إعلان
إعلان

كتبت الدكتورة غالية اسعيد : بين اللهب والخوف: كيف تؤثر الكوارث الطبيعية على صحتنا النفسية وكيف نواجهها معاً ؟

#سفيربرس

إعلان

تٌعتبر الكوارث الطبيعية جزء من الواقع الذي لا يمكن تجنبه، والتي قد تظهر فجأة على شكل زلزال، إعصار، فيضان، أو حرائق كاسحة، وتُحدث انقلاباً كاملا ً في الحياة البشرية.

ومن المؤكد أن الخسائر المادية ستكون ظاهرة للعيان في تلك الكوارث أثنائها وبعد انتهائها، ولكن ما هو غير مرئي غالباً، هو ما تتركه هذه الكوارث من جراح نفسية عميقة في الأفراد والمجتمعات.
فالخوف والقلق والشعور بالعجز مع الانفصال عن الواقع وحتى الإحساس بفقدان المعنى، كلها مشاعر قد ترافق الناجين من هذه التجارب القاسية.
ويكون تأثير هذه الأحداث غير منتهي بانطفاء النيران أو انسحاب المياه وغيرها، بل يمتد لأسابيع وشهور، وربما سنوات، مما يؤدي غالباً إلى طلب المساعدة النفسية لتجاوز المرحلة.

وهنا لا يمكن الحديث الكوارث الطبيعية أم البشرية، دون التطرق إلى عنصر المفاجأة الذي تفرضه، والذي غالباً ما يأتي بدون إنذار مسبق، وهنا تُحدث الصدمة الآنية، وفي تلك اللحظات، يتحول العقل إلى وضعية النجاة حيث تسيطر استجابات القتال أو الهروب، وترتفع معدلات الأدرينالين في الجسم، ما يؤدي إلى تسارع نبض القلب، الارتجاف، التعرق، وحتى الانفصال عن الواقع أحياناً.

فالصدمة النفسية هنا لا تُقاس بحجم الخسائر فقط، بل بكيفية تلقي الشخص لها، فربما ينجو شخص من الحدث دون أن يخسر شيئاً مادياً، لكنه يعيش في داخله كارثة كاملة.

وهنا قد يدور بذهنك سؤال … لماذا يتأثر الناس نفسياً بشكل مختلف؟
إن الاستجابة النفسية للكوارث تختلف من شخص إلى آخر وهذا شيء مؤكد، فالبعض يُظهر مرونة عالية، ويتحول إلى داعم للآخرين، بينما البعض الآخر ينهار تماماً عند الكوارث ويفقد القدرة على التعامل معها وهذا الاختلاف لا يعني أن أحدهم أقوى من الآخر، بل أن التجربة النفسية معقدة وتتأثر بعدة عوامل مثل:
 التجارب السابقة مع الصدمات.
 وجود دعم اجتماعي أو غيابه.
 البنية النفسية للفرد واستعداده.
 نوعية الكارثة ومدى استمراريتها.

وفي هذا السياق فإن العديد من الدراسات النفسية التي أجريت حول القدرة على التعامل مع الكوارث عديدة وكثيرة نذكر أهمها، وهي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية بعد زلزال هايتي (2010) بينت أن ما يقارب 20% من السكان عانوا من اضطرابات نفسية متوسطة إلى شديدة خلال السنة الأولى بعد الزلزال.
ودراسة أمريكية حول إعصار كاترينا وجدت أن نسبة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) تجاوزت 30% بين السكان المتضررين.
أما بعد حرائق أستراليا عام 2019، ظهرت نتائج تؤكد أن 60% من رجال الإطفاء عانوا من اضطرابات قلق واكتئاب، وبعضهم أُحيل إلى التقاعد بسبب الإرهاق النفسي الشديد.
وهنا بدا واضحاً جداً تأثير الكوارث على الحالة النفسية للإنسان سواء كان المتضرر منها داخل الكارثة أم مشاهداً لها.
وفي هذا السياق كان لابد من ذكر تأثير الكوارث على الأطفال وعلى حالتهم النفسية بين ما تتركه عليهم من ألم صامت وأثر طويل
فالأطفال غالباً ما يكونون الفئة الأكثر هشاشة نفسياً في الأزمات، فهم لا يفهمون الحدث بشكل منطقي، ولكنهم يشعرون بكل التفاصيل، فنظرات الرعب والصراخ مع غياب الروتين اليومي والخسارة له، كلها تُخزن في ذاكرتهم الطفولية وقد تظهر لاحقاً في شكل كوابيس أو نوبات بكاء هستيرية أو حتى تراجع في القدرات الدراسية والسلوكية.
ففي دراسة أجريت في اليابان بعد زلزال توهوكو 2011، أظهرت أن الأطفال المتضررين احتاجوا من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات للعودة إلى حالة نفسية مستقرة نسبياً.
وفي سوريا وبين الأطفال الذين عايشوا الزلزال المدمر عام 2023 كانت أبرز المظاهر النفسية
الخوف من الأصوات العالية وحالات التبول اللاإرادي، إضافة إلى الانعزال الاجتماعي.
وبعد كل الشرح عن تأثير الكوارث على الحالة النفسية للإنسان لابد من الحديث عن حرائق الساحل السوري وتأثيرها الموجع على الحالة النفسية لنا.
ففي صيف جاف اشتعل فيه الجبل، ولم يكن اللهب هو الكارثة الوحيدة، بل الخوف كان يسبق النار أحياناً. فالحرائق التي التهمت غابات الساحل السوري لم تكتفي بالشجر والغابات للأسف، بل التهمت شعور الأمان عند الناس.
فقد رأينا رجال يطفئون النار بأرواحهم قبل أياديهم، ورأينا نيران تقتات على أرواحنا قبل أشجارنا وغاباتنا، فتلك المشاهد لا تختفي بمجرد أن تُطفأ النيران، بل تبقى محفورة في الذهن والخيال، فالبعض ظل لأيام لا ينام، وآخرون فقدوا الشهية للطعام والحياة، وهناك من عانى من نوبات هلع لم يعرف سببها.
فكيف نتعافى بعد تلك الكارثة؟
على رغم من صعوبة التجربة، فالتعافي ممكن لكنه لا يأتي وحده بل يحتاج إلى مساعدات نفسية وتقديم العون المعنوي لبعضنا البعض وفيما يلي بعض أنواع تلك المساعدات والتي أهمها
1. الإسعاف النفسي الأولي (PFA): هو ما يعرف بالدعم المباشر بعد الحدث، وهو يركز على الأمان والتهدئة والاستماع ولا يتطلب أن تكون مختصاً بل إنساناً واعياً.
2. محاولة العودة للروتين اليومي: وذلك عن طريق محاولة استعادة الحياة الطبيعية ولو بشكل تدريجي كمواعيد نوم والأكل المنتظم والتواصل مع الآخرين.
3. محاولة الحديث عن التجربة مع الآخرين، جرب ألا تكبت الألم وحاول أن تكتب أو تتحدث عنه وأن تعبر بأي طريقة ترتاح بها فالتعبير بداية التعافي.
4. الدعم المهني عند الحاجة وذلك في حال استمرت الأعراض مثل القلق والكوابيس والبكاء بدون سبب، لفترة طويلة، فهنا يجب مراجعة مختص نفسي.
5. الاهتمام بالأطفال يعتبر من الأولويات الضرورية في هذه الحالات فضرورة مراقبة تصرفاتهم وردات أفعالهم وذلك لمساعدتهم على التعبير من خلال الرسم أو اللعب أو حتى القصص.
ومن المؤكد أن للمجتمع دوراً مهماً للمعافاة فهي لا تتم وحدها، فالناس لا يشفون بمفردهم من دون مساعدة ولو كانت بكلمة بسيطة، فنحن نحتاج بعضنا دائماً فدور المختصين النفسيين ومقدمي الرعاية ووسائل الإعلام وحتى الأصدقاء مهم في خلق بيئة آمنة نفسياً بعد الكارثة.
ومن المهم توضيح دور وسائل السوشل ميديا على وقع الكارثة فهي تساهم في نشر التهشم النفسي السريع والضرر الأكبر من خلال نشر الأخبار الغير الصحيحة أو تهويل الوقائع أو حتى التحليلات الغير مدعومة بأدلة أو مصرح بها، لأنها قد تكون لوحدها سبباً كافياً في شعور القلق والتوتر الدائم وعدم الإحساس بالراحة والانتماء، لذلك هي أمانة بين أيدينا وجب علينا التفكر بها قبل النشر عليها.

فالكارثة يا عزيزي القارئ قد تُظهر لنا وجه الحياة الآخر، لكنها أيضاً تكشف عن وجوه الرحمة والتضامن. وقد نرى الناس يساعدون بعضهم، يفتحون بيوتهم للغرباء، يوزعون الطعام على الناجين، كل ذلك لا يُرمم فقط بيوتاً، بل يُرمم القلوب.
إن أكثر ما نحتاجه بعد الكوارث ليس فقط إعادة الإعمار المادي، بل إعمار النفس والقلب وتذكير بعضنا أن الخوف يمكن مواجهته، وأن الحياة ممكن أن تبدأ من جديد.
وفي النهاية ما بين اللهب والخوف، هناك فسحة أمل، ومساحة للتشافي، وصوت داخلي يقول نجوت، وسأنجو من أثر ما حدث أيضاً.
دعونا نكون لطفاء مع أنفسنا، ومع من حولنا، لأن ما مررنا به ليس سهلاً… لكنه لا يجب أن يسرق نورنا.

#سفيربرس _بقلم :الدكتورة: غالية اسعيد

سفيربرس _ غالية اسعيد
إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *