إعلان
إعلان

كتب د. عدي سلطان لحظة من فضلك!

#سفيربرس

إعلان

حادثة تتكرر هذه الأيام ولا نعي مدى خطورتها!
تروي لنا صفحات القرآن قصة أمةٍ ازدهرت تجارتها وكثرت أموالها، لكنها انهارت حين فسد ميزانها. تلك هي قصة قوم مدين الذين بعث الله إليهم نبيَّه شعيب، فكان فسادهم الأكبر في الأسواق والمعاملات؛ كانوا يبيعون ويشترون، لكنهم لا يعدلون في الكيل ولا يصدقون في الوزن. إذا اشتروا من الناس استوفوا لأنفسهم كامل الحق، وإذا باعوا لهم أنقصوا الميزان وخدعوا في الكيل، حتى أصبح الغش عادةً مألوفة بينهم.

وقف فيهم نبيهم يدعوهم إلى العدل ويذكّرهم بخطر ما يفعلون، فقال كما نقل القرآن:
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (هود: 85).
كان التحذير واضحًا: إن الظلم في المعاملات ليس أمرًا بسيطًا، بل فسادٌ يهدد المجتمع كله. لكن القوم استكبروا وسخروا من دعوته، وظنوا أن التجارة والغنى سيحميانهم من عاقبة ما يفعلون.

حين بلغ الفساد مداه جاءهم العذاب الذي حذّرهم منه نبيهم. يذكر القرآن أن الأرض اضطربت بهم اضطرابًا شديدًا فيما عُرف بـ الرجفة؛ وهي زلزلة مرعبة تهتز لها الأرض حتى يسقط الناس من شدتها، قال تعالى:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الأعراف: 91).
وفي موضعٍ آخر وصف القرآن نهاية أخرى لعذابهم تُسمّى يوم الظلة؛ إذ اشتد الحر عليهم فظهرت لهم سحابة فاجتمعوا تحتها طلبًا للظل والراحة، فإذا بها تتحول إلى عذابٍ يهلكهم جميعًا، كما قال تعالى:
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: 189).

وهكذا انتهت أمةٌ كانت تملك التجارة والمال والقوة، لكنها خسرت كل شيء عندما فقدت العدل في الميزان. لم يكن ذنبهم مجرد خلل اقتصادي، بل كان ظلمًا منهجيًا في حقوق الناس، فاستحقوا الوعيد الذي أعلنه القرآن لكل من يسلك طريقهم:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: 1–3).

إن هذه القصة ليست مجرد ذكرٍ لأمةٍ بادت، بل تحذيرٌ دائم لكل مجتمعٍ تنتشر فيه خيانة الأمانة في الأسواق. فمن يتأمل واقع كثير من الناس اليوم يرى صورًا متعددة من الغش في الميزان والكيل: بائعٌ يُنقص الوزن، وتاجرٌ يخلط الجيد بالرديء، وآخر يخدع الناس في المقادير أو الجودة، وكل ذلك تحت وهم الربح السريع. غير أن التاريخ القرآني يعلّمنا أن الظلم في المعاملات لا يبقى أثره في السوق وحده، بل يمتد ليصيب المجتمع كله بالفساد والضيق.

إن ميزان العدل ليس أداةً في يد التاجر فقط، بل هو ميزان أخلاقي يقوم عليه استقرار المجتمع وثقة الناس بعضهم ببعض. وحين يختل هذا الميزان، يبدأ الانهيار من حيث يظن الناس أنهم يربحون.

ولهذا تبقى قصة قوم مدين رسالةً قوية عبر الزمن: إن الله قد يُمهل الظالمين، لكنه لا يغفل عن حقٍ يُبخس ولا ميزانٍ يُنقص. وما هلكت أمةٌ إلا حين استهانت بحقوق الناس وظنت أن الغشّ في المعاملات أمرٌ صغير، بينما هو في ميزان العدل الإلهي جريمة تهدم الأمم وتستجلب العقاب.

#سفيربرس _د. عدي سلطان
إعلامي وباحث في الاقتصاد

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *