التشرذم السوري: حين تتحول الحرب إلى انقسام في الذاكرة الجماعية. بقلم : حسين الإبراهيم
#سفيربرس
1. لماذا تحول المجتمع السوري من وحدة نسبية إلى تشرذم حاد؟
2. كيف يُعيد الصراع تشكيل الهويات الاجتماعية والولاءات؟
3. هل يمكن استعادة التماسك الاجتماعي بعد سنوات من التقسيم؟
4. ما دور الإعلام والفاعلين الخارجيين في تعميق الانقسامات؟
في زاوية من ذاكرة كل مواطن سوري، تقبع صورٌ لم تُمحَ بعد: شوارع حلب التي كانت تعانق أطفالها بغض النظر عن أسمائهم، مقاهي دمشق حيث كان صوت الضحكات يعلو فوق همسات الانتماء، حارات درعا التي جمعت القلوب قبل أن تفرقها الخرائط. كان السوريون يعرفون أنفسهم في مرآة الوطن الواحدة، فكيف أصبحت اليوم مرآة مشظاة لا تُظهر إلا وجوهًا غريبة عن بعضها؟
لم يعد السوري مؤهلاً للتعرف على مدينته، ولا على جاره، ولا حتى على انعكاس وجهه في تلك المرآة المحطمة. صارت ذكريات التنوع جريمةً، والاختلاف لعنةً، والجغرافيا سجلاً للمذابح. كل شظية من مرآة سوريا تحكي قصةً مختلفة: هنا دمٌ يُنسب إلى طائفة، وهناك حجرٌ يُرمم باسم عرق، وفي الوسط إنسانٌ يُدفن تحت ركام “الهوية”.
أي وطن هذا الذي يحوّل أبناءه من جيران إلى غرباء؟ وأي حرب تلك التي لم تكتفِ بتدمير الحجر، بل مزّقت حتى انعكاس البشر في عيون بعضهم؟
الاشتباك المعرفي مع الإشكالية
1) التشرذم الاجتماعي
ليس التشرذم مجرد انقسامٍ جغرافي أو سياسي عابر، بل هو تفككٌ وجودي يُحوّل المجتمع من نسيجٍ حي إلى خيوطٍ متناثرة لا تجمعها إبرة. يُعرّف علم الاجتماع التشرذم بأنه تحول الروابط الجماعية إلى هويات منغلقة، تُعلي الانتماءات الفرعية (الطائفية، الإثنية، الجهوية) على حساب الهوية الجامعة. وأسبابه تكون عفوية: غالباً ما تُصنع بأدوات متعمدة، كـالخطاب الإقصائي، والاقتصاد السياسي للصراع (توزيع الموارد على أساس هوياتي)، والتلاعب بالذاكرة الجماعية لتحويل التنوع من مصدر قوة إلى سلاح تفجير.
2) من “الفسيفساء” إلى “الشظايا”
قبل 2011، روّج الإعلام السوري لأسطورة “الفسيفساء المتجانسة”، لكنها كانت فسيفساء مُسَيَّجة بالخوف، لا بالاحترام المتبادل. اليوم، تقدم سوريا نموذجاً صارخاً لنظريتين متكاملتين:
1. نظرية الصراع الاجتماعي (كوزر): حيث يُستخدم التشرذم كأداة لـ إدارة الصراع عبر إبقاء المجموعات منشغلة ببعضها بدلاً من مواجهة السلطة.
2. نظرية بناء الهوية (تاجفيل): التي تفسر كيف يُعاد تشكيل الهويات في الأزمات لتصبح عدوانية ودفاعية، خاصةً مع غياب الدولة كحاضنة.
المفارقة أن سوريا التاريخية كانت تتجاوز هذا المصير: ففي فترة حلب العثمانية، كان التاجر الأرمني يوثّق عقوده عند الكاتب المسلم، وفي جبل الدروز، حفظ الفلاحون السنيون ممتلكات جيرانهم العلويين أثناء الثورة السورية الكبرى (1925). أما اليوم، فكل طائفة تحرس ذاكرتها الخاصة وكأنها وثيقة ملكية لأرضٍ لم يعد لها مالك.
3) التناقض: من “نحن” إلى “هم”
الأسوأ في التشرذم السوري أنه لا يعيد إنتاج الانقسامات القديمة، بل يخترع انقسامات جديدة، فالمثقفون الذين تحدثوا عن “التعايش” صاروا أنفسهم سجناء سردياتهم، والأحياء المختلطة سابقاً صارت تُقاس بـنقاء هوياتي وهمي، حتى اللهجة السورية، التي كانت علامة وحدة، صارت تُفحص كـشيفرة تحدد من أنت.
هذا ليس مجرد انقسام، بل انزياحٌ أنطولوجي في مفهوم المجتمع نفسه. وكما كتب المفكر اللبناني علي حرب: “الحروب الأهلية لا تقتل البشر فقط، بل تقتل إمكانية العيش معاً”.
السؤال الذي يُطارِدنا: هل يمكن إصلاح المرآة السورية دون كسر آخر؟

الفرص المتاحة للعودة إلى التماسك الاجتماعي
1. إعادة بناء الثقة عبر الحوارات المحلية
آلية التطبيق: وتعتمد على إنشاء منصات حوارية بين المجتمعات المحلية (مبادرات مثل جاليات المصالحةتركز على القواسم الإنسانية (مثل المعاناة المشتركة خلال الحرب، الذكريات الجماعية الإيجابية). وتوثيق ونشر قصص نجاح تعايش سابقة (مثال: تعاون عائلات من خلفيات مختلفة خلال الأزمات).
الإطار النظري: مستقى من نظرية “التواصل الحواري” (هابرماس): حيث يُعاد بناء الثقة عبر خطاب عقلاني يُزيل التشويهات الإيديولوجية.
2. العدالة الانتقالية كأداة للالتئام
آلية التطبيق: من خلال تشكيل لجان حقائق غير انتقامية تُوثّق الانتهاكات دون تمييز هوياتي، مع التركيز على تعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا، وإقامة مشاريع إعادة دمج المقاتلين السابقين عبر برامج تدريب مهني تُحوّل الأدوات من حرب إلى إنتاج.
الإطار النظري: نموذج جنوب أفريقيا: المصالحة عبر الاعتراف بدلاً من العقاب.
3. التعليم كخط دفاع أول ضد التشرذم
آلية التطبيق: إعداد مناهج تعليمية تُعيد كتابة التاريخ السوري بمنظور شامل (بدءًا من المرحلة العثمانية إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي)، مع تجنب الروايات الطائفية، وتدريس مادة “المواطنة” بما يعزز مفاهيم المساواة والمسؤولية المشتركة.
الإطار النظري: اعتماد نظرية “الهوية المشتركة” (تايفيل): بناء هوية جامعة عبر تعليم موحد.
4. الإعلام كجسور بدلاً من الحواجز
آلية التطبيق: دعم إعلام يُنتج محتوى يُظهر التعايش العملي (مثال: برامج عن أطباء من خلفيات مختلفة يعملون في مستشفى واحد)، ومواجهة خطاب الكراهية عبر قوانين صارمة ضد التحريض الهوياتي.
الإطار النظري: نظرية “وضع الأجندة” (ماكومبس وشو): حيث يُعيد الإعلام ترتيب أولويات المجتمع نحو القضايا الجامعة.
5. الاقتصاد كأداة لخلق مصالح مشتركة
آلية التطبيق: عبر مشاريع إعادة إعمار تشاركية (مثال: تعاون أحياء متنوعة لبناء مدرسة أو مستوصف)، ووضع سياسات توظيف تُعطي أولوية للمناطق المهمشة بمعايير كفاءة لا هويات.
الإطار النظري: نظرية “التعاون العقلاني” (أكسلرود): المصالح المادية المشتركة تُقلص الانقسامات.
6. الفن والثقافة كمساحة لاستعادة الذاكرة
آلية التطبيق: من خلال معارض فنية تجمع روايات متنوعة عن الحرب (مثال: لوحات لرسامين من خلفيات متعددة تُعبّر عن الألم نفسه)، وإحياء التراث السوري غير الطائفي (مثل الموشحات الأندلسية، المطبخ الحلبي).
الإطار النظري: مفهوم “الفن كمساحة عمومية” (هابرماس): حيث يُعاد تعريف الهوية عبر الإبداع.
استعادة المرآة السورية
يحتاج ذلك إلى أكثر من عملية لصق الشظايا؛ بل صنع مرآة جديدة تعكس تنوعاً لا يُنكَر، لكنه لا يُفرّق. كما كتب أدونيس: “الحروب لا تنتهي عندما تتوقف القذائف، بل عندما تُولد لغة جديدة تُترجم فيها الذكريات”.
نماذج النجاح في جنوب أفريقيا ورواندا
• جنوب أفريقيا: المصالحة عبر “الحقيقة”
o الآلية: لجنة الحقيقة والمصالحة (تروتسكي) فضحت الجرائم دون انتقام، ركزت على الاعتراف لا العقاب.
o التحدي: نجحت في تجنب حرب أهلية لكنها فشلت في تحقيق عدالة اقتصادية (الفقر الأسود مستمر).
o العبرة لسوريا: المصالحة تحتاج ضمانات دولية وليس مجرد خطابات.
• رواندا: إعادة البناء عبر القبضة الحديدية
o الآلية: تجريم خطاب الكراهية (سجن لمدة 25 سنة لـ”إنكار الإبادة”)، إلزام المصالحة عبر “محاكم الجاكاكا” المحلية.
o التحدي: النظام الرواندي شمولي، مما يطرح تساؤلات عن استدامة السلام دون ديمقراطية.
o العبرة لسوريا: يمكن فرض الوحدة بقوة القانون، لكنها قد تبقى هشة.
• نموذج محتمل لسوريا: “المصالحة الهجينة”
o الجمع بين عدالة انتقالية (كما في جنوب أفريقيا) وإعادة إعمار تشاركية (كما في رواندا).
o شرط أساسي: تفكيك اقتصاد الحرب عبر مصادرة أموال الفاسدين والميليشيات.
دروس من المقارنات
التشرذم السوري ليس استثناءً، لكنه قد يصبح الأسوأ إذا تحول إلى تقسيم دائم كما في لبنان. فالعوامل الخارجية والداخلية متشابكة بشكل معقد، حيث يتغذى كل منهما على الآخر، لكن العلاج يبدأ من الداخل عبر قطع حبل التمويل والخطاب الطائفي الذي يغذي الانقسام. كما تعلمنا النماذج الناجحة مثل رواندا وجنوب أفريقيا، فإن الوحدة الاجتماعية تُفرض أحياناً بقوة الإرادة السياسية والقانون، لكنها لا تدوم دون تحقيق عدالة حقيقية تضمن المصالحة المستدامة وتعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
هذه الدروس تؤكد أن تجنب المصير المظلم للتشرذم الدائم ممكن، لكنه يتطلب مواجهة جذرية للأسباب الهيكلية للانقسام، وليس مجرد معالجة سطحية لأعراضه.
“البلدان التي تتعلم من انقسامات الآخرين هي التي تستطيع أن تخيط جراحها بإبرة التاريخ” — إعادة صياغة لمقولة لمالكولم إكس.

ملاحظات تحليلية للجدول
1. العلاقة العكسية: كل عامل في العمود الأيسر يقابله عامل مضاد في العمود الأيمن (مثال: الخطاب الطائفي ← خطاب مواطني).
2. الدور المركزي للدولة: غياب الدولة أو فسادها يُغذي العمود الأيسر، بينما وجود دولة عادلة يُفعّل العمود الأيمن.
3. النماذج التاريخية:
o لبنان: فشل في تطبيق العمود الأيمن فتحوّل التشرذم إلى نظام سياسي.
o رواندا: نجحت في فرض عوامل العمود الأيمن (خاصة العدالة والمصالحة).
“التشرذم يُبنى بيدين: يد داخلية تخلق الأرضية، ويد خارجية تزرع البذور. إزالته تحتاج إلى يدين أيضاً: إرادة محلية، وضمانات دولية”.
استخلاص الرؤى
1. التشرذم ليس قدراً: الدروس المستفادة من النماذج الناجحة
أثبتت جنوب أفريقيا ورواندا أن إعادة اللحمة الاجتماعية ممكنة حتى بعد أبشع الانقسامات، لكن بشروط الاعتراف بالجرائم (بدون انتقام) كمدخل للمصالحة، ووجود إرادة سياسية حقيقية (ليست تكتيكية) لتفكيك اقتصاد الحرب والفساد، وتحفيز دور المجتمع الدولي كضامن للمسار، لا كمُوجِّه لمصالحه.
2. العوامل الخارجية والداخلية:
حلقة مفرغة يمكن كسرها، فالتدخلات الخارجية تعمق التشرذم، لكنها تستثمر في بيئة داخلية مهيأة (فساد، غياب عدالة). هنا يكون المخرج بمحاربة الفساد كأولوية (مصادرة أموال الميليشيات والنخب الفاسدة)، وإصدار قوانين تجرّم التمويل الطائفي المحلي والدولي.
3. سوريا ليست لبنان أو العراق: خصوصية المأساة وفرصة التميز
التشرذم السوري لم يتبلور بعد كـنظام سياسي (كما في لبنان) أو كـكيانات مسلحة مستقرة (كما في العراق). هنا تتمثل الفرصة في تجنب التوطين الدائم للانقسامات عبر منع تحولها إلى هويات مؤسسية، واستعادة فكرة “المواطنة” كبديل للانتماءات الفرعية.
4. الأدوات العملية: من النظرية إلى التطبيق
تشكل المشاريع المصغرة أداة أساسية لإعادة الثقة (مثال: منصات حوار محلية تُدار بنساء سوريات من خلفيات متنوعة)، بالتوازي مع إعلام بديل يوثق قصص التعايش التاريخي ويُعرضها كنماذج عملية، وتعليم طارئ للأطفال في المخيمات يركز على الهوية السورية الجامعة.
5. تحذير أخير: خطر “التطبيع مع التشرذم”
قد تتحول بعض الحلول المؤقتة (مثل التسويات المحلية مع الميليشيات) إلى شرعنة للانقسام، وهنا يكون المطلوب هو رؤية استراتيجية تعالج الأسباب، لا الأعراض.
سوريا كحالة اختبار لفهم التشرذم في القرن الحادي والعشرين
التشرذم السوري ليس مجرد نتيجة حرب، بل هو نموذج مرعب لكيفية تحول المجتمعات إلى ساحات صراع هوياتي في عصر العولمة. لكنه أيضاً يحمل درساً أساسياً:
“الانقسامات تُصنع، وبالتالي يمكن تفكيكها. السؤال ليس: هل يمكن إصلاح سوريا؟ بل: هل نريد أن نتعلم من التاريخ قبل فوات الأوان؟”.
هذه المخرجات ليست وصفة جاهزة، بل إطار عمل يحتاج إلى تضافر جهود السوريين والداعمين الدوليين الذين يرون في سوريا مجتمعاً يستحق الحياة، لا مجرد رقعة على خريطة صراع.
ويبقى السؤال: “هل كان التشرذم حتميًا؟”،
“كيف نمنع تحول الانقسامات إلى هويات دائمة؟”.
#سفيربرس _ بقلم : حسين الإبراهيم




