الذكاء الاصطناعي في سوريا… بين خطاب القدرة الاستراتيجية وفجوة الدعم المؤسسي _بقلم :حسين الإبراهيم
#سفيربرس

ماذا يعني العمل على تحويل السوريين من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين لها؟.
كيف يترجَم هذا االتوجه إلى واقع ملموس؟.
ما الذي ينقص المؤسسة كي تتحول من إدارة أزمة إلى بناء قدرة؟.
أين تكمن الفجوة الحقيقية: في الإرادة أم في التنفيذ؟.

أحدث المرسوم رقم 183، الذي صدر مؤخراً، مساراً تعليمياً جديداً باسم “المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة”، يبدأ من المرحلة الثانوية ويمتد إلى التعليم الجامعي التطبيقي والبحثي، مع تخصصات تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتات وعلوم البيانات.
رأى وزير التعليم العالي مروان الحلبي إن الهدف هو “جعل السوريين منتجين للتكنولوجيا، وليسوا مستهلكين لها”. كلام واضح. لكن الكلام شيء، والبنية التحتية شيء آخر.
المسار نفسه مصمم بعناية: مدارس تكنولوجيا متقدمة تقبل الطلاب وفق اختبار وطني ومجموع لا يقل عن 85% في التعليم الأساسي، بطاقة استيعابية أولية تبلغ نحو 100 طالب لكل مدرسة، على أن تتوسع لاحقاً. أما المرحلة الجامعية فتعتمد نظام “الجذع المشترك” في السنة الأولى، ثم سنتين للتخصص، ليحصل الطالب بعد ثلاث سنوات على إجازة في التكنولوجيا المتقدمة ويدخل سوق العمل مباشرة.
إنه تصميم مؤسسي مميز. السؤال: هل توجد البيئة التي تجعله قابلاً للتنفيذ؟
فجوة الدعم المؤسسي
نُشرت دراسة استقصائية عام 2026 حول طلاب الصيدلة في الجامعات السورية كشفت أرقاماً تكشف الفجوة. 86.8% من الطلاب يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض أكاديمية، أعلاها ChatGPT بنسبة 96.5%. لكن 95.9% منهم يعتمدون كلياً على التعلم الذاتي لاكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي، و93.6% لم يتلقوا أي توجيه مؤسسي رسمي حول الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات. درجة الدعم المؤسسي: 1.55 من 5.00.
الرقم الأخير ليس مجرداً. درجة 1.55 من 5 تعني أن المؤسسة ـ بأجهزتها وبرامجها ولوائحها ـ شبه غائبة عن العملية. الطالب يتعلم من يوتيوب وتويتر، لا من منهج مدروس. النتيجة: اعتماد عالٍ على الذكاء الاصطناعي، مع غياب القدرة على التحقق النقدي من مخرجاته. مخاطر معرفية حقيقية، لأن جيلاً كاملاً قد يثق بمعلومات لم يتعلم كيف يميز بين ما هو دقيق وما يبدو دقيقاً.
منطق التنظيم ومنطق الاستثمار
لنذهب إلى المدرسة. دراسة أخرى حول معلمي المدارس الثانوية في اللاذقية كشفت أن “الصعوبات المادية” احتلت المرتبة الأولى بين العوائق التي تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي، تليها الصعوبات التقنية، وأخيراً الصعوبات البشرية. أي أن المشكلة ليست أن المعلمين “لا يعرفون كيف يستخدمون”، بل أنهم لا يملكون ما يستخدمونه به. لا أجهزة كافية، لا إنترنت مستقر، لا مختبرات. حين تكون البنية التحتية غائبة، تصبح كل خطط التدريب والمناهج حبراً على ورق.
الفرق هو بين منطق التنظيم ومنطق الاستثمار فرق جوهري. المؤسسة التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كطارئ تُصدر تعليمات، تعقد ورشة، توزع منشوراً، ثم تنتظر النتائج. المؤسسة التي تتعامل معه كقدرة استراتيجية تخصص ميزانية متعددة السنوات، تبني مختبرات، تدرب كوادر دائمة، تربط البحث باحتياج محدد، وتقيس الأثر. الأولى تنتج فعاليات. الثانية تنتج قدرات. سوريا اليوم ـ بحسب الأرقام المتاحة ـ تقف في المنطقة الأولى أكثر مما تقف في الثانية.
عناصر الفجوة
هذه الفجوة ليست سورية فقط. تقرير التنمية العالمية للبنك الدولي لعام 2025 يشير إلى أن الفجوة العالمية في الذكاء الاصطناعي تكمن في أربعة عناصر: الاتصال، والحوسبة، والبيانات، والمهارات. حتى حزيران 2025، استحوذت الدول ذات الدخل المرتفع على 77% من سعة مراكز البيانات العالمية، بينما حصة الدول ذات الدخل المنخفض أقل من 0.1%. تكلفة حزمة بيانات 5 جيجابايت للهاتف المحمول في الدول ذات الدخل المنخفض تستهلك ما يقرب من نصف الميزانية المتاحة للأسرة بعد نفقات الطعام.
“المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي 2026” يقسم الدول العربية إلى ثلاث فئات، من “السيادة الرقمية المتقدمة” إلى “الدول الصاعدة رقمياً”. المعيار ليس الطموح المعلن، بل البنية التحتية والاستثمار والقدرات المؤسسية. هذا يعني أن سوريا ليست وحدها في هذه المعضلة، لكن ذلك لا يخفف من وطأة الفجوة المحلية ـ فقط يمنحها سياقاً.
الاعتراض الوحيد المعقول على هذه الحجة يقول: “لكن المسار بدأ فعلاً، والمرسوم صدر، والتسجيل سيفتح.” صحيح. لكن وجود خطة ليس دليل وجود قدرة. المسار يبدأ بـ 100 طالب في مدرسة واحدة، بينما يحتاج الاقتصاد السوري إلى آلاف الكوادر الرقمية سنوياً. وحتى هؤلاء المئة، من سيدرسهم؟ المرسوم أجاز “الاستفادة من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات السورية للتدريس والإشراف في المدارس إلى جانب عملهم الجامعي”، وهذا حل مرحلي قد ينجح إن كان هناك أصلاً من يمكن استقدامه. المشكلة أن أساتذة الذكاء الاصطناعي المؤهلين نادرون في الجامعات السورية نفسها.
نموذج الاستثمار الأقوى
ماذا يعني “استثمار أقوى” عملياً؟ ليس بالضرورة أرقاماً ضخمة. يعني تخصيصاً مستقراً ومتعدد السنوات، لا مشروعاً بتمويل سنة واحدة. يعني بحثاً مرتبطاً بمشكلات محددة ـ تحسين التشخيص الطبي، إدارة المخزون الصناعي، تحليل البيانات الإدارية ـ لا بحثاً في “الذكاء الاصطناعي” كعنوان عام. يعني إطاراً وطنياً جامعاً وخطة مؤسسية متسقة معه، لا خططاً فردية متناثرة. يعني حوكمة: من يقرر؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ من يحاسب؟
النسبة من الميزانية أداة، ليست غاية. مؤسسة تخصص 2% من ميزانيتها للبحث ثم تنفقها على مؤتمرات وورش واحتفالات لم تحقق شيئاً. النسبة تُحقق، والأثر غائب. مؤسسة أخرى تخصص أقل، لكنها تبني مختبراً واحداً وتدرب فريقاً واحداً وتنتج تطبيقاً واحداً يُستخدم فعلاً… هذه أقرب إلى الاستثمار. في مجال محدود الموارد، الدقة أهم من الحجم.
بين الأبحاث والقدرة
المرسوم 183 خطوة ضرورية لكنها غير كافية. بناء مسار تعليمي من الثانوية إلى الجامعة قرار صائب، لكنه يبدأ من نقطة متأخرة في سلسلة القيمة. البنية التحتية أولاً، ثم القدرات البشرية، ثم الربط بالاحتياج الفعلي، ثم البحث والتطوير. إذا قفزنا إلى الخطوة الرابعة دون الخطوات الثلاث الأولى، سننتج أبحاثاً لا تُطبَّق، أو تطبيقات لا تُصان، أو مشاريع تتوقف بعد انتهاء التمويل. حينها لن تكون المشكلة في غياب الخطاب، بل في غياب القدرة على تحويله إلى قدرة.
يبقى السؤال: هل يمكن لمسار يبدأ من المرحلة الثانوية أن يُلحق بالبنية التحتية والأساس المهاراتي المفقودين أصلاً؟ أم أننا نبني سقفاً قبل أن نبني الجدران؟.
#سفيربرس _بقلم :الإعلامي حسين الإبراهيم



