مهرجانُ الرَّمثا الشعري والقصصي في حلَّتهِ الجديدة
#سفيربرس _ميرفت علي _ بيروت

اختُتمت مؤخراً فعالياتُ مهرجانِ الرمثا الشعريّ العربي العشرين، وملتقى منتدى الرمثا القصصي العربي الثاني. بمشاركةِ نُخبٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ وإبداعيةٍ أردنيةٍ وعربية، فإلى جانبِ الإبداع الأردني انضمَّت أصواتٌ من فلسطين والعراق وسوريا لتسهمَ في ترسيخِ مشهديَّةٍ حضاريةٍ وإبداعيةٍ رصينةٍ، متنوعةٍ، جامعةٍ للأذواقِ كافة، وهو ما دأبَ عليهِ منتدى الرَّمثا منذُ أكثر من ثلاثةِ عقودٍ من ولادته: التوءمةُ الثقافيةُ الإبداعيةُ الحقَّةُ بين المبدعينَ العرب.
ولا نستغربُ نجاحَ المهرجانِ في استقطابِ جماهيرَ من النُّقادِ والأدباءِ والمتلقّينَ الواعينَ لأهميةِ الرسالةِ الحضاريةِ للثقافةِ وللفكرِ؛ إذا ما عرفْنا أنَّ شرارتهُ قد انطلقت مع أسماءٍ شعريةٍ راقيةٍ مثل (عبد الرزاق عبد الواحد) (وسميح القاسم) وغيرهما…
هذهِ المرة جاءت التنوُّعاتُ في اختيارِ المواقيتِ والأمكنةِ لتشكلَ إضافاتٍ حقيقيةً أغنتْ مسيرةَ المهرجانِ والملتقى معاً. فقد تمَّ افتتاحُ المهرجانِ في
الثامن عشر من شهرِ أكتوبر الجاري 2025 وهو فصلُ الاعتدالِ المناخي، وفي قاعةِ حديقةِ الملكة (رانيا العبد الله) في الرَّمثا، حيثُ فُوجِئنا بفخامةِ وببساطةِ المكان، وبرونقهِ البهيِّ عندَ ارتيادهِ كضيوف. تمَّ الافتتاحُ برعايةِ وزيرِ الثقافة، وأُلقيت كلمتا ممثلِ وزير الثقافة الأردني، ومديرِ مهرجانِ الرَّمثا، ثم قُدِّمت باقةٌ متنوعةُ المشاربِ من القصائدِ الشعريةِ التي جادتْ بها قرائحُ الشعراءِ، وشملت القصيدةَ العموديةَ وقصيدةَ التفعيلةِ والنثرِ والقصيدة المحكيَّة في أجواءٍ احتفاليةٍ بهيَّةٍ وهادئة.
وامتدَّ المهرجانُ لأربعةِ أيامٍ تاليةٍ، تناوبتْ فيه المناشطُ ما بينَ أُصبوحتينِ قصصيتينِ في جامعتيّ (جدارا) و(إربد)، وأُمسيتينِ شعريتين في (بيت عرار) و(زيّ)، حيثُ مِسكُ الختامِ، وعبَقُ الشعرِ النخبويّ.
إنَّ التأملَ في أسبابِ نجاحِ هذا المهرجانِ يقودُ إلى استخلاصِ الدعائمِ القويةِ التي أعطتْ مبرراتٍ منطقيةً لنجاحهِ المطَّردِ طوالَ السنواتِ المتصرّمةِ، وأبرزُ هذهِ العوامل:
ـــــ التحلّي بالنزاهةِ وحُسنِ الاختيار: إذ يُسجَّلُ لمديرِ المهرجانِ الأديب الدكتور (محمد الزعبي) سَعيُهُ الدائمُ والمتجددُ لاستدعاءِ الشعراءِ والقصَّاصِ ذوي الباعِ الطويلِ في الأدب، والصنعةِ الأدبيةِ الحاذقةِ، والقدرةِ على جذبِ المتلقّي من مُنطلقِ الغَيرةِ على الأدبِ الفذِّ الحصيفِ، وتمكينِ الثقافةِ من الريادةِ والانتشار، وترسيخِها كقيمةٍ فنيةٍ تداوليَّةٍ بين الأجيالِ، تحتفي بالصوتِ الواثقِ، وتغتني بنفسِها وتُغني الجمهورَ بالتعدديةِ في الرؤى الفنيةِ، في القصةِ وفي القصيدةِ العربيةِ المعاصرةِ بما يُرضي الأذواقَ كافةً. كما يقعُ الاختيارُ على المثقفِ المتحلِّي بالخلقِ الجميلِ، وبالميولِ التشاركيةِ والتفاعليةِ مع الفريقِ الثقافيِّ المُنتَخبِ من مختلفِ البلدانِ العربية… وهذا مقوِّمٌ هامٌ من مقوماتِ تمكينِ الأدبِ في المجتمعاتِ، قلَّما يلتفتُ إليهِ أحد!
ــــــ الروحُ التشاركيةُ الجماعيَّة: من الواضحِ بالنسبةِ إلى مهرجانِ وملتقى الرَّمثا الاتِّكاءُ بالحِمْلِ الثقافيِّ على فريقٍ منَ المستشارينَ الثقافيينَ ونقادِ الأدبِ وأكاديمييهِ. وبغضِّ النظرِ عن ذكرِ الأسماءِ ــــ التي باتتْ معروفةً لمَن حظِيَ بشرفِ المشاركةِ في المهرجان ـــــ فإنَّ الاحتكامَ إلى صديقٍ وفيٍّ في اختيارِ فرسانِ الكلمةِ الأجاويدِ … هوَ عاملٌ جَلِيٌّ من عواملِ نجاحِ المهرجانِ حتى يومِ الناسِ هذا… فالشخصياتُ المحكِّمةُ ذاتُ صولاتٍ وجولاتٍ في مضمارِ الحرفِ، وذاتُ تعدُّدياتٍ رُؤيويةٍ ومرجعيةٍ في الانتماءِ الأدبيِّ والنقديّ، ما وفَّرَ دَعماً كبيراً، وحُسنَ حظٍّ لأداءِ المهرجانِ على مرِّ السنين.
ـــــ الروحُ التخطيطيةُ والتنظيميةُ العاليةُ: دأبَ مديرُ المهرجانِ وأعضاءُ مجلسِ إدارةِ منتدى الرَّمثا (وهم أعضاء مُنتخبون) ـــــ وما زالوا ـــــ على دراسةِ خطواتِ مشروعهم بنداً بنداً، وخطوةً فخطوة، وعلى تحديدِ الأولوياتِ، وحُسنِ إدارةِ الوقتِ والأداءِ، بدءاً منَ التواصلِ مع المشاركينَ من داخلِ وخارجِ الأردن، وتأكيدِ المشاركاتِ، ومتابعةِ تأشيراتِ الدخولِ، ومُواكبةِ الوصولِ والمغادرةِ، والتواصلِ اليوميِّ لتنظيمِ التنقلِ ولحضورِ الفعالياتِ في الوقتِ المحددِ، وتنظيمِ الدعواتِ والاجتماعاتِ التاليةِ لكلِ منشطٍ أدبيٍّ… مروراً بأبسطِ تفصيلٍ لا يمكنُ أن يخطرَ في بالِ المشاركِ، لكنهُ هاجسٌ ملِحٌّ بالنسبةِ لمديرِ المهرجانِ والمنتدى، ولفريقِ عملهِ الحثيثِ، بحيثُ يشعرُ المرءُ بأنه بينَ أهلهِ حقيقةً، وانتهاءً بترسيخِ حالةٍ اجتماعيةٍ مائزةٍ تتآخى مع الحالةِ الثقافيةِ الناشطةِ… هذا وقَبيلُهُ من مزايا هذا المهرجان كما أرى.
ـــــ الوفاءُ والأصالةُ الأخلاقيةُ: لطالما كانَ مديرُ وأعضاءُ مجلسِ إدارةِ المهرجانِ أوفياءَ للحُلفاءِ الثقافيينَ الذينَ أضاؤوا معهم الشموعَ الأولى لانطلاقةِ مهرجانِ الرَّمثا الشعريِّ في فترةِ التسعيناتِ، وما زلنا حتى اليوم، وبعد انقضاءِ أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ على بدءِ المهرجان، نرى على المقاعدِ مستشارينَ ثقافيينَ، ونقَّاداً وأكاديميينَ ضالعينَ في الشأنِ الثقافيِّ، يُواكبونَ مسيرةَ مهرجانِ الرَّمثا بمحبَّة، ويستدعيهم مديرُ المهرجانِ للمشاركةِ في تكريمِ ضيوفِ المهرجانِ إلى جانبِ رُعاةِ فعَّالياتهِ من ممثلي وزارةِ الثقافةِ، وممثلّي مؤسساتِ المجتمعِ المحليِّ في غيرِ مدينةٍ وبلدةٍ تستضيفُ أماسيَ المهرجان.
إنَّ الحديثَ عن مهرجانِ الرَّمثا الشعريِّ العربيِّ في دورتهِ العشرين، ومُنتدى الرَّمثا القصصيِّ العربيِّ في دورتهِ الثانيةِ حديثٌ يطولُ، وإذ أشكرُ ــــ كمُشاركةٍ عربيةٍ ــــ وزارةَ الثقافةِ الأردنيةِ لتقديمِ الدَّعمِ الماليِّ والمعنويِّ لمديرِ المهرجانِ، فإنني أؤكِّدُ على أهميةِ مبادراتِ المؤسساتِ المحليةِ الأخرى، وضرورةِ وقوفِ كلِّ الداعمينَ مالياً ومعنوياً ولوجستياً لتعزيزِ نجاحِ مهرجانِ الرَّمثا وغيرهِ من المهرجاناتِ التي توظِّفُ الثقافةَ توظيفاً صحيحاً وأميناً يليقُ بالإبداعِ العربيِّ، لخدمةِ المجتمعاتِ، ولإخراجِ المثقفِ العربيِّ من دائرةِ التهميشِ والقطيعةِ إلى حيِّزِ التكريمِ والرضا الذاتيِّ وإعادةِ الاعتبارِ، وللاستثمارِ المُعافى في مجال التنميةِ الثقافية.
شكراً منَ صميمِ القلبِ… مهرجان الرَّمثا الشعري العربي العشرين، وملتقى منتدى الرَّمثا القصصي العربي الثاني، على ما قدَّمتُماه من محبةٍ لنا كأدباء، ومن فائدةٍ للمتلقي العربيِّ الذوَّاقِ… شكراً على جرعاتِ جمالٍ ونفحاتِ فنٍّ ورُقيّ ستبقى منتعشةً في أروقةِ الذاكرةِ، ولن يَذوي عطرُها الأنيقُ.
شكراً لمديرِ المهرجانِ ولصَحبهِ الكرامِ على هذا الإنجازِ الإبداعيِّ الثمين.
#سفيربرس _ميرفت علي _ بيروت






