من المعرفة إلى الأثر: التواصل هو البطل في مواجهة فوضى المعنى .. بقلم :حسين الإبراهيم 

#سفيربرس

إعلان

 لماذا تتراكم المعارف في غرف الأخبار العربية دون أن تتحول إلى ممارسة؟ 

ما هي الحواجز التي يضعها “حراس البوابة” في وجه الابتكار، وما فرص تجاوزها؟ 

أين تكمن الفجوة بين تدريب الصحفيين وتطبيق ما تعلموه في مؤسساتهم؟ 

ماذا يحصل عندما نتوقف عن لوم “نقص المهارات” ونبدأ بإصلاح “نظام نقل المعرفة” داخل المؤسسة؟.

خلال دوراتي التدريبية التي أقمتها للزملاء الصحفيين حول توجهات الإعلام الرقمي والصحافة الذكية، اصطدمت بمفارقة مؤلمة: الصحفيون يتلقون معارف جديدة، لكنهم لا يطبقونها في مؤسساتهم.

عندما سألت عن السبب، كان الجواب واحداً: “حراس البوابة” يرفضون التطبيق لأنهم يجهلون أهمية هذه الممارسات.

النتيجة؟ تُترك المعارف الجديدة جانباً، كأنها نظريات أكاديمية لا صلة لها بالواقع.

هذه ليست مشكلة تدريب؛ بل مشكلة تواصل مؤسسي. المعرفة لا تتحول إلى أثر إلا عبر تواصل يحوّل الفهم إلى ممارسة، والممارسة إلى نظام معرفي مستدام.

فوضى المعنى: تراكم المعرفة دون ممارسة 

يعبّر مصطلح “فوضى المعنى” عن حالة غرف الأخبار العربية اليوم: محتوى فيروسي دون ثقة، معرفة دون تطبيق، أدوات دون بروتوكولات. وهكذا… لا يعاني الصحفي السوري من غياب التكنولوجيا بل من غياب البنية المعرفية والمؤسسية التي تحوّل المحتوى الفيروسي إلى تحقيق موثوق، وتحوّل الانتشار إلى ثقة رقمية.

في تلك الدورات، كثيراً ما كنت أكتشف أن الصحفيين يتدربون على أدوات متقدمة (تحقق رقمي، صحافة بيانات، ذكاء اصطناعي)، لكنهم يعودون إلى مؤسساتهم ليجدوا أن مدير التحرير يرفض ورئيس التحرير لا يدرك والمؤسسة لا تدعم. وفي كل ذلك نجد أن المعرفة تُكتسَب، لكنها لا تُطبَّق.

هذه ليست حالة سورية فقط، ففي مصر، يتنامى الوعي بإمكانيات الذكاء الاصطناعي بين الصحفيين، لكن التطبيق يبقى مجزّأً وتجريبياً، دون إرشادات مؤسسية أو أطر تدريبية رسمية. وفي الأردن، وبالرغم من وجود وعي إيجابي بإمكانيات الذكاء الاصطناعي، يظل التبني العملي محدوداً بسبب تحديات تقنية ومالية وأخلاقية. أما في الإمارات، فقد قرأت عن دراسة حديثة كشفت عن “فجوة تحقق”: 76.7% من الصحفيين يستخدمون أدوات توليدية بشكل فردي لزيادة السرعة، مقابل 12.5% فقط يستخدمون تقنيات كشف التزييف العميق على مستوى المؤسسة.

النتيجة؟ نموذج “تبني من الأسفل إلى الأعلى” (Bottom-Up): يقود الابتكار أفراد يستخدمون أدوات بشكل “خفي” (Shadow AI) دون استراتيجية مؤسسية من الأعلى إلى الأسفل. هذا النموذج يولّد طاقة فردية، لكنه يفشل في بناء ممارسة مؤسسية مستدامة لأن المعرفة لا تتراكم ولا تتحول إلى بروتوكولات عمل.

لماذا تفشل المعرفة؟  

عدت أسأل المتدربين: “لماذا لا تطبقون ما تعلمتموه؟” الجواب يتكرر: “مدير التحرير يرفض ورئيس التحرير لا يدرك والمؤسسة لا تدعم.”

تؤكد الأدبيات العالمية أن 52% من قادة غرف الأخبار يعتبرون “المقاومة الثقافية أو التشكيك” العائق الأكبر أمام تبني الذكاء الاصطناعي. و61% يعزون الفشل إلى نقص المهارات التقنية الداخلية، و6 من كل 10 غرف أخبار لا تقدّم أي تدريب رسمي على الذكاء الاصطناعي.

ثمة حواجز تتفاقم في منطقتنا: 

في مصر: يتم تجريب “الصحافة الروبوتية” لكن بحذر بسبب الرقابة الحكومية والأعراف الإعلامية، ومقاومة الأجيال الأقدم في الهرم التحريري.

في فلسطين: غياب سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، ونقص البنية التحتية، ومقاومة أعضاء هيئة التدريس، هي عوائق رئيسية أمام دمج الذكاء الاصطناعي في مناهج الإعلام.

في الأردن ولبنان والعراق: التحدي ليس في فهم إمكانيات الذكاء الاصطناعي، بل في تطبيقه في بيئات محدودة الموارد: انقطاع الكهرباء في لبنان (20+ ساعة يومياً)، وقيود الاستيراد في فلسطين، ومعدلات تنفيذ لا تتجاوز 6% في العراق رغم وجود كفاءات بحثية.

إذن… المشكلة ليست في المعرفة؛ بل في الجسر الذي يحوّلها إلى ممارسة. وهذا الجسر هو التواصل المؤسسي.

التواصل كجسر بين “التدريب” و“التغيير المؤسسي”

بدأت في دوراتي، بتغيير المنهج: لم أعد أن تدريب الصحفيين يكفي ؛ علينا الاهتمام بتدريب حراس البوابة.

وضعت منهجاً يتضمن 5 خطوات عملية:

1.تدريب المحررين ومديري التحرير على “لماذا” (ليس فقط “كيف”): نقص الكفاءات المتخصصة في إدارة الذكاء الاصطناعي هو التحدي الأبرز في فلسطين والأردن.

2.حالات استخدام واضحة: قدّمت نماذج عملية (تلخيص اجتماعات، توليد عناوين بديلة، كشف التزييف).

3.مساحات تجريبية آمنة (Sandbox): أنشأت “مختبر أخبار” صغير داخل المؤسسة لتجربة الممارسات الجديدة دون مخاطر كبيرة.

4.قياس الأثر لا التفاعل: غيّرت مؤشرات النجاح (عدد المقالات التي استُخدمت فيها الممارسة الجديدة، تأثيرها على الجمهور).

5.عقود نقل المعرفة: بعد كل دورة، اتفقت مع المؤسسة على “خطة تطبيق” (3 ممارسات خلال 3 أشهر)، مع متابعة شهرية.

في دوراتي، بدأت أطلب من المحررين حضور الجلسة الأولى، وأقدّم لهم “حالة استخدام” واحدة فقط، وأتابع التطبيق شهرياً.

النتيجة؟ ارتفعت نسبة التطبيق من 10% إلى 60%.

تجربتي في الجامعة الافتراضية 

بعد تكليفي بمهمة مدير مساق الإعلام الرقمي في مركز التعلم المستمر بالجامعة الافتراضية السورية (2020)، صمّمت خطة تدريبية عبر ورشة عمل بعنوان ‘صحافة الحلول المجتمعية’، اعتمدت على ثلاثة مبادئ: أولاً، إشراك حراس البوابة (مدراء التحرير ورؤساء الأقسام) في التنظيم والتقويم، لا كمتلقين فقط. ثانياً، تحويل المعرفة إلى ممارسة: كل مشارك أو مجموعة قدّمت مشروعاً صحفياً ميدانياً ينتمي إلى موضوع الورشة. ثالثاً، المتابعة والتقويم: جلسات تقييم بعد ستة أشهر، بمشاركة رؤساء التحرير. ورغم أن الالتزام في التدريب لم يكن بالمستوى المطلوب، إلا أن النموذج قدّم دليلاً عملياً على أن ‘التواصل المؤسسي’ ـ لا ‘التدريب الفردي’ ـ هو ما يحوّل المعرفة إلى أثر.”

“هذه التجربة علّمتني درساً لم أجد له ذكراً في الكتب: الصحفي لا يطبق لأن مدير التحرير لا يدرك؛ لذا يجب أن يبدأ التغيير من ‘البوابة’، لا من ‘الغرفة’.”

نماذج عربية: نجاح التواصل في تحويل المعرفة إلى أثر 

1.الإمارات ـ “كل علبة تُعدّ”

جمعت حملة “Every Can Counts” في الإمارات بين إدارة استراتيجية للمنصات (ميتا) وفعاليات ميدانية، حقّقت ملايين الظهورات وآلاف التفاعلات، وجمعت آلاف العبوات لإعادة التدوير. النجاح لم يأتِ من “المعرفة” وحدها؛ بل من تواصل صمّم “خيارات سهلة”، وقيّس الأثر، وبنى مجتمعاً حول الممارسة.

  1. 2.مصرـ VeryNile

استخدمت مبادرة VeryNile فيسبوك/إنستغرام لتحويل الوعي إلى تطوع ميداني لتنظيف النيل، مع قصص بشرية وصور قبل/بعد. التواصل هنا لم يكن “نشر معلومات”؛ بل بناء حركة مجتمعية.

  1. 3.سوريةـ حملات التشجير (“ريفنا أخضر”)

حملة “ريفنا أخضر” في ريف دمشق لزراعة 500 ألف غرسة، مع إشراك الأهالي والمنظمات المحلية. التحدي: كيف تتحول من “حدث إعلامي” إلى “ممارسة مستدامة”؟ الجواب: توثيق مراحل الغرس، قصص متطوعين، مؤشرات بقاء الأشجار، تحديات مجتمعية للعناية بها.

في كل حالة، النجاح لم يأتِ من “المعرفة” وحدها، بل من تواصل صمّم “خيارات سهلة”، وقيّس الأثر، وبنى مجتمعاً حول الممارسة.

 

نحو “نظام معرفي” مستدام 

تجربتي تؤكد أن فوضى المعنى لا تُحلّ بالمزيد من المعرفة؛ بل بتواصل يحوّل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى نظام معرفي.

إذا كنت مدرباً، ابدأ بتدريب حراس البوابة. إذا كنت مديراً للتحرير اطلب “حالة استخدام” واحدة. إذا كنت صحفياً قِس أثرك، لا تفاعلك.

إذن… التواصل ليس إضافة توعوية؛ بل هو البنية التحتية التي تحوّل المعرفة إلى أثر.

#سفيربرس _بقلم :الإعلامي حسين الإبراهيم 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى