التطبيع. بين شرعية الأنظمة ومشروعية الشعوب ـ بقلم : د. محمد فياض
#سفيربرس ـ مصر
إن ضعف العلاقة بين أنظمة الحكم السياسية في بلداننا العربية تخلق حزمة من الأزمات التي تعترض مسيرة النظام السياسي تلبية ديناميكية لأزمة الشرعية والتي ترجع أسبابها إلى ضعف العلاقة بين نظم الحكم المركزية وبين المجتمع.
وبالتالي يترتب على هذه العلاقة ترتيبات الطغيان والإستبداد بالسلطة. يليها مايلزمها من الإنتقال إلى ممارسة القهر وربما العنف.. والعنف بمفهومه الإصطلاحي الواسع.. القهر الإجتماعي والإقتصادي كنتائج للقهر السياسي. بغية الحفاظ على ديمومة البقاء في الحكم.
بيد أن المصادر التي تستمد منها السلطة شرعيتها في الحكم والبقاء فيه لدى كل الأنظمة السياسية العربية. هي ثمة مصادر تقليدية لاتعكس في حقيقتها وبذاتها حقيقة أو ذات الدولة الديموقراطية والتي تستند إلى الأسس الدستورية والقانونية.
إلا أن الأنظمة السياسية العربية تنأى في الممارسة. بسلطاتها وفور مراسم التنصيب الرسمية عن المدلولات العميقة والراسخة لماهية الدستور والقانون.
وهنا تنتج الأزمة السياسية التي تعيشها أنظمة الحكم في بلادنا لفرط سوء العلاقة بين الحكم وبين الشعب وماتراكمه هذه السوءات لدى المجتمع مانسميه بأزمة الشرعية. تلك التي اكتسبها نظام الحكم عبر آلية شكل من الأشكال الديموقراطية بما لهذا الشكل أو ذاك.. وماعليه..ثم أحدث النظام السياسي الحاكم بفعله المتعمد تجويفا حفريا في سكة العلاقة بينه وبين مجتمعه لاغيا بالعمد الإحترام الواجب للدستور والقانون. ليتعارف الشعب بالتواتر على دستور مغاير وقوانين مغايرة لدى نظام الحكم.
بما يجسد الإرتباك والعشوائية والهوى في اتخاذ القرار.. ولأن الشعوب صاحبة البيت فهي أكثر وعيا من حكامها.. تحافظ على بيتها وتقبل طغيان وفساد الأنظمة السياسية لا خوفاً من بطشها. ولا لندرة وعيها. بل حفاظاً علي بيتها.. الوطن. واحتمالها له حدود تختلف من شعب لآخر. ويختلف استيعاب رسائلها إلى الحاكم أيضآ من نظام سياسي إلى نظام سياسي مغاير.
الأمر الذي يطرح لا على الملأ وحسب بل وعلى الأرصفة أزمة الشرعية.
ولأزمة الشرعية السياسية التي تتآكل بغباء ممارسة الأنظمة إشكالياتها التي تختلف من دولة لأخرى.
وعندما نرغب في إسقاط أزمة الشرعية بماهيتها هذه على واقع النظم السياسية العربية بهدف البحث لها عن مخرج يتماشى مع خصوصية المنطقة. يتبدى لنا كل يوم معوقات بحثية جديدة تنتجها الأنظمة السياسية هذه بطشا بالثابت النسبي الذي توافر عند بدء البحث عن وسيلة الخروج من مأزق تأكل الشرعية وزوالها في الواقع.
وكلما كانت أطر البحث غير ثابتة ومتحركة بعنفوان الهوى وليس بالطبيعة أو حتى بالأحداث التي أحيانا تفرض على الشعوب قبول نظام سياسي مستبد تآكلت بفعل ممارساته كل جدران الشرعية وبات عاريا من أسباب وجوده. إلا أن مستجدا حادثا أو في طريقه للحدوث يغير من أجندات المجتمع وتدفعه للإلتفاف حول نظام الحكم وحمايته وإلباسه شرعية جديدة تؤجل الخروج عليه. كلما كان ذلك ممكنا . وكذلك كلما كان البحث عن مخرج من أزمة الشرعية مواجها لعثرات أكبر من معطيات البحث.
وكثير من الكتاب. بل ومن المثقفين. ورجال الفقه القانوني أنفسهم يخلطون بين الشرعية والمشروعية. و يعتبرونها لمعنى واحد. ولنا رأي مخالف.
إذ نرى أن الشرعية السياسية التي بصدد البحث فيها الآن حيازة السلطة أو الوصول إلى الحكم وفق إطار قانوني.. دون أي علاقة بالقاعدة القانونية المكتوبة.
وهنا تولد الأنظمة السياسية للحكم.
بالانتخاب او الاستفتاء او بالميراث الملكي.
وللمشروعية معنى مغاير فهي العلاقة القانونية التي تختص بالقانون والقرار وحتى التعليمات. بما يعني أنها جاءت أو ولدت طبقا لمبدأ المشروعية. ونعني عدم مخالفة القاعدة الدستورية والقانونية لا شكلا.. ولا موضوعا.
وتجب أن تكون العلاقة في أداء الأنظمة السياسية حال ممارسة السلطة علاقة تكامل. فللسطة حق حيازة الشرعية طالما ولدت وفقاً لأطر شرعية وآليات مبعثها الدستور والقانون. وبعد ولادتها ودخولها حيز حيازتها للشرعية يتوجب عليها ألا تصدر القرارات إلا بمشروعية.
ولما كانت الشرعية تولد بإجراء. الاستفتاء أو الإنتخاب أو الميراث الملكي. وكانت المشروعية أن تمارس السلطة شرعية اصدار القرارات بمشروعية الهيكل النظري من الناحية القانونية ومفهوم تطبيق السلطة السياسية الشرعية للقانون المشروع. الأمر الذي يجعل خلاف ذلك كأن تمارس السلطة السياسية الشرعية إتخاذ القرار المعيب بعدم المشروعية.
وطالما لم تتعرف البشرية على مصادر للمشروعية حتى اليوم في العالم الحديث سوى مشروعية مصدر كل شرعية.. وهو الشعب.
فإن ماذهبت إليه الأنظمة السياسية العربية أخيرا من التطبيع الرسمي مع العدو الإسرائيلي.. فإنه ببساطة قرار تصدره سلطة شرعية معيب بعدم المشروعية.
والقاعدة التي خالفتها تلك الأنظمة الذاهبة لتدشين علانية الإحتفالات بالعمالة للكيان الصهيوني تفرض على الذاهبين للتطبيع حتمية الرجوع إلى الشعوب. ولا اقول هنا إلى شعوبها.. لا أعني الشعب في الإمارات او البحرين أو السودان أو المغرب.. بل المشروعية تنعقد للشعوب العربية بالإجماع.. ولإضفاء المشروعية على تلك العلاقات الشاذة المعلن عنها. بمعدل عاصمة كل شهر من سبتمبر إلى ديسمبر الجاري يجب الحصول على موافقة جماعية عربية.
ولتراجع هذه الأنظمة قرارها الذي أصدرته بالإجماع في مؤتمر القمة العربية المعقد في بيروت عام 2002 والمسمى بالمبادرة العربية.
_إعلان دولة فلسطين على حدود 4 يونية 67.. ولم تعلن.
_عودة اللاجئين.. و لم يحدث.
_الإنسحاب من هضبة الجولان. ولم تنسحب إسرائيل.
وقررت الأنظمة لقاء ذلك وبالإجماع أيضآ علاقات تطبيع بين الدول العربية وإسرائيل.
وذهبت الأنظمة للتطبيع والقدس تم ضمها بقرار أمريكي.
و الجولان ضمت للعدو بقرار أمريكي.وتم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
وبنظرة متأنية دقيقة التحليل للربط بين حضور الحزب الجمهوري إلى الحكم بقيادة ترامب لتحقيق ستة مباديء كلها تتعلق بتجريف النقد من الدول العربية النفطية بالقوة.وخلق النزاعات بين الدول فضلا عن ضم القدس للإدارة الصهيونية في إسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها لاعتبارها عاصمة الكيان الغاصب. وضم الجولان. فقد كان البند السادس والأخير هو الضغط على دول الخليج لإقامة التطبيع بينها وبين تل أبيب. لتنتهي شرعية الحزب الجمهوري لننتقل إلى شرعية الديموقراطي بمبادئه الإرهابية.
وقد لاحظنا الهرولة الخليجية إلى علاقات التطبيع بالمخالفة لبنود واشتراطات التطبيع التي جاءتها المبادرة العربية للسلام. والتي جاءت وولدت بالإجماع عند التصويت عليها في النظام العربي الإقليمي.. وللتذكرة فقد كانت تلك المبادرة إبداعا خليجيا.
ونعتقد أن المشيئة الصهيوأمريكية التي دفعت دويلات الخليج للتطبيع مع كيان العدو.. من ذهب ومن يستعد للذهاب.. مغتسلون جميعآ من أدران النضال من أجل القضية الفلسطينية واستعادة الأراضي المحتلة.قد رسخت وأكدت حقيقة مرة وكشفت الغطاء عنها. مفادها أن هؤلاء الخلايجة كانوا طوال الوقت شوكة في ظهر كل مشاريع الوحدة العربية. وأن الإنتماء وقبلتهم إلى هناك.
وقد صدر قرار مؤتمر القمة العربية في بيروت بالإجماع.. وذهبت اليوم الأنظمة لعقد اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل بالمجان ودون الحصول على أدنى شيء من شروط المبادرة.
لتنقل هذه الأنظمة الصراع من شرعية تبادل الأرض بالتطبيع إلى شرعية تبادل التطبيع بالتطبيع وبموازين مختلة إذا قيست بقاعدة النفعية.. ونجد أنفسنا هنا أمام كارثة جديدة تؤسس لكوارث قادمة. فالأنظمة الرسمية الشرعية للدول التي ذهبت للتطبيع وتجاوزت الجغرافيا المقررة في أجندة الحزب الجمهوري بقيادة ترامب فأدخلت السودان والمغرب داخل الشباك. لكن هل هذه القرارات تستند إلى مشروعية؟؟
الإجابة بالقطع لا..
فالمشروعية لاتتحقق مالم تستند إلى قرار عربي شعبي ذلك اذا كنا مازلنا نؤمن أن الشعب مصدر السلطات.. وأكرر التأكيد أن المشروعية في هذا الحدث الكارثي بكل تداعياته تنعقد لكل الشعب العربي. الذي يدفع في النهاية كل التكاليف.
إن عوار عدم المشروعية الذي ينزع عن قرارات الأنظمة السياسية الشرعية. شرعية وجودها لانحرافها بالسلطة إنما يؤسس لطريق من اثنين.
الأول أن تتحصن الشعوب وتتمترس خلف قضية وجودها التي تتصادم مع قضية وجود العدو وبالتالي تخوض هذه الشعوب معاركها المستباحة لاسترداد شرعية أعطتها للأنظمة السياسية وفقاً لعقد إجتماعي بهدف إدارة المصلحة الجمعية للأوطان ومارست تلك الأنظمة سلطاتها هنا باتخاذها القرار العاري من المشروعية.
والثاني. أن تتجهز الشعوب العربية للحرب بسيوف حكامها حروبا بينية عربية عربية على كافة الأصعدة اقتصادية وسياسة وأمنية. و إرهابية تتمدد فيها التمويلات والتدريبات والعون اللوجستي للإسلامويين لجهة هدم الدولة القطرية وإزاحتها من المنطقة وفق مشروع الفوضى الخلاقة الذي يعود الديموقراطي جو بايدن من أجله.
الأمر الذي يهدد في مقتل شرعية الأنظمة ومشروعية الشعوب.
#سفيربرس ـ بقلم: د. محمد فياض _ مصر



