ندوة…«أرض الجهاد»..دعـوة للتفكير والغوص في أعماق النفـس والـروح

#سفيربرس ـ فاتن أحمد دعبول

«خمسون عاما مرت على مغادرة الرقة، وهاهو الآن يجلس طويلا محدقا بمرآة حياته السابقة، لم ينس يوما قريته الصغيرة الغافية عند الجبين الأيمن لنهر الفرات..».

يقول الروائي محمد أحمد الطاهر عن روايته «أرض الجهاد» أقصد أرض الجهات التي عبر إليها مايسمى «بالثوار» من جهات الأرض كافة، هم أرادوا أن يكون الجهاد في مكان غير المكان «فلسطين» أخذت من هذا الواقع شخصية جلال وهو رمز لكل شاب عربي عاش في ريف بسيط وانتقل من مكان إلى آخر وربما لم يكن محصنا بما يكفي فأخذته التيارات ووقع فريسة في أيد مدربة على الاصطياد، وطيبته لم تكف ليكون مخلصا لوطنه، فكان أن قتله والده المتجذرة في أعماقه الوطنية والمقاومة».‏

تحت عنوان «محنة الرقة في رواية أرض الجهاد» للروائي محمد أحمد الطاهر، أقام فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب ندوة نقدية بمشاركة كل من الأدباء أمير سماوي، سهيل الذيب، محمد الحفري، وإدارة الشاعر نائل عرنوس.‏

رغم أن الرواية ضيقة ومستعجلة في سردها الحواري وهي تحتاج لمنطقية كاتبها الذي كان عليه أن يتفكر مليا بمشهديتها الجمالية، بحسب أمير سماوي فهو يرى أنها رواية تعددية من نواحي الأمكنة والشخصيات والمتغيرات ذات البعد التحولي والحالات والمواقف، لكنها تأسست لتطرح خطابا بؤريا له نبرته السياسية والاجتماعية ومحكومة بحوارية قلقية، وكان عليه أن يتجنب مطبات موضوعية وشكلية لأن الرواية اجتاحت خمسين عاما واخترقت أمكنة بدأت بالرقة فدمشق وبيروت وبرلين.. وانتهت بالرقة في نفس البيت الذي ولد فيه جلال «بطل الرواية» مرورا بتحولات شخصيته وزواجه دون أن يتعمد وصف طباعه والاستعدادات النفسية المهيأة لخضوعه وانسياقه ويقول:‏

الرواية استعراض لعوالم نفسية متناقضة وطقوسيات روحية وفكرية وعاطفية، وهي من ناحية المبنى تحليق بلاغي، والرواية لعب مع الألفاظ الأكثر حيوية في إطار خطة كاتب ضابط متمكن من سيطرته على نفسه التواقة.‏

الانزلاق نحو الهاوية‏

ويرى الأديب سهيل الذيب أن أرض الجهاد وأرض الرباط هي بالأساس القدس، ولكن الروائي في هذه الرواية يجعلها الرقة مدينته وأي أرض عربية وذلك لما حل بها من خراب وقتل وتدمير على أيدي المجرمين ويهدى محمد الطاهر روايته التي تمتد على نحو من 270 صفحة إلى الأرض التي ارتوت من دماء الفقراء لإيمانه أن الذين صمدوا وقاتلوا ودافعوا عن مدينته وبقية الأرض السورية هم من الفقراء.‏

واستعرض بدوره تفاصيل الرواية حيث فر جلال» بطل الرواية» من أهله ومدينته يافعا لايملك شيئا واتجه إلى مدن عديدة وفي الجنوب ينخرط في صفوف الثوار الفلسطينيين مرورا بعدة أحداث يصل في النهاية إلى برلين.‏

وتحدث الكاتب عن المرتزقة والخونة والإمعات الذين صاروا زعماء، وبحرفية وفنية عالية دلنا الكاتب أن الحاج صالح «أبو جلال» هو بطل الرواية الحقيقي، لكن هذه الرواية واسعة بأحداثها ومعلوماتها ودمجها بين الواقع والخيال الجامح، ولكن تفاصيلها الكثيرة أوهنت العمل وبدا في بعض صفحاته بعث على السأم والرتابة.‏

وباختصار يقول الذيب: هي رواية طويلة يمكن إدراجها تحت أسماء جاسوسية بوليسية وطنية وتوثيقية لأنها احتوت كل ذلك بتمكن واقتدار.‏

تفرد سردي وتقني‏

ويرى الروائي والناقد محمد الحفري أن الرواية تعتمد على تقنية سينمائية قل نظيرها إذ تعنى برصد حالات بطلها الرئيس «الخارجية والداخلية والنفسية» التي تظهر عن طريق سردها الرشيق معبرة بذلك عن فنية رائقة حيث يتم تتبع سيرته الذاتية منذ نشأته الأولى وحتى النهاية، ولاتغفل عين عدسته الثاقبة عن الأماكن التي تجول فيها بحرفية جمالية تغوينا كي لانضيع على أنفسنا كل ماخطته يد الروائي.‏

وقد مازجت أرض الجهاد في العديد من مقاطعها بين التقليد والحداثة، مركزة على حضور الشخصية الطاغي متلازمة مع المكان والزمان، وجميع العناوين التي وضعها الكاتب مرتبطة بمضمون سرديته الحافلة بأحداث عمله لتماشي فنيته وتسير على دربها، وكشفت الرواية نقاطا عديدة أهمها المحفل الماسوني الذي يحيط ويسيطر على جوانب كثيرة في عالمنا، وبعض اليهود الذين يعيشون حالات قهرية في فلسطين، والعدو الذي يخطط ليلا ونهارا للهجوم، والأهم هو التركيز على فراغ إنسانيتنا.‏

وفي الحقيقة الرواية مليئة بالمعلومات وهي تقدم الكثير من القيم الفكرية وتكشف الكثير مما لانعرفه، وتعمل على بث رسائله المتلاحقة التي تبغي التشويق وتقديم المتعة التي لايكون الفن جميلا من دونها، وهي دعوة للتيقظ وللتفكير مليا لكى نرى أنفسنا من الداخل، ولقاء مع العوالم التي قد لاندركها، وفي هذا العمل تخط للآني والمألوف الذي يعتمد الانكفاء على الذات، وقد جعلها سرد الغائب أكثر جمالا وإشراقا.‏

#سفيربرس ـ فاتن أحمد دعبول ـ الثورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *