إعلان
إعلان

صــــــــــــــرّاف _ بقلم :م. ميسون حمزة غزلان

#سفيربرس

إعلان

مر الوقت سريعاً ولم نشعر به ، عامٌ مضى على التغيير الكبير الذي حدث، وما زال البعض لا يستوعب  مالذي حدث وكيف حدث، لكنهُ حدث وانتهى، وتغيرَ معهُ كل شيءٍ في كل مفاصلِ الحياة اليومية،  وفي خطط المستقبل ، كل شيءٍ يسير ببطءٍ شديد ومُمل  في هذا البلد، عينٌ على الحاضر وعينٌ على القادم خطواتٌ ثقيلة لكنها واثقة ، فرحٌ يشوبه الحذر؛ أمنيات آن لها أن تتحقق وعزلةٌ خارج حدود العالم آن لها أن تنكسر. ومازال الناس في الساحات يهتفون ويتجمعون ؛؛؛

خرجتُ من منزلي اليوم صباحاً كعادتي قاصدةً عملي في قلب العاصمة ركبتُ الحافلة ووصلتُ إلى الساحة العامة ثم المصعد الذي سافر بي في رحلتي اليومية الى الطابق الثامن عشر حيث أعمل، وفي جعبتي ثلاثُ عملاتٍ اعتمدتُ عليها  في حياتي التي اعتدتُ عليها منذ ثلاثين عاماً. وهي الوقت والمال والمعرفة. وأنا على يقين تام بأنها تكفي حتى يمرّ يومي بسلامٍ وأُنجز ما خططتُ له وسعيتُ لأجله  بشغف .

اليوم ليس كأي يوم، حيث لن أشربَ قهوتي في موعدها ولن أفتحَ أوراقي ودفتر ملاحظاتي، بل أعود من حيث أتيت إلى الساحة العامة وانضمَ إلى طابورٍ طويل يأخذُ من يومي مُعظمهُ ومن صبري أعظمهُ، اليوم على الذهاب الى الصراف الآليّ، حتى أحصل على النقود التي كنت أحتاجها ولا سبيلَ آخر، وقد دونت في رسالة الكترونية ما أعتزمُ شراءهُ، بينما يختلط الإيمان بالشك أنّ غايةً تبررها الوسيلة قد تَحولُ دون حصولي على المال في ظل الواقع الحكومي المجمد مؤقتاً، حيث القيادة الجديدة للبلاد لديها خططٌ مختلفة عما اعتدنا عليه.

وأنا أراقبُ من مسافةٍ لا بأس بها، مراحل التقدم رويداً رويداً نحو الهدف، حيث يترافق التقدم بمعزوفات تسجلها الأنامل على أزرار الجهاز الصامد بشموخ، توشي بالكثير مما يحدث أمام عيونِ الكاميرات ولا نراه؛ وتدللُ على أنّ هذا الصندوق الصغير المؤتمت والذي يختزن في باطنه خادمكَ الجيد ،كأنه عفريت الفانوس الذي يظهر أمامك مُلبياً رغباتك مرتين خلال ثلاثين يوماً.

الشعور بالوقوف في مكانك بينما الحياة تستمر، وأن يمرَ الوقت والمجهود في انتظار شيء قد لا يأتي، يقلل الشغف. ليس أمامك إلا هذا السيد الفاسد لتحصل على نقودك، أو لتذهب الى الجحيم. من يأبه بك.

فالصراف هنا بطل هذا الزمان، إذ يقوم بما يعجز عنه الآخرون من صناع القرار، ففي حضرته تلتزمُ الصمت وتقف بنظامٍ وتحترمُ القانون والجار،وتلتزم حدك مع الآخرين، لأنك على يقينٍ كامل أنك إن خالفت بت َخارج الحسابات، وخسرت يومك ، ومن ثم نُقودك التي من دونها لن تستطيع فعل أي شي، وقد لاتتمكن من العودة من حيث أتيت. باختصار هو الوحيد الذي يمدُك بشريان الحياة الذي سيُمكنك من مواصلة العيش حيث تغيرت الوجوه والأدوار والصلاحيات، وكأنك لاتعرف أحداً غير نقودك التي ستُطل عليك من نافذةٍ ضيقة  بأكوادٍ خاصة على مرأى من عيونٍ كثيرةٍ فقدت هذه الصلاحيات ولا تعرف سبيلاً لاستعادتها.

السؤال الذي يعودُ بالذاكرة وأنا أرقبُ الوجوهَ واستمعُ إلى سيل الحكايات والتحليلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والدينية ممن أعيش بينهم ولا أعرفهم. إلا انهم اجتمعوا اللحظة ليتفرقوا بعد الفوز بالنقود لينهالو على مفاصل الحياة الخدمية يفترسونها دون رحمة . إلى أين نحن ذاهبون؟

بلدٌ جديد قديم وحياة سهلة وصعبة لدينا كلّ شيٍ لانملكهُ ولا نجيدُ الإحتفاظ به. تغيرت الأهداف، وتغيرت معها الأحلام والأماني، ماعشناه أعواماً اليوم تغير ،ولانملك حرفةً في استيعابه ،هنا يتساوى الغني بالفقير لافرق بينهما أمام الصراف ولاحيلة يملكونها ليتمايزوا بالأرصدة ،فالقوانين هنا عادلة لافضلَ لأحدٍ  على أحدٍ حتى بالتقوى، تظهرُ الصورةُ كاملةً عما تمرُ به البلادُ من متغيراتٍ، في انتظار مجهول تتشكل ملامحه رويداً رويداً ، بينما تتسارع الأفكار بين الأمل والإحباط، وتصبح اللحظاتُ ثقيلةً، مع الشعورِ بالعجز أمام انتظار حدثٍ ما يعيد عجلة الحياة للدوران . وتُقاس اللحظات بضيق المكان وكثرة الوجوه، وتَكسُر حواجز الروتين بمواقف إنسانية عابرة، وتُصبح الذكريات والمستقبل أبطالًا في مسرح العقل،

“من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبداً، وسوف يرى الدنيا أيّاماً يداولها الله بين الناس، فالأغنياء يصبحون فقراء، والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء.”

الثورة ليست حفلَ عشاء، وأن تبقى أميناً على تاريخك المشرق، يتطلب كثيراً من الشجاعة. وحدهم الذين يجازفون في الوصول إلى الأبعد يكتشفون إلى أي مدىً قد يصلون.  فصراع الحق ضد الباطل، يتطلب العدل والحرية، ويتطلب وعياً وثقافة، وأحياناً القوة للدفاع عن هذا الحق، مع التحذير من تحولها إلى طائفية أو إرهاب، ويبقى الثائرون أصحاب الكلمة، حتى لو طالت الظُلمة. وجميعنا نسعى إلى التغيير الجذري الجيد بكل شيءٍ كرهناه وعانيناه. فأن تضيء شمعةً صغيرة خيرٌ لك من أن تنفق عمرك تلعنُ الظلام.

ولعمري هذه الآلة الصغيرة، لهيّ أرحمُ وأحنُ علينا من ذاك الصراف الكبير، حيثُ تصطفُ أمامه الدول والممالك في طابورٍ مختلف من حيث التصنيف والتبعيّة والرهانات. فهناك الحسابات والودائع لها شأنٌ آخر.

والتغيير صعب في البداية، وفوضوي في المنتصف، ورائع في النهاية ، لكن الغباء الإنساني يكمن في الخوفِ من التغيير. إذْ أنّ الجميع يفكر في تغيير العالم ،ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه.

هل نحتاج إلى أيامٍ صعبة  لنعرف من هي العائلة؟ ومن هو الصديق ومن هو الشريك، ومن هو مجرّد عابر في حياتنا . ولأن الشدائد لا تُغيّر الناس بل تكشفهم. كَثُرت اكتشافاتنا وتنوعت، وبتنا نحتاجُ سجلاتٍ جديدة للتدوين كي لا ننسى.

مازلت أثق بأن أولادي سيعيشون في بلدٍ لن يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم ومعتقداتهم ، ولكن بما تنطوي عليه شخصياتهم، فأرض الحضارات اليوم تحمل مهد الأديان بقوةٍ، وتخافُ أن يُفلتَ منها ويتحول إلى لحدٍ مشؤوم ،يحرقُ الأشرعة ،التي طالما رفرفت لأجل الحرية ،وعبَرت الكثير من البحارِ الهائجة عازمة ًعلى المضيّ قُدماً فلا تراجُع ولاعودة إلى الوراء ، فالوجهة ليست مكانًا، بل طريقةً جديدةً لرؤية الأمور “وعلينا أن نتوحد ونتكاتف مهما حصل وسيحصل .

وبرغم التعب والصبرأحببتُ نسماتِ التغيير التي هبت، فالمحبةُ تملأُ قلبي والرغبةُ في العطاء تزداد وتتعاظم، وكأني على يقينٍ بأنّ عدالةَ السماء تتحقق وأنّ قراراً إلاهيّاً صدَر بأن يكون هذا البلد بشعبه آمناً عظيماً مختلفاً يتهافتُ عليهِ الملائكةُ لإرضاءِ الخالق فيهم وبأمانيهم وسيكون . وبينما أنتظر دوري وحيث تَعلقِ ناظري بالطريق الطويلة إلى مبنى البرلمان الشاهد الازليّ على العصر، يهمسُ أحدهم قائلاً…. إذا كان الله معنا فمن علينا ؟؟

يوجد دائماً من هو أشقى منك، فابتسم

#سفيربرس _بقلم : م . ميسون حمزة غزلان

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *