جمعهم شغف الإبداع وتراتيل الغياب ـ بقلم : سلوى عباس

#سفيربرس

يبدو الأمر وكأنهم متفقون على حزم أمتعتهم والرحيل، كما جمعهم شغف الإبداع والبوح الإنساني، وبما أننا على مشارف وداع الشهر الأخير من عام رحلت فيه أسماء إبداعية هامة نستذكرهم بوقفة مع بعض ما أبدعوه، ففي الأول من هذا الشهر مرت ذكرى رحيل الفنان يوسف حنا الذي كان أحد أبرز مؤسسي المسرح الوطني الفلسطيني في دمشق منتصف القرن العشرين، وهو أحد الوجوه التلفزيونية الراسخة في وجدان المشاهد السوري حتى اليوم من خلال الشخصيات الكثيرة واللافتة التي جسدها في الأعمال الدرامية السورية منذ بداياتها، فهو من جيل الفنانين الفلسطينيين والـسـوريين الذين بدؤوا التمثيل في زمن الهواية، فأخـلـصوا لفنهم، وعاشـوه باعـتباره الـوجـه الأهـم والأجـمـل لوجـودهـم على قيد الحياة، وظل حتى اللحظة الأخيرة من عمره مسكوناً بالفن، يحلم بأدوار جديدة في أعمال أهم وأجمل من تلك التي أنجزها، مثل “حارة القصر، أسعد الوراق، حصاد السنين، شجرة النارنج، هجرة القلوب إلى القلوب، أبو كامل، الدغري” وغيرها الكثير، ومن أشهر مقولاته: “نحن ندخل إلى العقول والقلوب من فضاء واسع وكي تقبلنا هذه العقول والقلوب يجب أن نقتنع بكلامنا أي يجب أن ننجح في نقل الأفكار من الورق إليهم وهذا يتطلب مهارة كبيرة لا توفرها الموهبة وحدها لابد من ثقافة عالية وعميقة كي يتمكن الممثل من الوصول بدوره إلى ذهن المشاهد” في بداية كانون الأول من عام 1992 رحل الفنان يوسف حنا في دمشق تاركاً للأجيال إرثاً فنياً غنياً.

شوكت القناديلي

أيضاً صادف في بداية هذا الشهر ذكرى رحيل الفنان طلحت حمدي الذي قدم الكثير من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، لكن شخصية “شوكت القناديلي” كانت الأشهر بين الشخصيات التي جسدها، ويُعتبر وجهاً أصيلاً من وجوه الدراما السورية، مسيرته الطويلة تركت علامات بارزة في حياته الفنية، فهو الفنان الكبير الذي جسّد أحلام الشباب في الدراما السورية، حين كانت الدراما في مراحل التأسيس، وقد اعترف ذات مرة بأنه يحمل قضية، وكان بالفعل يبحث عن المضمون الاجتماعي الجريء في أعماله مما أثار عليه أكثر من قضية، أو عرّض بعض أعماله للمنع. في عام 2012 غادرنا الفنان طلحت حمدي تاركاً وراءه تاريخاً حافلاً في الفن.

عاشقة دمشق

أما الكاتبة قمر كيلاني فتعد من أبرز الروائيات العربيات اللواتي سعين إلى إعطاء المرأة حقها وتصحيح صورتها عبر الرواية، كما عرفت بعشقها لدمشق وشغفها بحارات هذه المدينة وبكل تفاصيلها حتى أطلق عليها لقب “عاشقة دمشق” وقد وظفت هذا العشق في أدبها عبر انتهاجها الخط القومي العروبي، وإيمانها ببلدها وبمستقبله، فتطرقت لمشكلاته الحقيقية وقضاياه المصيرية، فجاء ماكتبته نبضاً من حياتها، في عام 2011 وبعد تاريخ طويل مع الأدب والصحافة طوت قمر كيلاني صفحة من تاريخ الأدب ورفعت مرساتها باتجاه شاطئ آخر، تاركة ما سطره قلمها من إبداع ذكريات يقتات عليها أهلها ومحبوها وقراؤها.

الأب الروحي

ومن الراحلين في هذا الشهر ميخائيل عيد الأديب الموسوعي والشامل نظراً لتنوع الفنون والآداب التي تعاطاها من شعر وترجمة وقصص ومسرحيات، إضافة للمقالات الصحفية والدراسات، وانطلاقاً من هذه الشمولية كانت مسؤوليته كبيرة تجاه الأجيال الجديدة فكان إشراقة اتحاد الكتاب العرب وضحكته التي تشع من عيونه قبل شفاهه هي العنوان الأبرز لشخصيته، يستقبل زواره بحفاوة وترحاب تمسح عن أرواحهم كل إحساس بالارتباك والقلق، ولا أظن أحداً من جيلنا إلا والتمس النصيحة من هذا الأديب الذي كان بمثابة الأب الروحي والأدبي لنا، ينصحنا ويوجه بوصلتنا في اتجاهها الذي يجب أن تكون فيه، وكانت هذه النصائح نبراسنا الذي نهتدي به. في عام 2004 أطبق عيونه في غفوة طويلة افتقدناه بعدها أديباً وشاعراً وأباً كنا ولا زلنا بأمس الحاجة لاستشاراته ونصائحه.. تغمده بواسع غفرانه ورحمته.

التواضع الإبداعي

ومنذ أيام أيضاً مرت ذكرى رحيل المبدع ممدوح عدوان الذي تميز بأفقه الثقافي الواسع ومواقفه الجريئة التي لم يكن ليتوانى عن إعلانها بحكم طبيعته المشاكسة والمتمردة على كل ما هو سلبي، وقد شغف بالحياة وأحبها لذلك كان بعيداً عن الموت والتفكير فيه، ولم يكن يعنيه منه سوى خوفه أن تتوقف مشاريعه التي خطط لها فيداهمه الموت قبل أن يخرج ما برأسه من أفكار إلى الناس والحياة، وسخر إمكاناته في الشعر والمسرح والصحافة وكل خبرته الحياتية ليقدم أعمالاً على مستوى من الأهمية، فاتجه إلى الكتابة التلفزيونية سعياً للوصول إلى تلفزيون يقدم المتعة والتثقيف والجودة، وليس الترفيه والتسطيح والابتذال، فقد أدرك بوعيه لواقعه خطورة ما تواجهه الثقافة، وحول ذلك يقول: الثقافة الجادة إجمالاً تواجه حصاراً، والعصر عصر تقدم تكنولوجي لا يجوز أن نتجاهله، والتلفزيون هو الأداة الخطيرة التي سببت تسطيحاً للثقافة والوعي، وقدمت تسليات ضارة في أغلب الأحيان. في التاسع عشر من عام 2004 أغمض ممدوح عدوان عينيه وتوقف ينبوع قلبه عن العطاء.. رحل مردداً: “سأبقى أقف على تلال مصياف أصرخ بالعابرين: “الغيوم التي لا تمطر حبلها كاذب”.

أفق مرصع بالضوء

وكان الشاعر محمد عمران يمثل ضمير الإنسان العربي وضمير الأمة وتوق المبدع إلى تحقيق مشروع نهضوي عربي متكامل، فقد كان حالماً ثورياً مبدعاً، وقد تحدث عن نفسه في سيرته الذاتي قائلاً: “جوهر نقاء تضوع من هشاشة الطفولة، ذلك هو كائن الشعر الذي اسمه أنا، ذات وجد حمل الكائن سلته وطاف يقطف الفراشات، كان يحلم أن يبني بيتاً على الأفق مرصعاً باللون والضوء”. ترافقت مرحلة وعيه الأولى بأحداث كبرى كان لها أثرها العميق في حياته الإبداعية رغم أنه ظل (رومانسياً ثورياً) حتى وهو يمارس العمل السياسي في تلك البدايات، كما شكلت المرأة مفصلاً هاماً في حياته، وبوابة من بواباته الرؤيوية الشعرية الكبرى، ولطالما أسبغت الأسطورة على شعره عبقاً استعارياً ومجازياً خاصاً، وكانت الميثولوجيا العربية والإنسانية بوابة رؤيوية شعرية أخرى من بواباته الكبرى. وفي عام 1997 رحل الشاعر محمد عمران وقد كتبت على قبره العبارة التالية، «ها أنت في لطفٍ تناولين يدك ولم نزل في أول السفر الجميل، قل لي من البدء استعد، فقد يطول بنا الرحيل، قل لي لأخلف موعدك”.

شاعر من طراز رفيع

“يا ضيعتنا صرلي مدة ما كتبتلك/بدي قلك, بس ما بعرف شو رح قلك!/كنت بقلك مشتقلك لولا ما بخاف/حدا يفكر إني تركتك تا شتقتلك/عشت, بصابيعي مع أول سطر بدفتر/عشت, بموالي عالمروج فوق البيدر/فلاحك هالعمرو مية بالهوية/مافي حبة حنطة بتعرف إنو ختير/يا ضيعتنا ,وحياة عيون الحلوين/والصبايا ودبوق عصافير التين/يوم الكنت,بالعشرين وسميتينا/نحنا وياك,ضلينا بعمر العشرين”.

هذه الكلمات للشاعر عيسى أيوب الذي حمل حقيبة أحلامه ورحل باكراً في 26 كانون الأول من عام 2002 مخلفاً إرثاً هائلاً من الأغاني (2500 أغنية) والقصائد (12 ديوان) والمسرحيات الغنائية (200 مسرحية وأبريت)، فعيسى أيوب شاعر غنائي من طراز رفيع كتب كلمات أغانٍ لوديع الصافي مثل: “راحو الغاولي يا دنيا، يا زمان”، ولصباح “هات الدربكة والعود” ومعن دندشي وسميرة سعيد وملحم بركات وفهد بلان وفؤاد غازي طبعاً، وغيرهم عشرات المطربين السوريين والعرب.

 

فارس الأغنية

ومن الفنانين الذين غادروا عرش نجوميتهم باكراً ورحلوا فارس الأغنية السورية فهد بلان الذي بدأت حياته الفنية مع الملحن والأب الموسيقي الحقيقي للظاهرة الفنية في الأغنية العربية والسورية عبد الفتاح سكر الذي لحن له مجموعة من الأغاني الشهيرة مثل “واشرح لها”، و”جس الطبيب”، و”لاركب حدك يالماتور”، و” تحت التفاحة”، و”يا عيني لا تدمعي”، و”هالأكحل العينين”، و”يا سالمة” و”يا ساحر العينين” و”يا بنات المكلا”. ويعتبر هو وراء نجومية المطرب بلان وبهذا استطاع فهد بلان أن يصل إلى النجومية بسرعة، وأصبح أحد المطربين المميزين في سورية وقدم في الإذاعة السورية الكثير من الأغاني، وفي 24 كانون الأول من عام 1997 ودع جمهوره ومحبيه عن عمر 64 عاماً.

الموسيقار الفريد

أما الفنان فريد الأطرش فلم يستطع تحقيق إحدى أهم أمنياته وهي تلحين أغنية لأم كلثوم، ويعرف أنّه أفضل عازف عود عربي في الفترة التي ظهر فيها، أو كما يلقّب بأنّه ملك العود. كان صوته وأسلوبه الحزين فريداً من نوعه ولم يشهد العالم العربي أسلوباً فريداً مثل أسلوبه.  طغى عليه نجاح شقيقته في البداية، وبقي متمسكاً بقواعد الموسيقا العربية رغم ظهور التأثير الغربي في موسيقاه، وعلى مدار مسيرةٍ فنيةٍ استمرت ثلاثين عاماً، سجل أكثر من 350 أغنية وشارك في 30 فيلماً، نذكر بعضاً من أغانيه المميزة مثل “الربيع وأول همسة”، والموسيقا المميزة “لحن الخلود”، “توتة” و”رقصة جمال”. غنّى أغانٍ أخرى أخف مثل “نورا نورا”، “هلت ليالي” و”جميل جمال”، وبقيت هذه الأغاني على درجة عالية من الشهرة حتى هذه الأيام.

أما أهم الأفلام التي شارك في بطولتها فكانت: “انتصار الشباب” و”لحن الخلود” و”نغم في حياتي”. في عام 1974 خانه قلبه وتوفي في بيروت إثر العودة من رحلةٍ علاجية إلى لندن، عن عمرٍ يناهز الستين عاماً، تاركاً فيلماً آخر لم ينتهِ من تصويره.

#سفيربرس ـ بقلم : سلوى عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *