من قاسيون إلى قرطاج: دمشق وتونس في مرايا أدب الرحلات والقصيدة
#سفير_برس _تونس - نورس برو

في أدبيات الرحالة والمبدعين العرب، لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد خطوط ترابية أو حدود سياسية مرسومة بالحبر، بل كانت حالة من العشق المتصل الذي يغزل الأفق المشرقي بالمغربي. وفي هذا الفضاء المفتوح على التوق والإلهام، تشكلت ثنائية ساحرة بين دمشق وتونس؛ مدينتان كأنهما صيغتا من العراقة ذاتها، إحداهما تستند إلى جبل قاسيون وتستحم بماء بردى، والأخرى تتكئ على هضبة قرطاج وتغازل أمواج المتوسط.
عبر العقود والقرون، كانت هذه العلاقة تتجاوز الاتصال الجغرافي العابر لتدخل في نطاق “التماهي الأدبي”. كتب الأدباء والشعراء التونسيون عن دمشق بكثير من الشغف الروحي، بينما رأى الكُتّاب والرحالة السوريون في تونس خضرة الروح ومتنفساً للفكر والحرية. إنها رحلة في مرايا النص، حيث تتحول المدن إلى شواهد على تلاقي العقول والقلوب.
جذور التاريخ الإشراقي: رحلات الأوائل وتأسيس الروابط
لم يبدأ أدب الرحلات بين تونس وسوريا مع العصر الحديث، بل يمتد بجذوره إلى زمن الرحالة القدامى والمعبر الثقافي الذي شكله طريق الحج والتجارة ورحلات طلب العلم. كان العلماء والرحالة المغاربة والتونسيون يمرون بالشام في طريقهم إلى الحجاز، فيسجلون انطباعاتهم عن دمشق كقبة للعلوم والجمال.
في هذا السياق، يُذكر الشيخ محمد المكي بن عزوز (1854-1916)، العالم والكاتب التونسي الذي زار الشام وكتب عن مجالسها العلمية وأزقتها التاريخية، واصفاً دمشق بأنها “بيت الحكمة ومأوى الأوداء”. وعلى الضفة الموازية، كان العلماء السوريون الذين زاروا جامع الزيتونة المعمور في تونس العاصمة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يدوّنون في تقاريرهم ورحلاتهم انبهارهم بالنهضة الفكرية التونسية التي قادها مصلحون من طراز خير الدين التونسي(1820-1890).
كانت هذه الرحلات الباكرة تطرح مفهوماً مبكراً لـ “الأخوة الثقافية”، حيث يرى الرحالة في المدينة الأخرى مرآة لمدينته؛ فالأسواق العتيقة في سوق الحميدية بدمشق تتشابه في روحها وهندستها وسقوفها الخشبية مع أسواق المدينة العتيقة في تونس مثل “سوق العطارين” و”سوق البركة”.
دمشق في وجدان المبدعين التونسيين: عشق من أول بيت
شغف التونسيين بالشام ليس مجرد إعجاب عابر، بل هو استيطان شعري وجداني. ولعل صورة دمشق في الأدب التونسي ارتبطت دائماً بالشموخ والتاريخ والجمال الطبيعي الذي يُذكر برياض تونس الخضراء.
– أبو القاسم الشابي (1909-1934): طيف الشام في العقل والتوق
رغم أن شاعر الخضراء الخالد أبو القاسم الشابي لم يتمكن من زيارة دمشق بسبب معاناته الطويلة مع مرض القلب ووفاته المبكرة، إلا أن الشام كانت حاضرة في مخيلته وأدبه عبر المراسلات والاطلاع. كان الشابي متابعاً شغوفاً للنتاج الأدبي السوري، وبخاصة الحركة الشعرية في دمشق. وفي بيته الشهير عن العروبة والروح الحرة، تجلى هذا الحادي الوجداني الذي يربط الشام بتونس:
أَنا أَيُّها الحُبُّ الفَريدُ كَآبَةً كَالشَّامِ يَبكي في الفَضاءِ العاطِرِ
وَأَنا المُشَرَّدُ في الحَياةِ وَإِنَّني لَأَرى المُنَى كَالشَّمْسِ خَلْفَ الماطِرِ
– محمود المسعدي (1911-2004): السفر بين الفلسفة والأرض
يعتبر الأديب والمفكر التونسي الكبير محمود المسعدي، صاحب “حدث أبو هريرة قال…” و”السد”، أحد أبرز من مثلوا هذا التلاقي. في زياراته المتكررة لسوريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بمناسبة المؤتمرات الأدبية والفكرية، كتب المسعدي نصوصاً وانطباعات تناولت دمشق بوصفها “مدينة الفكرة”. ورغم غلبة السرد الفلسفي عليه، كتب المسعدي أبياتاً يمتدح فيها روح الشام وعراقتها قائلاً:
قاسِيُونُ يَرْقُبُ أُفْقَنَا المَمْتَدَّ مِنْ مَوْجِ المَتَوَسِّطِ
حَيْثُ نَبْضُ التُّونُسِي هِيَ دِمَشْقُ
أَمْسَتْ لِلْعُقُولِ مَنَارَةً وَالشِّعْرُ فِيهَا صَادِحٌ لَمْ يَنْعَسِ
– منصف المزغني (مواليد 1954): الشام في القصيدة المعاصرة
زار الشاعر التونسي المجدد منصف المزغني دمشق مراراً، وكتب فيها وعنها قصائد تفيض بالحميمية والفكاهة السوداء أحياناً. دمشق في شعر المزغني هي امرأة تعزف على وتر الذاكرة، حيث يقول في إحدى قصائده المهداة لدمشق:
شَامُ يا جَارَةَ المَاءِ، يا بِنْتَ شِعْرِي
أَتَيْتُكِ مِنْ خَضْرَاءِ بَحْرٍ وَتَمْرِ
حَمَلْتُ القَيْرَوَانَ عَلَى جَنَاحِي
لأَغْرِسَ فُلَّهَا في بَابِ شَرْقِي
– الحبيب الزنطاني: حنين القصيدة التونسية للشام
كتب الشاعر والكاتب التونسي الحبيب الزنطاني عن رحلاته إلى سوريا في الثمانينيات، واصفاً كيف كانت المكاتب والدوائر الأدبية في دمشق تفتح أبوابها للكاتب التونسي وكأنه في بيته، حيث أنشد في إحدى أمسياته الدمشقية:
مِنْ قَرْطَاجَ جِئْتُكِ يَا دِمَشْقُ مُحَمَّلاً بِعَبِيرِ أَرْضٍ لا تُحِبُّ القَيْدَا
هَذَا اليَاسَمِينُ السُّورِيُّ يَعْرِفُ لَهْجَتِي وَيَرَى القَصِيدَةَ في التَّنَقُّلِ عِيدَا
تونس في عيون السوريين: الخضراء كملهمة وشاطئ للحرية
على الجانب الآخر، كانت تونس في أدب الرحلة والنص السوري تتجلا كـ “أيقونة متوسطية” تجمع بين عراقة التاريخ الفينيقي والحرية الفكرية والجمال الاستثنائي.
– نزار قباني (1923-1998): عاشق قرطاج والياسمين
لا يمكن الحديث عن تونس في الأدب السوري دون الوقوف مطولاً عند قيثارة دمشق، الشاعر نزار قباني. زار نزار تونس مراراً وتكراراً بدءاً من ستينيات القرن الماضي، وربطته بها علاقة عشق استثنائية تجلت في مشاركاته التاريخية في “مهرجان قرطاج الدولي”، حيث ألقى قصيدته الخالدة التي ينشد فيها:
يَا تُونُسُ الخَضْرَاءُ جِئْتُكِ عَاشِقاً وعَلَى جَبِينِي وَرْدَةٌ وَكِتَابُ إِنِّي سُورِيٌّ..
وَتُونُسُ نَخْلَتِي وَبِهَا يُقَاسُ الحُبُّ وَالأَحْبَابُ
– أدونيس (مواليد 1930): الفضاء المتوسطي والمثال الثقافي
الشاعر والمفكر السوري الكبير أدونيس زار تونس في محطات عديدة من حياته، وكتب عنها مقالات ونصوصاً تدخل في باب التفكير الجمالي في أدب الرحلة. رأى أدونيس في تونس “حافة العالم المتوسطي” التي تلتقي عندها الثقافات، وكتب فيها مقطعاً شعرياً يقول:
في تُونُسَ المَوْجُ يَكْتُبُ الشِّعْرَ زَبَداً
وَالبَحْرُ لَيْسَ سِوَى حَبْرٍ لِقَرْطَاجَا
أَرَى الشَّامَ تُهْدِي المَتَوَسِّطَ سِرَّهَا
لِيَغْدُوَ شَاطِئُ الخَضْرَاءِ المِعْرَاجَا
– محمد الماغوط (1934-2006): دهشة الانطباع الأول
الشاعر والمقالي السوري الساخر محمد الماغوط زار تونس ضمن فعاليات ثقافية ومسرحية، وفي أسلوبه التفعيلي الفريد والمكتنز بالدهشة، كتب الماغوط يصف المقاهي والياسمين التونسي الشبيه بياسمين الشام:
جَلَسْتُ في “الصَّفْصَافِ” أَبْحَثُ عَنْ حَارَتِي
فَإِذَا بِالفُلِّ التُّونُسِيِّ يَشُدُّ قَمِيصِي تُونُسُ كَ الشَّامِ..
تَبْكِي بِلُغَةٍ نَاعِمَةٍ وَيَضْحَكُ فِيهَا الأَثِيرُ مِنْ دُونِ إِذْنٍ!
تلاقي الطقوس: بين “سيدي بوسعيد” و”باب توما”
تتألق المادة الصحفية حين تستعرض تلك التفاصيل التي التقطها الرحالة والكتّاب في المقارنة الجمالية بين المعالم والمظاهر المجتمعية في البلدين:
طقس المقهى الأدبي: في دمشق، كتب الرحالة عن “مقهى النوفرة” الملتصق بالجامع الأموي و”مقهى الروضة” كملاذين للأدباء. وفي تونس، رصد الأدباء السوريون “مقهى تحت السور” و”مقهى العالية” في سيدي بوسعيد. كلا الفضائيين كانا يصنعان ذات المناخ: دخان النرجيلة، حفيف فساتين العابرات، وأوراق الصحف والمخطوطات التي تتطاير مع نداءات الباعة.
الياسمين والورد البلدي: أدب الرحلات بين البلدين يفيض بالإشارات إلى الياسمين. ياسمين دمشق البلدي المتسلق على الجدران الحجرية، و”مشموم” الفلّ والياسمين التونسي الذي يصنعه الباعة المهرة بأسلوب فني رفيع. كتب الرحالة السوريون أن “المشموم التونسي” هو التحية الأكثر رقة التي يمكن أن يستقبل بها غريب في المطار أو الشارع.
المرأة والحديث الثقافي: لاحظ الأدباء التونسيون خلال زياراتهم لدمشق حضور المرأة السورية القوي في الصالونات الأدبية منذ بدايات القرن العشرين (مثل صالون مريانا مراش وصالونات دمشق لاحقاً)، وهو ما تقاطع بشكل كامل مع النهضة النسوية التونسية التي وثقها أدباء سوريا بتقدير كبير، معتبرين تونس نموذجاً عربياً فريداً في التحديث الاجتماعي.
أدب لا ينتهي برحلة
في ختام هذه الجولة بين دفوف الكتب ومذكرات الرحالة، يتضح أن أدب الرحلات بين تونس وسوريا ليس مجرد تسجيل لجغرافيات أو توثيق لأسماء أماكن، بل هو “وثيقة حب” عابرة للزمن.
لقد كتب الأديب التونسي عن دمشق كأنها عاصمته الروحية، ورسم الأديب السوري تونس كأنها ملاذه ومصدر إلهامه. ورغم التحولات السياسية والاجتماعية الشديدة التي شهدها العالم العربي، تتأكد حقيقة واحدة: إن قاسيون وقرطاج يجمعهما خيط حقيقي من الياسمين والشغف الإنساني. سيبقى الأدباء يرحلون، وسيبحث كل منهم في عين الآخر عن ذاته، ليظل النص الصحفي والأدبي المكتوب بين تونس ودمشق شاهداً على أن الجمال العربي، حين يكتمل، يكتب بلسان تونسي ونبض شامي.
#سفير_برس _تونس – نورس برو




