عندما يتحدث “باب سويقة” بلغة “باب توما”… فلسفة العقل العربي بين الشام وتونس في ميزان الأمثال الشعبية

#سفير_برس _ تونس _ نورس برو

إعلان

في أزقة “باب سويقة” العتيقة العبقة برائحة الزهر والياسمين التونسي، وعلى مسافة آلاف الكيلومترات في الحارات القديمة لـ “باب توما” الدمشقي، يجلس الأجداد ليرقبوا حركة الحياة والناس بتأمل عميق وصبر طويل. وعلى الرغم من المدى الجغرافي الفاصل بين أقصى المشرق وأول المغرب العربي، إلا أنك حين تنصت لعباراتهم العفوية وتقارن بين حكاياتهم العتيقة، ستكتشف حقيقة مذهلة: إن الإنسان هنا وهناك يملك العقلية ذاتها، ويرد على مواقف الحياة بالعمق والسخرية والحكمة ذاتها، وكأن روحاً واحدة صيغت منها تلك الذاكرة الشعبية التي تختصر مجلدات الفلسفة الإنسانية في سطر واحد مقفى.

المثل الشعبي ليس مجرد كلام عابر أو لغز لغوي تُزين به المجالس، بل هو “خلاصة تجربة” وجودية وجدار نفسي صلب صاغه التونسي والشامي لمواجهة شظف العيش وتقلبات الأيام. والعجيب أننا عندما نغوص في أدبيات المثل الشعبي، نكتشف أن “الذكاء الشعبي” واحد لا يتجزأ؛ حيث يتماثل المنطق اللغوي والوجداني بين الأزقة التونسية والحارات الشامية، ليعبر عن الذات البشرية أمام امتحان المظاهر، والنفاق، والحذر، والرضا، والعلاقات العائلية، وقيمة السعي الشريف.

 

زيف المظاهر وسقوط أقنعة النفاق الاجتماعي

تبدأ حكاية الذاكرة الشعبية من شغف الأجداد بكشف الزيف والتظاهر بالشيء وهو فارغ؛ فالشخص الذي يدعي الجمال أو الثراء ومعدنه الداخلي خاوٍ، لم يسلم قط من تهكم العجائز والحكماء على مر العصور. في الحارات التونسية القديمة، حين يرى الناس رجلاً يتأنق من الخارج ويبطن السوء أو الفقر الشديد، يباغتونه بالمثل الشهير: “يا مزين زنقتك من برة، شنوة حالك من داخل؟”، بل إن الموروث العتيق لا يتحرج من استخدام السخرية الحادة ليقول: “المزين من برة، اش حالك من داخل يا زبلة الحمام؟”. وعلى الفصل المباشر من جغرافية الشام، تجيب المقاهي الدمشية بنبرة لا تقل تهكماً: “من برة رخام ومن جوة سخام”، أو بالقول السائر “لبّس البوصة تطلع عروسة”.

وحين يتعلق الأمر بالجعجعة والحديث الكثير الذي لا يثمر إنتاجاً حقيقياً، يبتسم التونسي وهو يصف الموقف بتهكمه اللطيف: “كان التزغريط أكثر من الكسكسي”، ممتزجاً بالمثل التونسي القديم: “جعجعة بلا طحين وشوكة بلا عين”. وفي الزاوية المقابلة من الأثير العربي، يتردد الصدى الشامي بذات النبرة: “طبل وزمر على فاضي”، و”صوت طاحون وما في طحين”، ليصل التعبير إلى ذروة التوصيف النفسي في القول: “كثير النواح قليل الصلاة”.

أما أولئك الذين يستعلون ويتكبرون رغم شدة فقرهم وحاجتهم، فيأتيهم الرد التونسي حاسماً: “عريان السروال ويحب يتعشى بالكبوت”، و*”جوعان ويحب الحوت”. فيما يصيغ الشامي الحقيقة ذاتها بسخرية دمشقية لا ترحم الادعاء: “شحات ويبغض الكار”، أو “شحّاد ومشارط”، و”بلا بنطال ومترأس على العز”. ولأن المعادن الحقيقية لا تظهر إلا عند الشدة والمحن، يتفق العقلان التونسي والشامي على أن “الرخيص رخيص ولو كان يلبس الحرير” و”الي ما يعرفك يجهلك” في تونس، تماماً كما أن “الأصيل أصيل ولو طال الزمان” و”الذهب ما ببيعه إلا صاحب الحجة” في الشام.

فقه الحذر وأدبيات الأمانة ومراقبة الخبايا

لم تكن الحياة في نظر الأجداد مجرد تقييم أخلاقي للآخرين، بل كانت دراية ومكراً وحذراً واجب الاتباع؛ ولهذا ترك الموروث وصايا حاسمة في الاحتراس من الخيانة والتسرع في صناعة القرار. وحين تحذر الذات التونسية من حارس غدار أو عين لا تؤتمن، تقول بأعلى صوتها: “اللي يسرق يغلب اللي يحضي” (أي المراقِب). وفي الوقت ذاته، تلتقط الشام الخيط لتكمل نفس الفلسفة الأمنية: “حاميها حراميها”، مذكرين بالمثل الدمشقي العتيق: “حارس المزار هو اللي بياكل الزيت”.

وفي حث النفس على التأنّي والابتعاد عن الهوجة والعجلة الفارغة، يسخر التونسي من المستعجل بالقول: “اللي يجري بكري يخلط على الفطور”، مدعماً القول بالحكمة العامة: “التأنّي فيه السلامة والعجلة فيها الندامة”. بينما يستوقف الشامي الشخص المستعجل بهدوء ولين: “يا مستعجل وقف لقلك”، ويثبت مفهوم الصبر بالقول: “اللي بياكل على مهله بياكل حلاوة”.

أما عن أولئك الذين يضمرون الدهاء والمكر خلف ملامحهم الوديعة والساكنة، فيلتقي الشعبان في الحذر من الخفاء. يقول التونسي: “تحت السواهي دواهي”، و”ماء تحت التبن”. ويقول الشامي في البقعة الموازية: “تحت الدواشي حكايات”، و”حية من تحت تبن”. لتنتهي هذه المنظومة الوقائية بالتطابق الحرفي النادر والمدهش بين البلدين في قولهم: “الباب اللي يجي منه الريح سدوا واستريح”.

 

فلسفة الرضا وعزة النفس وسخرية القدر

حين تضيق ظروف الحياة، وتستبد الأزمات بالناس، تتحول الأمثال الشعبية إلى دروع نفسية ومسكنات وجدانية يتذرع بها التونسي والشامي للعبور فوق المصاعب. فعند الخسارة وفقدان العزيز أو المال، يرفض التونسي البكاء على اللبن المسكوب مقتنعاً بأن “كان العياط يرجع الميت، رانا بكينا”، موقناً بـ “اللي فات مات واللي مات شبع موت”. وهو ما يختصره الشامي بقوله الفلسفي: “اللي فات مات”، و”البكا على الميت حرقة وعلى الخسارة قلة عقل”.

وفي أوقات الجوع والفقر وقلة الحيلة، تظل الكرامة هي السلاح الأخير الذي لا يمكن للتونسي أو الشامي التفريط فيه؛ فبينما يرفع التونسي رأسه للسماء قائلاً: “خبز وماء ورأس مرفوع”، ومستشهداً بالمثل الشهير: “السردوك يذن وهو في المزبلة”، يجيبه الشامي بعزة نفس مماثلة وشموخ لا ينكسر: “خبزة وبصلة بعزة نفس ولا خروف بمهانة”، و”كل ديك على مزبلته صياح”.

وحين يتساءل المرء عن تقلبات الأيام وتغير الأحوال بين الغنى والفقر والمد والجزر، يذكره الشيخ التونسي بـ “ما يدوم في الوادي كان حجره”، و”لو كان دامت لغيرك ما وصلت ليك”. ويرد عليه الشامي بنبرة الشكيمة ذاتها: “ما بيبقى على الجبل إلا حجارو”، و”لو دامت لغيرك ما آلت إليك”. ليختما هذا المحور بيقين لا يزعزعه شك في أن “بعد الصبر يجي الفرج” و”شدة وتزول” في تونس، مثلما أن “أضيق ما بتضيق بفرجها الله” و”شدة وتزول يا أبا هول” في الشام.

تعقيدات روابط الدم والقرابة ووراثة الطباع

صاغت المجتمعات العربية رؤيتها لروابط الدم وشبكة العلاقات العائلية بقواعد صارمة ومتشابهة إلى حد الذهول. فالدم يبقى خطاً أحمر لا يمكن أن يتحول إلى ماء في الأدبيات التونسية “الدم عمره ما يولي ماء” ، تماماً كما هو في الأدبيات الشامية  “الدم ما بيصير ميّ” .

ورغم هذه الرابطة المقدسة، إلا أن الأجداد لم يغفلوا عن جفاء القرب الزائد وما يجره من مشكلات اجتماعية؛ يصف التونسي أذى القريب بالقول: “أقرب منك للدم يقطرك”، و “اللي خرج من دارنا كثر خبارنا”. بينما يحذر الشامي باختصار حاد: “الأقارب عقارب”، و”اللي بيطلع من البيت بيسمع كلام العيب” .

ولأن الجينات والتربية تفرض نفسها على السلوك البشري، يتفق الطرفان على أن الطباع موروثة لا محالة؛ ففي تونس يقال: “ولد الفار يجي حَفّار”، وفي الشام يقال: “فرخ البط عوام”. ليجتمعا في النهاية على إقرار قاعدة علمية شعبية حاكمة تختصر كل شيء: “العرق دساس” في تونس، و “العرق دساس للثلاثة للجد والرأس”  في سوريا.

جواهر الحكمة والخبرة الإنسانية العميقة

تستعرض الموروثات الشعبية التونسية والشامية أمثلة بارزة تعكس عمق الوعي بالذات الإنسانية والاتعاظ من تجارب السنين:

1. الاعتماد المطلق على الذات: يرسخ التونسي مبدأ العصامية بقوله: “ما يبكيلك كان شفرك وما يحكلك كان ظفرك”. وهي الحكمة ذاتها التي يكررها الشامي يومياً: “ما بحك جلدك مثل ظفرك، وما بيبكيلك مثل شفرك”، أو بالعبارة المباشرة: “ما بيمسح دمعتك إلا إيدك”.

2. العمى عن العيوب الشخصية والانشغال بالغير: يسخر التونسي ممن ينشغل بعيوب الناس ويتغافل عن عيوبه: “الجمل ما يراش حدبتوا، ويرا حدبة غيرو”. وتكتمل الصورة بالتهكم الدمشقي: “الجمل لو بيشوف حدبته كان وقع وكسر رقبته”، أو “عم بيشوف القشة بعين غيره، وما عم بيشوف الخشبة بعينه”.

3. عقدة التجربة الأولى والمبالغة في الحذر: حين يتعرض الإنسان لصدمة أو خيبة أمل، ينعكس ذلك على سلوكه المستقبلي بمبالغة شديدة؛ في تونس يقال: “إللي تحرق من الشربة يولي ينفخ على السلاطة”. وفي الشام يقال: “اللي بيكتويه الحليب بينفخ على اللبن”، أو “اللي بتاكله الحية بيخاف من جرة الحبل”.

تقديس العمل الشريف والحض على العطاء والنشاط

وفي الحث على أسباب العيش الكريم ونبذ الخمول وابتغاء الرزق، تلتقي الرؤى التونسية والشامية في حث مفصلي على النبل والاجتهاد والاعتماد على السعي الفردي:

1. قيمة الصنعة والحرفة في مقابل المال الفاني: يؤكد التونسي أن المهارة هي الأمان الحقيقي: “يوفى مال الجدّين وما تبقى كان صنعة الليدين”. ويوافقه الشامي بالقول: “صنعة بالإيد أمان من الفقر”، و “صنعة باليد ولا مال الجدين” .

2. فعل الخير الخالص دون انتظار المقابل: يدعو التونسي إلى العطاء النبيل: “أعمل الخير وارمي في البحر”. ويكرر الشامي الفكرة ذاتها بحس إيماني عميق: “اعمل خير ورميه بالبحر، إن ما ضاع عند العبد ما بيضيع عند الرب”.

3. السعي والحركة ضد الكسل والبطالة: يحذر التونسي من الخمول: “الحركة بركة والبطالة هلكة”. ويطابق الشامي هذا المنطق بقوة: “الحركة بركة والكسل هلكة”، مستحضراً القول المأثور للحث على الاجتهاد: “اسعى يا عبدي لأسعى معك”.

إن هذه الأمثال الشعبية المتبادلة بين تونس والشام ليست مجرد عبارات قيلت لمحض السجع أو التسلية في المجالس، بل هي “الدروع النفسية” والوجدانية التي حمت التونسي والسوري عبر التاريخ الممتد. فعندما تشتد الأزمات وتستبد ظروف الحياة، يلجأ العربي إلى مخزونه الساخر والعميق، ليقول “مثلاً شعبياً” يختصر به الوجع، ويستمد منه القوة للاستمرار والعيش بعزة ونفس مرفوعة.

#سفير_برس _ تونس _ نورس برو

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى