كتب الإعلامي سامي كليب … هل حانت ساعة الحقيقة في سورية ؟!..

#سفيربرس

لا غلواء في القول اليوم أن سورية تعيشُ حاليا لحظاتٍ مفصلية لا تُحسد عليها، لمرحلة ما بعد الحرب. ثمة ضبابٌ كثيف يخيّم على المستقبل السياسي، وسط تدهور عنيف للاقتصاد وسعر صرف الليرة يزيد نقمة الناس. يُضاف الى ذلك شبح البدء بتطبيق قانون ” قيصر” الأميركي في الشهر المقبل الذي يسبق الانتخابات النيابية والرئاسية السورية بفترة غير طويلة، وشبح العقوبات الاوروبية التي تضاعفت، ما يتطلب شبه معجزة للخروج من هذا الوضع الخطير، خصوصا أن موقفَ روسيا أثار كثيرا من الجدل والتساؤلات مؤخرا، ولم يُحسم بشكل قاطع حتى كتابة هذا المقال، لا من قبل الرئيس فلاديمير بوتين ولا من الخارجية الروسية.

هل المعجزة ممكنة؟ ربما نعم ولكنها تحتاج جرأة كبيرة لتمرير المرحلة الخطيرة.

لنعد قليلا الى الوراء كي نفهم أكثر:

· الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان واضحا جدا منذ ٣ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ حين قال:” إن الأعمال القتالية واسعة النطاق في سوريا انتهت، ويجب العمل على حل الأزمة السورية عن طريق التسوية السياسية ” مضيفا “نحن وشركاؤنا الإيرانيون والأتراك، بذلنا جهودا كبيرة لتشكيل اللجنة الدستورية ونتطلع الآن إلى بداية هذه العملية”.

سيد الكرملين يعتبر إذا ان سورية دخلت في المرحلة السياسية، ويريد قدر الإمكان انهاء العبء العسكري المُكلف ( خصوصا بعدما تبين له أن معركة ادلب مكلفة عسكريا وسياسيا)، والتوصل الى حل حدّده مرارا بأنه يحفظ سيادة سورية على كل أراضيها دون تقسيم. وهذا يفترض تنازلات من القيادة السورية في مسألتي الحكومة والبرلمان الذي يجب ان يضم معارضة، وحصول انتخابات رئاسية نزيهة مهما كانت نتائجها طالما انها تعقب التسوية السياسية.

· القيادة السورية من جانبها، والتي لم تقتنع ولا مرة فعليا بجدوى التفاوض مع معارضة تعتبر أنها لا تُمثّل شيئا، جاهدت للمماطلة قدر الإمكان في الحلول السياسية، على أمل الحسم العسكري الكامل، وإقناع القيادة الروسية بضرورة هذا الحسم الذي يتضمن بطبيعة الحال ادلب ومناطق شرق الفرات ومركز الثروات الزراعية والنفطية. هذا كاد ينجح مع رغبة الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالانسحاب، لكنه سُرعان ما تعطّل حين دفعته الإدارة الاميركية وعلى الأرجح إسرائيل الى التراجع عن القرار، منعا للسماح لإيران ومحورها بتحقيق الانتصار، وكذلك لمنع روسيا من استغلال انتصارها بالتوسع في المحيط العربي، وتقديم نموذج لنظام يحمي حلفاءه، كما ان الانسحاب كان بنظر الإدارة الاميركية وأيضا الاتحاد الاوروبي (وفق وثائق محاضر داخلية) يعني تشجيع الرئيس الأسد على عدم تقديم أي تنازل في سياق الحل السياسي. ثم ان انقرة نفسها التي نجحت في جذب تركيا (رغم استمرار الحذر) وغازلت الكرد ما عادت راغبة في خسارة هذه الاوراق.

· المعارضة من جانبها، والتي اعتقدت بالحصول على مكاسب كبيرة في السياسة بعد خسارة الجزء الأكبر من الأرض، وجدت نفسها مفككة أكثر من أي وقت مضى. يكفي أن نقرأ مثلا ما كتبه بصراحة وجرأة الرئيس السابق للإتلاف الوطني السوري المعارض د. برهان غليون في مقاله الأخير في العربي الجديد بعنوان:” هل تنجح الأزمة العالمية في انهاء المحنة السورية”، لنفهم أن ثمة انسداد افق لافت عند هذه المعارضة التي فقدت الثقة بالغرب وبعدد من الدول العربية التي كانت تدعمها، وصار قسم منها يغازل موسكو على أساس انها وحدها تستطيع الضغط على النظام لتقديم تنازلات.

قانون قيصر خطير ولكن :

مع وطأة جائحة كورونا، وتدهور سعر الليرة السورية والاقتصاد، تستعد الإدارة الاميركية للبدء في شهر حزيران/ يونيو المقبل بتطبيق قانون سيزر (او قيصر تيمنا بلقب ضابط الصف الذي سرّب صورا قال انها لتعذيب وقتل معتقلين في السجون السورية). هذا القانون لن يشلّ فقط كل الواردات السورية، وانما يطال كل من يساعد الدولة السورية عسكريا او ماليا او تكنولوجيا (يعني يمكن ببساطة ان يطال لبنان مثلا أو الامارات او أي دولة عربية لها علاقات مع دمشق)، وهو يستهدف خصوصا روسيا وإيران وحزب الله المذكورين صراحة فيه الى جانب الدولة السورية.

وإذ يُحمّل هذه القانون الذي صادق عليه الكونغرس بمجلسيه ووقعه الرئيس الأميركي في إطار ميزانية الدفاع الهائلة (أكثر من ٧٣٠ مليار دولار)، الرئيس الأسد مسؤولية الحرب وأيضا مسؤولية جلب الإرهاب الى بلاده، فان تفاصيله لافتة للنظر إذا ما دقّقنا فيها:

· هو يقول: “ان سياسة الولايات المتحدة تقوم على ضرورة استغلال كل الطرق الدبلوماسية والاقتصادية الجبرية لإرغام حكومة بشار الأسد على وقف القتل بالجملة للشعب السوري فورا، والعمل بفعالية لنقل السلطة إلى حكومة ديمقراطية في سوريا تعيش في سلام وأمن مع جاراتها. (أي بشكل أوضح نقل صلاحيات الرئاسة الى حكومة مشتركة وعقد صلح مع إسرائيل) ”

· لكنه يقول ايضا باحتمال رفع العقوبات عن سورية في حال: “قرر الرئيس (الأميركي) أن المباحثات المعترف بها دوليا لحل مشكلة العنف في سوريا انتهت بالتوصل لاتفاق أو من المرجح أن تنتهي بالتوصل لاتفاق، فيحق للرئيس تعليق، كلما كان مناسبا، كليا أو جزئيا، فرض العقوبات المطلوبة بموجب هذا القانون”

المعجزة الممكنة:

أميركا إذا عبر هذا القانون، تترك الباب مفتوحا لحل سياسي، وروسيا تريد الدخول من هذا الباب لوقف العقوبات التي ستطالها أيضا، تماما كما فعلت حين سحبت فتيل الحرب الأميركية على سورية من خلال سحب السلاح الكيماوي السوري. فواشنطن لم تقل انها ترفع العقوبات في حال تم التوصل الى اتفاق وانما لوّحت بالجزرة بعد العصا بقولها :” او من المرجح ان تنتهي بالتوصل الى اتفاق “.

من الطبيعي أذا ان تضغط موسكو حاليا على الجميع بمن فيهم الحليف السوري للعودة سريعا الى المفاوضات، مع الخروج ببعض المؤشرات على تنازلات في المرحلة المقبلة. هذا يحتاجه بوتين للتفاوض مع ترامب قريبا جدا. لكن موسكو لن تضحي بانجازاتها السورية مع حلفائها لأجل واشنطن او اوروبا وهي لذلك سارعت عبر خارجيتها الى شجب العقوبات الاوروبية الجديدة .

احتمال احداث صدمة إيجابية ممكن من قبل الرئيس الأسد وفق مسؤول أوروبي تحدثت اليه الليله ، يكفي ان يقول الاسد مثلا ان سقف التفاوض مفتوح على كل الاحتمالات وان الانتخابات المقبلة يمكن ان تكون بحضور مراقبين دوليين وليفز من يستطيع الفوز، ويكفي أن يشير الى احتمال انتهاءٍ قريب لمهمة حزب الله وايران في سورية (هذا يسمح للدول العربية بالعودة ويخفف الضغط الاميركي ويساعد روسيا) ويكفي أن يوجه إشارات ترحيب بعودة الدول العربية واستعادة العلاقة مثلا مع مصر والسعودية بعد الامارات ، وان يقول انه لا يمانع بالعودة الى التفاوض مع إسرائيل شرط تراجع ترامب عن قراره بشأن الجولان وان تكون المفاوضات مستندة الى وديعة رابين الشهيرة، لكي يُحدث صدمة إيجابية

وحين قلت للمسؤول الاوروبي :” ولكن هل يُعقل بعد كل الذي فعلته إسرائيل بسورية، وفي اوج تمرير صفقة القرن أن يقول الأسد انه مستعد للعودة الى التفاوض ” أجابني / انه بذلك يضع الكرة في ملعب واشنطن وتل أبيب .

الواقع انه كان لافتا في الأسبوع الماضي خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ليس فقط بقوله ان سورية انتصرت وان إسرائيل خائفة، وانما بتأكيده أن:” ان الهدف بإخراج المستشارين الايرانيين وحزب الله من سوريا لن يتحقق”. فهذا الكلام موجه لمن بالضبط، لأميركا وإسرائيل أم لروسيا أيضا أم للسعودية التي وضعها في خطابه بمصاف اميركا واسرائيل؟

لا شك أن سورية تمر حاليا في مرحلة صعبة جدا، وقاسية جدا، وشرسة جدا، وقد تتخللها أحداث أمنية خطيرة نظرا لتشابك مصالح كثيرة. هذه المرحلة تحتاج لكلام واضح من قيادتها ومن كلام أوضح من روسيا، فالناس بحاجة لمعرفة هل ان روسيا مستمرة في رسم معالم نظام جديد عبر سوريا يتحدى الولايات المتحدة المتحدة بالتعاون مع الصين وشركاء آخرين، أم انها تفضل التفاوض مع ترامب، حتى ولو فرضت تنازلات قاسية على دمشق وأضعفت موقع الأسد قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة…. وهذه المرحلة ستُحدد أيضا، هل ان الرئيس الأسد قادر على رفض الضغوط الروسية اذا شعر بأنها تمس بعصب وجوهر النظام الحالي، أم لا ….

الجوب يبدأ قريبا من خلال اللجنة الدستورية وما يسبقها ويتخللها من كلام…. لكن الأكيد ان الشعب السوري بحاجة الى من يعطيه بعض الأمل .وهذا يتطلب كلاما من الاسد أو بوتين اذا كان كل ما يقال عن ضغوط غير صحيح.

ولا شك ان سورية تستحق أن تعيش وتفرح وان تشعر ان الحرب صارت خلفها لا أمامها بأشكال أخرى.

#سفيربرس ـ بقلم : الإعلامي سامي كليب ـ خمس نجوم

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *