“أشياؤها” من العنوان إلى المسكوت عنه الأنثوي. الصادرة عن دار دجلة ناشرون وموزعون في الأردن _بقلم . أ‌.مريم المصري.

#سفيربرس _فلسطين _ نابلس

إعلان

تستدعي المجموعة القصصية “أشياؤها” للكاتبة القاصّة “حنان باشا” قارئًا قادرًا على تفكيك إيحاءات وغموض سردها القصصي، وقراءة المسكوت عنه، واصطياد الدلالات الكامنة خلف التفاصيل الصغيرة؛ فــ “أشياؤها” ليست مجرد مجموعة قصصية، وإنما فضاء سردي يستعيد الصوت الأنثوي، ويكشف ما هو خفي ومهمش في التجربة النسوية، ويحول الخاص والشخصي إلى خطاب إنساني يتجاوز حدود التجربة الفردية.

ولعل أول ما يلفت انتباه عين القارئ عنوان المجموعة القصصية “أشياؤها” الذي لا يأتي بوصفه تسمية خارجية للنصوص، وإنما بوصفه عتبة دلالية تتفاعل مع فضائها السردي، وتضيء جانبًا من مضمراتها؛ فالعنوان كما يرى “جيرار جينيت”، هو من أبرز مظاهر العتبات النصية، وله تأثير في توجيه أفق تلقي العمل وتأويله. ومن هذا المنطلق، يحمل عنوان القاصة “حنان” شحنة دلالية وإيحائية لافتة؛ إذ يحيل ضمير الغائبة “ها” إلى ذات أنثوية، في حين تفتح لفظة “أشياء”، مجالًا أعمق لما تختزنه هذه الذات من تفاصيل وذكريات ومشاعر وتجارب قد تبدو هامشية في ظاهرها، لكنها تصبح ذات قيمة مركزية داخل السرد، كذلك فإن إضافة الأشياء إلى الضمير الأنثوي تجعل العنوان مشيرًا إلى عالم خاص بالمرأة، وما يكتنز في هذا العالم من تفاصيل معلنة وأخرى مسكوت عنها. ومن ثم، يتعانق العنوان مع متنها القصصي، فلا يعود “أشياؤها” مجرد عنوان، بل يصبح مفتاحًا لسبر أغوار المجموعة القصصية؛ للكشف عن الدلالات النفسية والاجتماعية والإنسانية.

تغوص بنا “حنان” في عالم المرأة الحامل للتجارب والذكريات والأشياء الخاصة، فالأشياء تستدعي عالمًا أنثويًا حميمًا ظل كثير من تفاصيله خارج البوح. ومن هنا، لا تكتب “حنان” ضد الرجل أو في مواجهة السلطة الذكورية بقدر ما تكتب لتمنح المرأة مساحة للكلام والحضور والاعتراف بالذات، فتستعيد ما أقصي أو سكت عنه في التجربة الأنثوية. وقد امتد هذا الجانب الأنثوي على صفحات المجموعة، متجليًا في تفاصيل الحياة اليومية، والانفعالات، والهواجس، والعلاقات، وما تحتزنه المرأة من مشاعر وتجارب لا تجد دائمًا سبيلًا إلى التعبير عنها. وحين تتكئ الكاتبة إلى التجربة الإنسانية القريبة من واقعها، فإن سردها يأتي مكثفًا بشحنات نفيسة؛ إذ لا تكتفي “باشا” بنقل الحدث في قصص قصيرة فقط، وإنما تنفذ إلى ما يضمر خلفه من ألم ورغبة وخوف وقلق واحتياج، فتغدو الكتابة نوعًا من الكشف عن الداخل الإنساني.

إن المرأة في مجموعة “باشا” القصصية حاملة لثنائية القوة والضعف، في مفارقة ضدية تبدو جلية في كثافة سردها القصصي وشحنته النفسية؛ فالمرأة عندها ليست ذاتًا مستسلمة للضعف، ولا شخصية مكتملة القوة، وإنما تتشكل داخل منطقة متوترة يتجاوز فيها الانكسار والمقاومة، والألم والقدرة على النهوض. ويبدو ذلك منذ القصة الأولى الموسومة بـــ “صباحات رتيبة”، حيث تفتتح “باشا” سردها بقولها: “لم تكن العصافير تعبأ بصداها، كانت تغرد بوقاحة خارج النافذة، بينما لجين تلملم شتات روحها بعد ليلة قضتها تتلوى في فراشها كغريق”. فالمفارقة تتشكل منذ المشهد الأول بين “الوقاحة الجميلة” للعصافير وهي تمارس حضورها في الخارج، وبين لجين التي تلملم شتات روحها في الداخل، بما يعكس انقسام الذات الأنثوية بين عالم خارجي يستمر في الحياة، وداخل مثقل بالألم والانتظار. ولا تكتفي الكاتبة بتصوير هذا الانكسار، بل تمنح الشخصية فرصة لمحاورة ذاتها، فتغدو الذات الأنثوية في حوارها الداخلي مصدرًا لاستعادة قوتها ومواجهة هشاشتها؛ إذ إن الحديث مع الذات يتحول إلى فعل مقاومة واسترداد للقدرة على الاحتمال. ومن هنا تتكشف “أشياؤها” بوصفها أشياء الأنثى الثمينة، تلك التفاصيل الحميمة التي تحمل وجعها وانتظارها وذاكرتها، وتتنفس في الوقت ذاته الانتظار والعدم؛ فتصبح الأشياء علامات على حياة داخلية كاملة، وعلى أنوثة لا تختزل في الضعف، بل تتخذ من هشاشتها نفسها سبيلًا إلى القوة.

ولا يغيب الجسد الأنثوي عن العتبة البصرية للمجموعة القصصية “أشياؤها”، وإنما يحضر بوصفه علامة دالة تتجاوز حضوره المادي إلى ما يكتنفه من أبعاد نفسية ووجدانية؛ فالغلاف يتوسطه جسد امرأة تتخذ وضعية هادئة، وقد بدا الجزء العلوي منه محاطًا بكثافة من الأزهار والأشياء، فيما تمسك بيدها فنجانًا، ويجاورها الكمان والمصباح والكتب وقوارير العطر وغيرها من التفاصيل التي تستدعي عالمًا أنثويًا حميميًا. وإذا كان بعض الخطاب السردي قد تعامل مع الجسد بالصمت أو التجاهل أو الامتناع عن الاقتراب منه، فإن حضور الجسد في غلاف “أشياؤها” يأتي بصورة مغايرة تمامًا؛ فهو لا يقدم بوصفه جسدًا مثيرًا أو موضوعًا للنظر، وإنما بوصفه جسدًا متصلًا بالذات والأشياء والذاكرة والمشاعر. ومن ثم، تبدو الأنوثة في الغلاف متشكلة من خلال تفاعل الجسد مع محيطه؛ فالأزهار التي تكاد تحتضنه، والكمان الذي يجاوره، والفنجان الذي تمسكه الشخصية، والضوء المنبعث من المصباح، كلها تفاصيل تمنح الجسد امتدادًا دلاليًا، وتجعل الأشياء جزءًا من هويته وذاكرته. وهنا تتقاطع الصورة مع عنوان مجموعة “باشا” القصصية؛ إذ لا تبدو “الأشياء” مجرد مقتنيات تحيط بالمرأة، بل علامات على عالمها الداخلي كأن الكاتبة تستعيد من خلال هذه التفاصيل ما عجزت اللغة المباشرة عن قوله. وبذلك يصبح الجسد الأنثوي في الغلاف جسدًا حاضرًا بالصورة، لكنه يتجاوز حضوره الفيزيائي إلى التعبير عن الذات الأنثوية بما تحمله من رقة وقوة وهشاشة وذاكرة. وما تخفيه وراء هدوئها الظاهر من كثافة شعورية.

وعليه، تتأسس في الغلاف مفارقة بين هدوء الجسد وسكونه من جهة، وكثافة الأشياء والحياة المحيطة به من جهة أخرى كأن الصمت الظاهر للجسد يخفي وراءه عالمًا أنثويًا مكتظًا بالأصوات والمشاعر والذكريات.

#سفيربرس _بقلم :أ‌. مريم المصري.نابلس/ فلسطين.

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى