“هرمون السعادة متهم في قضية الاكتئاب ومحامو دفاعه باحثون”. بقلم : د. جمانة خزام
#سفيربرس

جدلٌ واسعٌ في عالم الطب النفسي أثارته مراجعةٌ منهجيةٌ شاملةٌ نشرتها مجلة (الطب النفسي الجزيئي) Molecular Psychiatry في شهر تموز من عام 2022 تحت عنوان “نظرية السيروتونين في الاكتئاب: مراجعة شاملة منهجية للأدلة”
Serotonin Theory Depression: A Systematic Umbrella Review of the Evidence
كانت الأسئلة التي طرحتها هذه الدراسة تتمحور حول الأسباب التي تساند النظرية القائلة بأن الاكتئاب يعزى إلى اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ، تلك النظرية التي أصبحت سائدة لدى مجتمع الطب النفسي ولدى عامة الناس، على الرغم من افتقارها إلى الأدلة الكافية.
وعن تلك الدراسة تحدثت الطبيبة النفسية البريطانية “جوانا مونكريف” Joanna Moncrieff، أستاذة الطب النفسي في كلية لندن الجامعية وأحد الباحثين الأساسيين الذين قاموا بهذه الدراسة، لصحيفة (إندبندنت) قائلةً: “ببساطة وجدت الدراسة أنه لا تتوافر أدلة كافية تدعم الاعتقاد السائد لدى عموم الناس وبعض المؤسسات الطبية بأن اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ يسبب الاكتئاب .. خصوصاً نظرية السيروتونين التي ترى أن نقص السيروتونين يقف وراء الاكتئاب، وانطلاقاً من تلك النظرية فإن معظم مضادات الاكتئاب مصممة لزيادة مستوياته، وقد لاحظت الدراسة أن تلك النظرية قد شكلت الأساس لجهد بحثي كبير شهدته العقود القليلة الماضية”.
من الجدير بالذكر أن نظرية السيروتونين التي تحدثت عنها “مونكريف” أفرزت – عندما أبصرت النور- نهجاً جديداً في علاج الاكتئاب، باستخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) التي تمنع الخلايا العصبية من امتصاص السيروتونين (هرمون السعادة)، ذلك الناقل العصبي الذي ينقل الإشارات بين الخلايا العصبية في الدماغ، مما يتيح بقاء كمية أكبر منه للقيام بنقل الرسائل العصبية.
كانت دراسة “مونكريف” وزملائها دراسة سببية لم تتطرق لطرق العلاج لكن نتائجها أثارت جدلاً وخلافاً في أوساط الأطباء النفسيين والباحثين في الطب النفسي ليس فقط على صعيد الأسباب والعوامل إنما أيضاً على صعيد العلاج باستخدام مضادات الاكتئاب SSRIs.
ساعدت مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية مرضى الاكتئاب في خفض حدة الأعراض التي يعانون منها وتحسين أمزجتهم خلال عقود من استخدامها، وفي حديث للطبيب النفسي “جميل ركاب” مع سفير برس حول فاعلية أدوية SSRIs في علاج مرضى الاكتئاب قال: “بالتأكيد هناك فوائد كبيرة للحاصرات الانتقائية لعودة التقاط السيروتونين على الأعراض المختلفة للاكتئاب، يبدأ هذا التأثير غالباً في الأسبوع الثاني للعلاج، لكن بعض الأدوية منها قد تستغرق من 4 إلى 6 أسابيع ليبدأ تأثيرها الذي يشمل تحسين المزاج والاستمتاع والاهتمام والنشاط والتركيز والنظرة السلبية للحياة واضطرابات النوم والطعام والأفكار الانتحارية .. وعادةً يحافظ هذا النوع من الأدوية على الفائدة العلاجية لفترة طويلة”. ولدى سؤالنا له عما إذا صادف خلال حياته المهنية مريض اكتئاب كان يعالج باستخدام SSRIs ومع ذلك تفاقمت حدة الأعراض لديه وربما أقدم على الانتحار، أجاب الدكتور ركاب: ” قد يحدث تفاقم في الأعراض بعد وصف الدواء بسبب طبيعة الاضطراب المترقية بعد بدء الانتكاسة، والوقت الذي يحتاجه الدواء لبدء التأثير، والجرعة المناسبة، والالتزام بالعلاج بشكل منتظم” وأضاف “إن هذه الأدوية عادةً تحسن الطاقة والأعراض الفيزيولوجية للاكتئاب قبل أن تحسن الأعراض المزاجية والأفكار الانتحارية، وبالتالي هناك عامل خطورة في إقدام المريض على الانتحار خلال الأسبوعين الأولين من العلاج، ولكن بعد مضي هذه الفترة يبدأ المزاج بالتحسن والأفكار الانتحارية بالتراجع، لذلك يفضل إبقاء المريض الذي لديه خطط انتحارية تحت المراقبة والدعم الأسريين في الأسابيع الأولى من العلاج”.
توافق “مونكريف” على أن مضادات الاكتئاب قد تكون مفيدة في تهدئة الحالات العاطفية الشديدة التي يعانيها هؤلاء المرضى الذين يتناولونها، ولكنها ترى أن تأثيرها لا يتعدى تأثير البلاسيبو أو الدواء الوهمي الذي لا يحمل أي فائدة علاجية، فالأشخاص الذين يعتقدون أنهم يتناولون دواء له مفعول طبي قد تتحسن صحتهم. بعض الأطباء النفسيين لا يتفقون مع “مونكريف” في أن أدوية SSRIs لها تأثير البلاسيبو، ومنهم الطبيب النفسي (رفيف المهنا) الذي قال حول هذا الادعاء: “حتى لو أحدث استخدام البلاسيبو في علاج الاكتئاب تحسناً في حالة المريض، فإن تأثيره يكون طفيفاً، ولا يوازي التحسن الذي تحدثه مضادات الاكتئاب SSRIs”.
اشتهرت “مونكريف” بمناهضتها للعلاج الدوائي، وترى أن شركات الأدوية هي من روج لهذا النوع من العلاجات لتكسب مزيداً من الأرباح، ففي حديثها مع صحيفة (إندبندنت) قالت: “شهدت تسعينيات القرن العشرين ومطالع القرن الواحد والعشرين جهداً تسويقياً ضخماً موجهاً إلى الأطباء، وآنذاك كنت تقصد عيادة الطبيب فتجد أكواباً وأقلاماً تحمل علامة مضاد الاكتئاب بروزاك Prozac أينما وجهت ناظريك، وأعتقد أن هذا سبب آخر وراء عدم تشكيك الأطباء في الأمر حقاً. لقد أُغرقوا بالفكرة القائلة إن هذه هي الحقيقة، وهذا هو الوضع، وإذا كررت أمراً بما يكفي فسيصدقه الناس، إنها الحقيقة”. وعلى الرغم من موقفها هذا هي والداعمين لها فإن أياً منهم لم يشجع مرضى الاكتئاب الذين يتلقون العلاج باستخدام SSRIs على التوقف عن تناول الدواء دون استشارة الطبيب المشرف على حالة كل منهم، إذ أن إيقاف هذه الأدوية بشكل فجائي قد يعرض المريض لآثار سحب خطيرة.
وفي تصريح لسفير برس قال الطبيب النفسي (عبد المسيح خلف): ” لا أعتقد أن أي اضطراب نفسي، والاكتئاب من ضمنه، يمكن اختزاله إلى اضطراب كيميائي جزيئي تم تحديده بشكل نهائي، هنا مع السيروتونين، وسابقاً مع الدوبامين في قضية الفصام … السببية في الاضطرابات النفسية غير معروفة حتى الآن، الفرضيات موجودة، ولكن لا شيء مؤكد بشكل نهائي، طبعاً هناك تفاهم على عوامل وليس أسباب، كالفرضية البيولوجية – النفسية – الاجتماعية لمخترعها Angel” وتابع “نعم، نستخدم أدوية SSRIs في علاج مرضى الاكتئاب كدواء بروزاك والعديد من الزمر الدوائية المقترحة، لكنني أعتقد أن هناك فجوة كبيرة بين الممارسة العلاجية والحامل النظري لها … في الواقع عندما تكون كل الأدوات التي نملكها مطرقة، فإننا ننظر إلى كل مشكلة على أنها مسمار”.
عبرت “مونكريف” مراراً عن أن العلاج المعرفي السلوكي من شأنه أن يساهم في خفض حدة أعراض الاكتئاب دون اللجوء لتناول الأدوية. من جهة أخرى ومن واقع خبرته العملية في علاج مرضى الاكتئاب في فرنسا صرح الدكتور (رفيف المهنا) لسفير برس قائلاً: “الاكتئاب ثلاث درجات بسيط ومتوسط وشديد، يمكننا استخدام العلاج المعرفي السلوكي مع مرضى الاكتئاب البسيط والجزء الأول من المتوسط، أما مع مرضى الجزء الثاني من المتوسط والاكتئاب الشديد فلابد لنا من استخدام العلاج الدوائي” وأضاف “لا يُنصح أساساً بالتحدث مع مرضى الاكتئاب الشديد بعد تشخيص الحالة، لأن ذلك قد يُفاقم الأعراض، ويصعّب مهمة الطبيب والمريض، وبذلك يكون العلاج الدوائي هو الأنسب”.
وعن دراسة “مونكريف” وزملائها قال الطبيب النفسي (مازن حيدر) لسفير برس: “قد لا تكون هذه المراجعة السببية دقيقة بما فيه الكفاية لاعتماد نتائجها، لأن عدد الدراسات التي شملتها قليلة قياساً بما هو موجود عالمياً، وربما تكون هذه الدراسات قد اختيرت لتخدم الفكرة التي عزم الباحثون على إثباتها، كما أن هذه المراجعة لم تتطرق للعلاج باستخدام أدوية SSRIs التي حققت حتى الآن نتائج جيدة في علاج مرضى الاكتئاب، وحتى لو تمَّ نفي النظرية التي تقول بأن نقص السيروتونين هو السبب في حدوث الاكتئاب، فذلك لا يعني بالضرورة تغيير العلاج، فارتفاع الحرارة مثلاً مهما كان سببه سواء ضربة الشمس، أو الإصابة بفيروس كورونا، أو التهاب المجاري البولية، أو غير ذلك يتم علاجه باستخدام الباراسيتامول” وتابع قائلاً: “خلال مسيرتي المهنية التي بدأت منذ 25 عاماً، تم استبعاد طرق علاجية وحتى أدوية كانت معتمدة، واعتماد طرق وأدوية أخرى بدلاً عنها، وهذا التطور مقبول ولكن شريطة أن يكون مبنياً على أسس علمية دقيقة ومثبتة بالبراهين والأدلة بعيداً عن التحيز … أعتقد أن جميع الأطباء النفسيين في العالم مهتمين بالوصول إلى أفضل الطرق العلاجية ومدربين على تقبل أي اختلاف فيها، وإذا ما تمَّ إثبات عدم فاعلية أدوية SSRIs سأكون أول الأطباء الذين يوقفون العلاج بها”.
من أجل 280 مليون إنسان من سكان كوكب الأرض يعانون من الاكتئاب، ومن أجل 700 ألف شخص يموتون انتحاراً كل عام سيبقى باب البحث العلمي مفتوحاً، ومن أجل خلاصهم سيدأب الباحثون في إماطة اللثام عن الأسباب والعوامل، وعن أفضل الطرق العلاجية.
#سفيربرس _ بقلم : د. جمانة خزام _ متخصصة في علم النفس التربوي




