كتبت سلوى زاهر.. عودة شريهان علامة فارقة في تدني مستوى الذكاء الجمعي للعقل العربي

#سفيربرس _ امستردام

بينما تتسابق الرأسمالية الذكية العالمية عبر مراكزها البحثية المنتشرة في الدول الصناعية الكبرى مثل الصين، أمريكا، اليابان، روسيا، الهند، كوريا وإيران إضافة لبعض دول الاتحاد الأوروبي باستثمار جائحة كورونا لصناعة لقاح فعال من شأنه أن يساهم بتقليل نسبة العدوى وبالتالي يقلل من نسبة ارتفاع عدد حالات الوفيات. تكرس الرأسمالية العربية الأقل ذكاء والتابعة للرأسمالية الذكية العالمية الكثير من رأسمالها في إنتاج دعايات ومسلسلات درامية مستغلة شهر رمضان من كل عام لبثها على الشاشات العربية، حيث تتنافس الشركات تلك فيما بينها في رفع مستوى التسطيح الذهني للمشاهد، وتمده بجرعة مقوية لضمان استمرار حالة التدهور الثقافي والفكري ضمن خطة سنوية رمضانية من شأنها ترسيخ وتجذير حالة الغباء الجمعي المزمن لدى العقل العربي.

عودة شريهان نذير شؤم على مصر

رغم الحظر العالمي وتوقف عجلة الحياة الطبيعية في معظم بلاد العالم عن الدوران. وبعيداً عن كم المسلسلات والبرامج التلفزيونية العربية التي صورت في ظل الجائحة خصيصاً لرمضان ٢٠٢١ فقد أتحفتنا شركة فودافون عن اختيارها للفنانة شريهان كنجمة لإعلانها الرمضاني. الغريب في ذلك الإعلان هو التهليل لعودة شريهان للشاشة، وكأنها عودة المنتصر من حرب ما، أو تحقيقاً لفتح علمي سابق لعصره، والمدهش حقيقة أن الكثير ممن يسمون أنفسهم إعلاميين تسابقوا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتمجيد ماضي شريهان وحياتها الشخصية علماً أنها لم تنحدر من عائلة القديسيين ولا الأنبياء. ولم يكن لها طيلة تاريخها الفني الطويل اية مساهمة مجتمعية، فحياة شريهان الشخصية مثيرة للجدل، فقد عاشت لمدة إحدى عشرة سنة باسم عائلة خورشيد، وحسب لقاءات شريهان المتلفزة لم تتعرف على شخصية والدها الحقيقية الدكتورعبد الفتاح الشلقاني ألا لحظة احتضاره، ومن ثم رفعت دعوى إثبات نسب لتحصيل حقوقها في الميراث. ومن الواضح أن الدافع الحقيقي والصريح من وراء دعوى اثبات نسبها حينها دافع مادي بحت ولا علاقة له بما يسمى العواطف الإنسانية ولا بالحب الأبوي، ولم تحصل على حقوق نسبها حينها إلا بعد الكثير من التدخلات والوساطات الحكومية.

تغييب العقل

تعتبر شركة فودافون البريطانية المتعددة الجنسيات المتخصصة في تقديم خدمات الهواتف المحمولة، والتي يقع مقرها الرئيسي في نيوبيركشاير في المملكة المتحدة ناجحة، حيث تقدم خدماتها في ١٥٠ دولة حول العالم وتتواجد بقوة في كل من قطر ومصر وتركيا وتجني أرباحاً خيالية. وتعد مثالاً صارخاً عن تفكير الرأسمالية الذكية العابرة للقارات. على الرغم كل ذلك النجاح الساحق الذي تحققه، فهي كباقي الشركات الرأسمالية الذكية تنتمي لذات الذهنية التي لا تتوانى في اقتناص أية فرصة من شأنها رفع مستوى وجودها مما يمهد لها الهيمنة على سوق الاتصالات في الشرق الأوسط. بل وتسعى للسيطرة على ذهنية المتلقي وتحاول التأثير على تغيير نمط تفكيره بينما ينسجم مع متطلبات مصالحها. فالرأسمالية القديمة -الجديدة تسعى دائماً بكل قوتها من خلال المحللين النفسيين للسيطرة على لعبة السوق بكافة الوسائل الأخلاقية واللا أخلاقية، من مبداً الغاية تبرر الوسيلة.
شركة فودافون لم تختر قصة شريهان الشخصية لتوظفها في إعلانها الرمضاني والذي يتمحور برمته حول قصتها الواقعية وعلاقتها الغرامية بعلاء مبارك لتعاطفها مع معاناة الفنانة فحسب بل لتسخرها في خدمة هدف الشركة الأساسي وجنى قوة التأثير الذي تتوخى الشركة تحقيقه. فالشركة سخرت القصة الواقعية وحولتها لسلعة لصالحها في السوق. فمن الطبيعي أن تتقاضى شريهان مبلغاً ضخماً لبوحها بقصتها ولتمثيلها إياها ونقلها لذهن المتلقي بطريقة استعراضية، فالإعلان برمته ليس اعلاناً اعتباطياً، والشركة المنتجة لم تختر شريهان لتقدم لها مبلغاً خيالياً، من أجل سواد عيونها، وطول شعرها، ولا من أجل فوازيرها القديمة التي عفا عليها الزمن. ولكن لتدغدغ عاطفة المشاهد للمساهمة في تغييب التفكير المنطقي لديه بالواقع اللحظي، فالحركات والرقصات كانت كفيلة بتشويش عمل العقل ولم يقصد به تقديم الجانب الإيجابي لحياة شريهان بقدر ما كان توسيع الدائرة المظلمة في ذهن المتلقي، معتبرة أن حياة المصري رقصة آو نكتة لا يجب التوقف عندها، وتعتبر أن جروح الماضي أمر لا يجب التوقف عنده أو إعادة النظر فيه، كل شيء سيكون أجمل مع الرقص والفرفشة.
صورة البطل الحقيقي في الإعلان كانت موجودة بقوة في ذهن المتفرج. لذلك أكتسب الإعلان بعداً آخر وقوة تأثير أبعد من كونه مجرد إعلان لشركة.
الكل خاسر
أربعة دقائق مدة بث الإعلان، كانت كفيلة بتحريك الماضي وفتح باب النقاشات متناسيين الكثير من الإنجازات التي حققها مبارك خلال فترة حكمه، وقدمت لإعلاميي اليوتيوب فرصة لمزيد من الثرثرة الرقمية والتي لا تفضي إلا لمزيد من الأرباح للشركات العابرة للقارات. وتفضي في نهاية المطاف في إلهاء الشعب المصري عن الحاضر وتشويش رؤيته للمستقبل.
في هذه اللعبة الرأسمالية الذكية الكل رابح ما عدا العقل المصري بشكل خاص والعقل العربي بشكل عام، وهنا ستحقق فودافون مرابح عالية و توسع نطاق خدماتها على بقعة بمساحة مليون كم٢ وعدد سكان مئة مليون نسمة. ستأخذ شريهان 2 مليون وتتجه بها إلى الأسواق الأوروبية لشراء ما غلا من العطور والمجوهرات التقليدية، وستعود مفلسة مجدداً وتقبل بإتمام سيرتها الذاتية، وربما تعود بفيلم سينمائي عن قصة زواجها من الأمير علال الفاسي، وتساهم باستمرار جرعات أخرى من مضادات الذكاء لتكفل لتلك الشركات العابرة للقارات بقاء حالة السكون والجمود التي تسيطر على العقل العربي وتضمن له السيطرة والتفوق لقرون. سينتهي شهر رمضان المبارك ويبقى تأثير الإعلان على عقل المشاهد الذي سيعيده دائماً لدائرة للماضي الذي انتهى، كما انتهى عصر الفراعنة.

#سفيربرس _ بقلم : سلوى زاهر _  امستردام

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *