كتــب سامر محــمد إسماعيل … لهذه الأسباب تراجعت مسلسلات الكوميديا السورية

#سفيربرس 

درّبت أعمال من قبيل (مرايا) ياسر العظمة و(بقعة ضوء) و( يوميات مدير عام) و(قانون ولكن) المجتمع السوري على الفساد، فكرّسته بدلاً من أن تدينه، وسوغته واخترعت سياقاً مرحاً له، منجزةً التصور العام عن قطاعات واسعة من الحياة العامة في سورية، فبذريعة الإضحاك والترويح عن الجمهور استمرأت تلك النوعية من الأعمال خلخلة أية قيمة ومسخ أية معايير أخلاقية، وجعلها مادةً للكوميديا التلفزيونية الرخيصة، منتجةً ما يشبه دروس تعليمية مجانية عن أساليب الفساد المعاصر، وطريقة تصديره كسياق عن مؤسسات الدولة، حتى صار ذلك متاحاً عبر محاكاته في المستويات الإدارية العليا والدنيا، وتمثّله في التصور العام عن علاقة المواطن بمؤسساته الحكومية.
طبعاً هذا لا يعني أن الفساد من صنع هذه الأعمال وحدها، أو أن الفساد لم يكن موجوداً قبلها، لكن الخطير هو أن هذه “المسلسلات اللئيمة” لعبت دور محامي الشيطان في تبرير آليات الفساد وترويجها، في الحين الذي ادعت أنها تنتقد فيه الفساد والفاسدين، إلا أنه ومع كل إصدار جديد من هذه الأعمال كان الانهيار يتوسع، والمحاكاة الجمعية تنمو، والشعور باللاجدوى والنقمة على المرافق العامة تزداد توهجاً، لاسيما في المجتمعات الهامشية والبعيدة، والتي كوّنت فكرتها عن المؤسسة -وضمناً الدولة- من خلال مسلسلات التلفزيون، وأن هذه المؤسسات ما هي سوى وكر للمرتشين ونُهاب المال العام؛ مما زاد أيضاً في حالة الاحتقان نحو المؤسسة، أياً تكن هذه المؤسسة وأياً كان دورها.
هكذا خلطت مسلسلات الكوميديا بين المثال الأعلى الاجتماعي والمثال الأعلى الأخلاقي؛ فالجمهور مع هذه المسلسلات لم يعد يضحك مما هو غير لائق اجتماعياً، بل يضحك مما هو غير أخلاقي، كالمدير المرتشي والموظف الفاسد، وسرقة المال العام، ولصوص الضرائب وهيئات التفتيش الحكومية. وربما لأول مرة في العالم تصبح المؤسسة الحكومية (لوكيشن) حقيقي للتصوير، وتوظف المرافق العامة لتكون استوديوهات مفتوحة للدراما السورية، وهذا لو حصل في مؤسسات للدولة الفرنسية أو الأمريكية، أو حتى في بلدان خليجية؛ لقامت الدنيا ولم تقعد، فجميعنا يعرف أن مؤسسات الدولة في تلك البلدان -إن ظهرت في أعمال التلفزيون أو السينما- فهي لتلميع صورتها وتقديمها بأبهى حلة، لاسيما المؤسسات الأمنية منها.
إلا لدينا تصبح مؤسسات الدولة مكاناً مثالياً لترويج صورة قاتمة وهزلية عن ارتخاء أخلاقي، وسيطرة الفساد بشكل مطلق على مفاصلها الصغيرة منها قبل الكبيرة. حدث هذا على مدى سنوات طويلة، واستمر وما يزال بعد أن تم الإجهاز على المخيلة الجمعية، وجعلها تعتاد على أن المؤسسة صنواً للفساد، وهو فساد كوميدي يتطابق فيه الواقع مع المسلسل، إلى أن صار الواقع اليوم كوميدياً وهزلياً، وذلك بعد أن وصل إلى درجة الإشباع، فلقد تجاوز الواقع المخيلة في سورية، ولم يعد من الممكن إضافة ما هو ساخر ومضحك على هذا الواقع المضحك أصلاً من شر بليته، وجسامة ووقاحة الفساد والفاسدين فيه، ما يبرر تراجع أعمال الكوميديا وإخفاق الجزء الثاني من مسلسل (يوميات مدير عام) كما هو الحال مع إخفاق الأجزاء الأخيرة من “بقعة ضوء” ومسلسل “كونتاك”، وتوقف (مرايا) ياسر العظمة، فما الذي يمكن إضافته اليوم على واقع كوميدي أساساً؟ ما الذي يمكن للفن أن يتخيله إزاء واقع سريالي بالأصل، واقع تزوّر فيه شهادات الدكتوراه، ويعين الجاهلون والجامعيون الأميّون فيه مدراء مؤسسات؟ وتسيطر فيه عائلات بعينها من الآباء والأبناء على مناصب بعينها داخل المؤسسات الحكومية؟ ويتم فيه إبعاد أصحاب المواهب والخبرات عنها؟ ما الذي يمكن أن يُضحك اليوم، وقد صار الواقع مسلياً أكثر من المسلسلات؟
كل ما تقدم لا يلغي مواهب سورية ساهمت في كتابة وإخراج وتمثيل تلك الأعمال، وهذا مستوى آخر من الطرح النقدي في هذا المقال، ولا ينتقص من قدرة الفنان السوري على تقديم قراءات ساخرة حول واقعه، لكن في الوقت ذاته، أناقش هنا خيارات فنية لأعمال بعينها، أعمال هي من حيث تعلم، أو لا تعلم، ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تدمير كل الاعتبارات الأخلاقية للمجتمع؛ ساخرةً منها ضاحكةً عليها، محيلةً إياها إلى مادة بصرية للتندر والضحك المجاني، لتكون مسلسلات الكوميديا آنفة الذكر عبارة عن آلية تدمير ذاتي، وأحد تجليات صراع خفي ومُضمر بين مؤسسات الدولة وأصحاب رؤوس أموال غامضة دعموا هذه الأعمال وأنتجوها، فقط للانتقام من المؤسسة- الدولة ومسخها في عيون الجمهور، والقضاء عليها نظرياً، للتمهيد والإجهاز عليها فعلياً عندما تسنح الظروف المواتية لذلك.
مفارقة تحتمل نقاشاً أوسع، خاصةً أن الدراما التلفزيونية؛ إن كانت كوميدية أو تراجيدية درامية؛ ساهمت في الرعي الجائر للمخيلة السورية، المخيلة التي تمت تلفزتها على مدى العقود الماضية، مرةً بالضحك، ومرات باستجداء المآسي وتصنيعها!

#سفيربرس  ـ بقلم : سامر محمد إسماعيل

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *