قراءة في كتاب الدلالة التفسيرية عند السيرافي في كتابه (شرح كتاب سيبويه) للمؤلف : أ.د.إبراهيم رحمن حميد الأركي

#سفيربرس _ ماجدة البدر

قرائنا الإعزاء فيما يلي نعرض اليكم قراءة في كتاب [الدلالة التفسيرية عند السيرافي (ت368هـ) في كتابه (شرح كتاب سيبويه)
تأليف أ.د.إبراهيم رحمن حميد الأركي – أستاذ اللغة والنحو في كلية التربية للعلوم الإنسانية – جامعة ديالى..

عرف العرب الأوائل بفصاحتهم وبلاغتهم، وجزالة ألفاظهم، وقوة لغتهم، حتى إنَّهم كانوا يقرؤون القرآن من غير تشكيل ولا تنقيط، كما أنزل ومن دون لحن. وبقيت باديتهم محافظة على أصالتها إلى المراحل المتقدمة من العصور الإسلامية (الأموي، والعباسي)، ولكن اتساع البلاد الإسلامية واختلاط العرب بالعجم أدى إلى ضعف اللغة العربية، فكثرث الأخطاء في قراءة القرآن، وصارت الحاجة ملحة لضبط الآيات القرآنية بقواعد تكون عوناً للمسلمين لقراءة القرآن وتلاوته بعيداً عن اللحن لفهم كتاب الله فهماً سليماً. ومن هنا جاءت الأهمية في دراسة علم النحو وتعلمه وتعليمه. يعدُّ أبو الأسود الدؤلي أول من وضع قواعد النحو وذلك في خلافة علي بن أبي طالب (رض)، وأشهر من اختص بعلم النحو (العالم اللغوي سيبويه)، حيث وضع كتابه المسمى :(الكتاب). ثم تم وضع قواعد النحو من خلال متابعة طريقة العرب فيما اجتمعوا عليه، واستخلاص القاعدة وتدوينها. واعتمدوا آيات القرآن الكريم لاستخراج واستنباط هذه القواعد أولاً، ثمَّ الشعر العربي، وقد قام علماء النحو بالاستدلال على صحة أي قاعدة نحوية استنبطوها عن طريق ذكر ورودها في أي قراءة متواترة من قراءات القرآن، أي أن القرآن عند النحاة ًهو الحاكم على صحة القاعدة النحوية، والقاعدة النحوية عندما تجد شاهداً على صحتها في أي من قراءات القرآن المتواترة يتم الحكم بصحتها.
التعريف (بالكتاب) للغوي البصري سيبويه
ألفه سيبويه العالم اللغوي البصري في القرن الثاني للهجرة، الموافق للثامن من الميلاد، وسمي بـ(الكتاب) لأن مؤلفه تركه دون عنوان. على حين كانت العرب تضع لكل كتاب اسماً، احتضر شاباً، لم يتمكن من معاودة النظر فيه واستتمامه، وقد سماه الناس قديماً (قرآن النحو)، يعدُّ أول كتاب منهجي ينسق قواعد اللغة العربية ويدونها … وصفه الجاحظ بقوله:«لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله».
إذاً (الكتاب) هو مصدر جامع من مصادر العربية فيه شرح تام للحقائق اللغوية، وهو مبني على لغة العرب الفصيحة.
السيرافي لغوي ذاع صيته، واشتهر في الآفاق، قرأ (كتاب سيبويه) وأدرك كنه مادته اللغوية والنحوية، وسبر أغوارها، فتناوله بالشرح والتحليل والتعليل، والتعليق وتوجيه النصوص توجيهاً محكماً من خلال ملكة لغوية مكنته من فك المغلق لتيسر على طالب العلم فهمه، ولا يختلف اثنان في أن من نال شرف شرح الكتاب فقد ركب البحر فهو الجامع لأصول اللغة صوتها وصرفها، ونحوها، ودلالتها..
من هو السيرافي..؟؟؟
هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد النحوي القاضي، ولقب السيرافي، نسبة إلى بلد المنشأ وهي (سيراف) بلدٌ يقع على ساحل البحر من أرض فارس، به الآن آثار عمار قديمة، وجامع حسن، إلا أنَّ الغالب عليه الخراب.. وقيل إن أباه كان مجوسياً، اسمه (بهزيار)، وقد أبدل ابنه أبو سعيد اسمه إلى عبد الله.. سكن بغداد، تتلمذ على يد عدد من شيوخ العربية في العلوم المتنوعة (اللغة، النحو، القرآن وعلومه، الفقه والفرائض، الكلام، الشعر، العروض، القواعد، القوافي، الحساب وغيرها)، وكان من أهم الشيوخ الذين تتلمذ على يديهم: (أبو اسحق الزجاج، أبو بكر بن السراج، أبو عبيد بن حربويه، أبو بكر بن دريد، أبو بكر بن مجاهد، عبد الله النيسابوري، محمد بن منصور بن أبي الأزهر، أبو بكر بن المبرمان، أبو علي الكوكبي، القاضي أبو محمد بن معروف، محمد بن عمر الصميري)..
ولكل عالم بعد أن يتقن اللغة ويتفوق فيها حلقات علم ، يرتادها التلاميذ فيأخذون من علمه وينهلون من معارفه، وأهم من تتلمذ على يديه(أبو إسحاق الرفاعي الواسطي، أبو طالب العبدي النحوي، أبو النصر السمرقندي المعروف بالحدادي، الخالع الرافقي، ابن صالح الربعي النحوي اللغوي البغدادي صاحب التصانيف، محمد بن أحمد بن عمر أبو الغنائم، النحوي، اللغوي، محمد بن علي السمسماني وغيرهم كثير.
عرف السيرافي بمكانته العلمية السامقة التي شهد لها العلماء قديماً وحديثاً، قال عنه الخطيب: (كان من أعلم الناس بنحو البصريين وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق).
عرف بورعه وزهده وتقواه، يأكل من كسب يده، حتى أنَّه لا يحضر مجلساً إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم تكون قدر مؤونته ثم يخرج إلى مجلسه)).. وكان نزيهاً عفيفاً جميل الأمر حسن الخلق. عرف بدقة أحكامه، وسعة معلوماته، حتى أنَّه أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة، فما وجد له خطأ ولا عثر منه على زلة وقضى ببغداد..
قام بشرح كتاب سيبويه فما جاراه فيه أحد، ولا سبقه إلى تمامه إنسان، عرف بالثقة والورع والرزانة، يصوم الدهر، ولا يفارق الجماعة، قضى حياته طالباً للعلم ومشاهدة العلماء والالتقاء بهم والانتفاع منهم.. وصفه الصاحب كمال الدين ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة، في كتابه بغية الطلب: ((أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب وأدخل في كل باب، وأخرج من كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق، وأروى للحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، وأحض بركة على المختلفة، وأظهر أثراً في المقتبسة))
وكانت له مناظرة مشهورة مع (متى بن يونس القنائي الفيلسوف) أوردها صاحب كتاب معجم الأدباء لتدل دلالة كبيرة على علم هذا الرجل، وسعة اطلاعه، وإدراكه لحقائق العلوم التي تفقه فيها وتبحر..
وأهم ما ورد فيها : [كلامه على معاني النحو لأنها الأداة التي مكنته من الإبحار في علوم القرآن ومنها التفسير]:إذ يقول: ((معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخّي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك، وإن زاغ شيء عن هذا النعت فإنَّه لا يخلو من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم. فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلّم لهم ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أنَّ المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون بترجمة أخرى هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى))..
صنف السيرافي العديد من المؤلفات بعضها وصلنا وعدد كبير منها فقد، وأهم ما وصلنا منها: (شرح كتاب سيبويه، الفات القطع والوصل، الإقناع في النحو لم يكمله، وأكمله ولده يوسف، أخبار النحويين البصريين، الوقف والابتداء، صنعة الشعر البلاغة، شرح مقصورة ابن دريد، المدخل إلى كتاب سيبويه، شواهد كتاب سيبويه، شرح الدريدية، جزيرة العرب).
توفي هذا العالم الجليل عن عمر يناهزُ (84 سنة) في خلافة الطائع لله تعالى بن المطيع لله تعالى، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد.
ومن كتابه (شرح كتاب سيبويه) نقتبس: قال تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صُمٌّ بُكٌ عُمىٌ فهم لا يعقلون) (البقرة /171)
قال السيرافي في تفسيره للآية: (إنَّ الله تعالى جعل المؤمنين كالراعي والكفار كالمنعوق به، والتمثيل في ذلك كله أنَّ الكفار لم يعتقدوا ما خوطبوا به، ولم يحصلوا به أكثر من سماعه، وبذلك على صحة هذا أنَّ الكفار لم يشبّهوا بما ينعق، لأن الذي ينعق هو الراعي، وهم لم يشبهوا به، وإنما شبهوا بالمنعوق به)، وهو قول أجمع عليه أكثر المفسرين، لأنَّ الله تعالى أراد أن يشبه الكفار في قلة فهمهم وعدم إدراكهم لما يتلى عليهم من عند الله وما يدعى إليه ويوعظ به، (مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها). ونقل عن عكرمة، أن المعنى، (مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا يفقه ما تقول). وعن مجاهد أيضاً: (هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع ما يقال له ولا يعقل كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل)..
وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة/214)..
قال السيرافي إنَّ (لما) في الآية الكريمة، (دلت على طول وقت الإتيان ومنه قول الشاعر:
فإن كنتُ مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمرق)
ومعنى الآية وتفسيرها على ما بينه السيرافي من أن (لما) تدل على طول الوقت، (ولما يقع العلم والجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم الله ذلك واقعاً منهم لأنه جلَّ وعزَّ يعلمه غيباً، وإنما يجازيهم على عملهم). وإنه لا يمكن أن يتحقق دخول الجنة، وأن يكون واقعاً إذا ما لم يمتحنوا بمثل ما امتحن به الذين من قبلهم فيصبروا كما صبروا.. فـ (لما) كما فسرها السيرافي هي طول الوقت بمعنى اتصال النفي بها إلى زمن التكلم: (ومن هذه الدلالة، استفيدت دلالة أخرى وهي إنها تؤذن بأن المنفي بها مترقب الثبوت فيما يستقبل لأنها قائمة مقام قولك استمر النفي إلى الآن).
**
بذل المؤلف أ.د.إبراهيم الأركي في كتابه (الدلالة التفسيرية عند السيرافي – ت 368 هـ في كتابه شرح كتاب سيبويه) جهداً كبيراً لدراسة هذا الكتاب، وتلخيص أهم أفكاره، مورداً آراء النحويين الآخرين، وموثقاً أقوالهم، قد ذكر ذلك في مقدمته: إذ يقول: (ابتغيت أن أتناول الشرح بدراسة تعنى بالدلالة التفسيرية لإبراز جهد السيرافي فيها عارضاً أقواله مع كتب التفسير والمعاني فجاء الكتاب مقسماً بحسب ورود الآيات في الشرح فليس لي إلى غير ذلك سبيل، سوى أنني رتبتها بحسب ورودها في المصحف الشريف ليسهل الرجوع إليها فضلاً عن ذلك استهللت الكتاب بالكلام على سيرة السيرافي ومكانته العلمية وغير ذلك، مما يتعلق بشخصيته.. ولم أكن في دراستي هذه محققاً، أو جامعاً، وإنما كنتُ موازياً ومحللاً ومبدياً رأياً ما أمكنني ذلك، فإن أصبت فذاك فضل من الله يؤتيه من يشاء وإن كانت الأخرى فمن نفسي، ومن الله التوفيق والسداد).
الكتاب موسوعة شاملة وجامعة، واتباعاً للمنهج العلمي والمصداقية الأدبية، مزود بحواش تورد المقولة أو الفكرة المراد عرضها ومكان وجودها في المرجع، كما أنه ألحق بالكتاب فهرساً للآيات القرآنية التي استشهد بها، ويليها قائمة بأسماء المصادر والمراجع مرتبة ترتيباً أبجدياً، لذلك يعدُّ هذا الكتاب حصيلة جهد وتعب وثمرة عمل مرهق يُشكر عليه..
يقع الكتاب في 118 صفحة من القطع الكبير. وهو من إصدارات دار أمل الجديدة للطباعة والنشر..

#سفيربرس _ ماجدة البدر

 

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *