وتزداد خيبة الأمل حين نعتقد أن الآخرين يرون الأمور كما نراها وأن ما نعدّه واجباً عاطفياً أو أخلاقياً هو بالضرورة واجب واضح لديهم أيضاً. فقد يكون الاهتمام بالنسبة إلى أحدنا سؤالاً متكرراً ووقتاً مخصصاً، بينما يعبّر شخص آخر عنه بالمساعدة العملية أو الحضور عند الحاجة. وقد يكون الصمت عند شخص علامة على الانشغال، بينما نفسره نحن على أنه إهمال أو تراجع في المحبة.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التوقع المشروع والتوقع غير المعلن. فمن حقنا أن نطلب الاحترام والصدق والوفاء بالالتزامات، وأن نعبّر عن احتياجاتنا وحدودنا، لكن ليس من العدل أن نحمّل الآخرين مسئولية تحقيق صورة لم نوضحها لهم، أو أن نفترض أنهم سيستجيبون لنا بالطريقة نفسها التي نستجيب بها لهم.
ثالثاً
توقعات الآخرين منّي بين المسئولية وفقدان الذات
كما نكوّن توقعاتنا من أنفسنا ومن الآخرين، نجد أنفسنا محاطين بتوقعات الآخرين أيضاً. فالأسرة قد تنتظر منا النجاح والاستقرار والعمل قد يتطلب الإنجاز والانضباط والأصدقاء قد ينتظرون الحضور والمساندة والمجتمع قد يفرض تصورات معينة عما ينبغي أن نحققه في أعمار محددة أو في مراحل معينة من حياتنا.
وقد تكون هذه التوقعات مصدرًا للدعم والتحفيز، خصوصاً حين تأتي من أشخاص يؤمنون بقدراتنا ويريدون لنا الخير. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى أحكام ثابتة لا تراعي اختلاف ظروفنا واحتياجاتنا، أو حين نشعر بأن محبتنا ومكانتنا مشروطتان بتحقيق ما يريده الآخرون منّا.
عندها قد يختار الإنسان تخصصاً لا يرغب فيه أو يستمر في مسار لا يناسبه أو يخفي تعبه كي لا يبدو ضعيفاً أو يوافق على أمور لا يريدها خوفاً من خذلان الآخرين. ومع مرور الوقت، قد يصبح مشغولًا بأداء الدور الذي ينتظره الناس منه إلى درجة أنه يفقد القدرة على الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا أريد أنا؟
ومن المهم هنا أن ندرك أن الوفاء بالمسئوليات يختلف عن الاستجابة لكل التوقعات. فهناك التزامات أخلاقية وعائلية ومهنية تستحق أن نأخذها بجدية، وهناك رغبات وتصورات شخصية للآخرين لا يلزمنا تحقيقها جميعاً. ومن حقنا أن نكون داعمين دون أن نكون متاحين في كل وقت، وأن نكون ناجحين دون أن نتبع تعريف الآخرين للنجاح، وأن نعتذر حين تتجاوز المطالب حدود قدرتنا.
النضج هنا هو أن نتحمل مسئولية اختياراتنا دون أن نحمّل أنفسنا مسئولية مشاعر الجميع، وأن نقبل احتمال أن يختلف الآخرون معنا، دون أن نرى في كل اختلاف تهديداً لقيمتنا أو مكانتنا.
لا يتطلب التوازن أن نتخلى عن أحلامنا أو نقلل من قيمة العلاقات أو نتجاهل ما ينتظره الآخرون منّا. بل يتطلب أن نمنح كل نوع من التوقعات حجمه المناسب.
وكل ما علينا فعله هو أن نسعى دون أن نستنزف أنفسنا ونحب دون أن نُلزم الآخرين بأن يكونوا على صورتنا ونتحمل مسئولياتنا دون أن نعيش أسرى لرضا الجميع. فالتوازن الحقيقي يبدأ حين نعرف ما الذي نستطيع تغييره وما الذي ينبغي أن نتحدث عنه، وما الذي نحتاج إلى تقبله وما الذي يحق لنا أن نتركه خلفنا.
#سفيربرس _بقلم : محمد عفيف القرفان _الكويت
#المدرب_المايسترو
#ثلاثية_التوقعات



