
سعاد زاهر
أغلقت المكتبة الوطنية بدمشق أبوابها مساء 26 نيسان 2026 على آخر أيام معرض كتاب الطفل، ليختتم بذلك حدث ثقافي ظل على مداه أياماً مفتوحاً على سؤالين: هل ينجذب الطفل السوري إلى النص المحلي الذي يعكس بيئته وقيمه، أم إلى النص العالمي المترجم بما يحمله من تقنيات سردية متطورة؟ وإلى أي مدى نجح المعرض في خلق حالة تسويقية وثقافية حقيقية؟
وكذلك، كشف المعرض عن هموم حقيقية لعائلة الكتاب السوري، وعن آمال وتطلعات، وعن خلاصات يمكن أن تفيد معارض الغد، وبدورها “الثورة السورية” رصدت في هذا التقرير آراء العارضين والزوار، وتناقش أين ذهب اهتمام الطفل السوري، وما الذي يتمناه الناشرون لمعارض قادمة.
هموم النشر وحركة البيع
بعد انتهاء معرض كتاب الطفل وإغلاق أبوابه، يمكن القول إن حركة البيع فيه كانت قليلة نسبياً، وفق ما أكده أمجد ترجمان، الموزع المتخصص في كتب الأطفال والوسائل التعليمية.
وأرجع ترجمان ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها توقيت المعرض الذي جاء بعد فترة وجيزة من معرض الكتاب الدولي الأول بعد التحرير في مدينة المعارض بدمشق، وهو حدث ضخم استنزف جزءاً من الاهتمام والميزانيات.
كما أشار إلى أن المعرض كان يحتاج إلى دعاية قوية، فالكثير من العائلات لم تعلم به إلا بالصدفة، ما أثر على أعداد الزوار، إضافة إلى أن موقعه الداخلي في المكتبة الوطنية لا يتمتع بحركة مارّة كافية مقارنة بالساحات الخارجية.
يُذكر أن ترجمان يمتلك خبرة طويلة في صناعة الكتاب الموجه للطفل، حيث يوزع الكتب على المكتبات ورياض الأطفال، ويمثل وكالات لدور نشر لبنانية وإماراتية، إلى جانب إنتاجه المحلي من المناهج التعليمية والكتب العلمية، ويقول: “نحن نوزع منهجاً تعليمياً متكاملاً لرياض الأطفال، ووسائل تعليمية، وكتباً علمية، تتنوع بين القصص والمناهج”.
ماذا اشترى الأطفال؟
رغم ضعف الإقبال العام على المعرض، إلا أن ترجمان يلفت النظر إلى بعض أنواع الكتب التي حظيت باهتمام نسبي، موضحاً أن الغالبية كانت من نصيب الكتب العلمية والروايات الموجهة للناشئة، إلى جانب إقبال ملحوظ على الكتب الإنكليزية، وخاصة روائع القصص العالمية المترجمة، سواء بالعربية أو الإنكليزية.
وحول السؤال عن تفضيلات الطفل السوري، يرى ترجمان أن الطفل ينجذب نظرياً إلى النص المحلي، لأنه يناسب بيئته ويعكس واقعه، لكنه يستدرك أن تحليل حركة الشراء الفعلية يُظهر ميلاً أكبر نحو النص العالمي.
ويعزو ذلك إلى أن النص العالمي، لا سيما القصص المترجمة، يتمتع بعمق ودراسة نفسية دقيقة للطفل، ويقدم المغزى بطريقة غير مباشرة وممتعة، محترماً عقل الطفل، بعيداً عن الوعظ المباشر.
أما عن واقع النشر في سوريا اليوم، فيبدو ترجمان متفائلاً نسبياً، إذ يرى أن الأمور تسير بسهولة في التعامل مع وزارة الإعلام واتحاد الناشرين.
تنوع الرؤى والأساليب
تنوعت رؤى العارضين وأساليبهم، وتباينت بين الانحياز للنص المحلي أو العالمي، وبين التركيز على المحتوى العلمي أو القيمي.
من جهتها، شرحت إيليزا حمود من دار “بيت الحكمة” توجه دارها نحو الكتب العلمية المترجمة، قائلة: “نشتري حقوق الكتب العلمية من بريطانيا وأميركا، ونترجمها إلى العربية، لكن الترجمة ليست حرفية، بل نعيد صياغة المعلومة بأسلوب ممتع وكأن الطفل يعيش مغامرة، حتى لا يشعر أنه يتلقن درساً في المدرسة”.
وأكدت الحمود أن الطفل السوري يبحث عما يحرك مخيلته، فالصغار ينجذبون إلى الفضاء والديناصورات، بينما يميل الأكبر سناً إلى الفيزياء والكيمياء.
ووجهت رسالة إلى الأهل قائلة: “ليس المهم كم صفحة قرأ طفلك، بل كيف تجعله يحب الكتاب، إذا أحبه، سيعود إليه وحده، واسمحوا للأطفال بالسؤال، فكلما سمعتم سؤالاً غريباً، تذكروا أنه قد يكون اختراعاً للمستقبل”.
في المقابل، شدد ولهان البابا، الناشر القادم من حلب، على قوة النص المحلي، مشيراً إلى أن “النص المحلي لغته أقوى، وحتى لو ترجمت نصاً أجنبياً، قد يفقد روحه، ولن يكون بنفس قوة النصوص العربية الموجهة للقارئ العربي، ويقول: “رسوماتنا كلها محلية، لأننا نؤمن بأهمية القيم التي نريدها للطفل السوري، وأبرزها الوفاء، والإخلاص، وحب الآخر”.
أما بتول شعبان من دار “الزيبق”، فأشارت إلى عامل مهم هو “تحدي القراءة” الذي تتبناه المدارس، موضحة أن أغلب الطلاب اشتروا كتباً محلية للمشاركة في هذا التحدي، مضيفة: “الأهل والمدارس يشجعون على شراء النص المحلي لأنه يناسب مجتمعنا وعمر الطفل، بعكس بعض الترجمات التي قد تخاطب فئة عمرية أكبر”.
من جانبه، لاحظ رائد نشواتي من دار “ربيع للنشر” إقبالاً كبيراً على الكتب التفاعلية، وأوضح أن داره تتابع مخرجات وزارة التعليم وتكتب قصصاً تعالج مواضيع، مثل التنمر، مؤكداً أنهم قدموا خصومات تصل إلى أربعين بالمئة على جميع منتجات المعرض.
ماذا يتمنى الناشرون لمعارض قادمة؟
في نظرته لمستقبل معارض الطفل، لم يخلُ حديث أمجد ترجمان من المقارنة، حيث أشار إلى أن ما شهده معرض دمشق الدولي للكتاب 2026 كان نقلة نوعية في التنظيم تجاوزت حتى المعارض الكبرى، متمنياً أن يُطبق المستوى نفسه على معارض الطفل المقبلة.
واقترح أن تقام هذه المعارض خارج المكتبة الوطنية في أمكنة حيوية، لأن العديد من دور النشر عانت من موقعها في قسم داخلي لم يشهد إقبالاً كافياً.
كما اعتبر أن توقيت المعرض في أواخر الشهر أثر سلباً على القدرة الشرائية للأسر، وأن قربه الزمني من معرض الكتاب الدولي جعله يبدو حدثاً أقل أهمية، داعياً إلى فاصل زمني أطول بين الحدثين، مع حملة دعائية قوية ومبكرة تصل إلى المدارس ورياض الأطفال.
وفي رسالة إلى الأهل، حذّر ترجمان من الاستهانة بأحلام الأطفال، قائلاً: “بالأمس رأيت أماً تمنع ابنتها من شراء كتاب عن الفضاء، وطلبت منها شراء شيء آخر، قلت لها: اتركيها تختار على مزاجها، لا يجب أن نستخف بالطفل، حتى لو كان صغيراً. شجعوه على القراءة حسب مزاجه واهتمامه وهوايته”.
ماذا يقول المحترفون؟
في سياق الحديث عن ميزات كاتب الأطفال، يتفق الناشرون والمختصون على أن الكتابة للطفل تتطلب أكثر من مجرد موهبة، فهي تحتاج إلى خبرة وقدرة على التبسيط وفهم عميق لعالم الطفولة.
فمنذ البداية، يؤكد أمجد ترجمان على ضرورة مواجهة الطفل بالقراءة منذ عمر مبكرة، وصولاً إلى بناء جيل قارئ متحضر، مع ضرورة تعزيز الثقافة لديه ولو من عمر السنة.
وتنتقل إيليزا حمود إلى إحدى المعضلات، ألا وهي ترجمة الكتب العلمية، فتشير إلى أن المترجم الناجح يجب أن يضيف من روحه إلى النص ليخرج من قوقعة الحرفية المملة إلى أسلوب شيق، مع إعادة صياغة المعلومات مع الحفاظ على دقتها العلمية.
وبينما تذهب الحمود نحو العالمية، يتجه ولهان البابا نحو المحلية، فيشدد على أهمية أن يكون الكاتب متمرساً، قادراً على صياغة نص مفهوم، ومؤمناً بقوة اللغة العربية وقدرتها على التعبير، خاصة عندما ترفق برسومات محلية تعكس قيماً كالوفاء والإخلاص وحب الآخر.
ويوافقه الرأي إحسان رشوان، لكنه يركز على ضرورة تبسيط المعلومة وفهم الفئات العمرية المختلفة، فالكتابة لطفل في السادسة تختلف عنها لمن هم في الثانية عشرة، ولكل مرحلة أسلوبها وقصصها المناسبة.
وتضيف المختصة في التوجيه التربوي مرام عابورة بعداً آخر، فترى أن الكاتب الجيد هو من يحول التفاصيل المحلية الصغيرة إلى قيم إنسانية، مع الابتعاد عن الوعظ المباشر الذي يمل منه الطفل، وتركز على قيم أساسية كتقبل الآخرين، وحب الخير، والعمل الجماعي، والبعد عن الأنانية والشاشات.
وخروجاً من النظريات إلى الواقع العملي، يلفت رائد نشواتي إلى أن دور النشر باتت تدمج مخرجات وزارة التعليم كموضوعات التنمر ضمن قصصها، وهو توجه تشاركها فيه بتول شعبان، التي تؤكد على أن النص المحلي يبقى الأقدر على نقل قيمنا المجتمعية، شريطة أن يراعي الفروقات العمرية بين مرحلتي التعليم الأساسي والإعدادي.
في ختام معرض كتاب الطفل في المكتبة الوطنية بدمشق، الخلاصة بوقفة تأمل أمام سؤال سيظل مفتوحاً: كيف نبني جيلاً قارئاً يجمع بين جماليات النص المحلي وثراء التجربة العالمية؟ بين إقبال على الكتب العلمية والقصص المترجمة، وشغف بالرسوم المحلية والحكايات العربية.
#سفير برس- سعاد زاهر



