إعلان
إعلان

وسائل التواصل… من توثيق الحقيقة إلى تسويق التشويش. بقلم : حسين الإبراهيم

#سفيربرس

إعلان

• كيف تتشكل الحقيقة في بيئة رقمية تعيد إنتاج الصورة أكثر مما تنقل الحدث؟

• هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصّات لإعادة تشكيل الحدث، أم لأخذه رهينة لانفعالات الجمهور؟

• ما الفرق بين التوثيق الآني والتوثيق الصحفي؟ وهل تضيع الحقيقة وسط الخوارزم؟

• لماذا يبدو أن الأحداث الكبرى تُقرأ من خلال “الترند” لا من خلال التحليل؟

• هل الصحافة الرقمية قادرة على الفصل بين العاطفة والوقائع حين يصبح المستخدم هو الناشر؟

• هل ما زالت للسوريين سردية واحدة؟ أم أن المنصات فرّقتها إلى جُزر رقمية معزولة؟

السؤال والبحث عن دور وسائل التواصل في مجريات الحدث السوري لا يبدو مجرد جدل عابر، بل هو مدخل لمراجعة أعمق لسيرورة المعرفة والصورة في عصر افتراضي. فهل انتهت السلطة التوثيقية للصحافة؟ أم أُعيد توزيعها لصالح من يجيد التلاعب بالخوارزم؟

الإشكالية

منذ اندلاع الصراع في سورية، تصاعدت أهمية المحتوى الرقمي كنافذة للحدث، لكن مع اتساع تلك النافذة، تسربت الشكوك والتمثيلات الزائفة. تعاني الحالة السورية من طغيان الرأي على الخبر، واندماج السردية السياسية مع المشاعر، في غياب معايير التحقق.

بيانات ومعطيات

• وفقًا لتقرير بيغ داتا سورية 2024، فإن 63% من المستخدمين يشاركون محتوى دون قراءة المصدر الأصلي.

• تقرير المرصد الإعلامي العربي كشف أن نسبة الأخبار المفبركة حول سورية ارتفعت بمعدل 27% سنويًا بين عامي 2016 و2022.

• في استطلاع رأي محلي، 72% من المشاركين اعتبروا أن منصات التواصل أسهمت في تعقيد فهم الأحداث بدلاً من توضيحها.

• تشير الاحصائيات الأولية ـ حسب وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى ـ إلى وجود نحو 300 ألف حساب فعال يعمل على نشر محتوى مضلل يتوزعون على 4 دول رئيسية.

• ويضيف مصطفى المحتوى المضلل الذي ينشر يأخذ أشكالاً مختلفة حيث يظهر في بعض أشكاله مؤيداً للدولة ولكنه يهتم بنشر خطاب تقسيمي.

• تبذل وزارة الإعلام جهوداً مضاعفة لوقف توليد الحسابات الجديدة وقد بلغت في الأيام الأخيرة مستويات كبيرة 10 آلاف حساب يومياً.

• ظهور دعوات على منصات التواصل لشيطنة الحراك الشعبي وبالتالي شيطنة مكونات اجتماعية وتخوينها.

• انتشرت خلال الفترة من 13 إلى 16 تموز 2025، وبناءً على تحليل بيانات منصة تويتر (X) أكثر من 400 ألف تغريدة تضمنت خطاب كراهية وتحريض. من بين هذه التغريدات، نحو 100 ألف منشور صدرت عن حسابات وهمية خارج سوريا، استهدفت الأقليات الدينية بشكل مباشر، بمعدل نشر يومي تجاوز 1000 تغريدة طائفية.

حين كنت أدرّب الصحفيين الجدد في ورشة إعلامية بالسويداء عام 2019، سألني أحد المتدربين: “كيف نفرّق بين صانع المحتوى وصانع الحدث؟” أدركت يومها أن حدود الصحافة تكسّرت، وأن التدوينة قد تصبح أكثر تأثيرًا من التحقيق الصحفي… لكن من دون ضمانات للمعنى ولا للمصداقية.

إعادة هندسة المفهوم الصحفي الرقمي

حين يتقاطع وعي الصحافة مع عنف تدفق المحتوى، تنشأ الحاجة إلى مفاهيم مغايرة تُعيد تعريف علاقة الكاتب بالمنصة، والمعلومة بالقارئ. لم يعُد المفهوم الصحفي التقليدي قادرًا على استيعاب ديناميات النشر اللحظي، ولا على مجابهة أثر الخوارزميات التي تُعيد تشكيل الحدث أكثر مما تنقله. في هذا السياق السوري المحموم، يصبح من الضروري الانفصال المعرفي عن آليات التلقين الرقمي، والانتقال إلى هندسة جديدة للوعي الصحفي؛ هندسة تقوم على تعدّد الأدوات، وانفتاح التحرير، واستنطاق المعنى بعيدًا عن سطوة الواجهة.

هذه الهندسة لا تكتفي بإضافة أدوات رقمية للصحفي، بل تُعيد بناء مهنته على قاعدة تأملية تحليلية، تستوعب التقنية دون أن تتماهى معها، وتحتكم إلى المعرفة دون أن تستسلم للمحتوى السريع. إنها دعوة لمساءلة المفهوم قبل التطبيق، ولإعادة تعريف الصحفي كمُهندس سرد لا مجرد ناقل خبر.

كل ذلك يتطلب مجموعة من الإجراءات منها:

1. ضرورة تأسيس غرف تحرير رقمية نقدية

لم تعد غرف التحرير مجرد مساحات تحرير، بل يجب أن تتحول إلى ورش فكرية تُعيد إنتاج الخبر من جذوره. يتم فيها مساءلة مصادر التواصل الاجتماعي، واستخدام أدوات التحقق (OSINT) للتحقق من كل صورة ورواية متداولة.

2. صياغة نموذج صحفي رقمي متعدد المهارات

على الصحفي اليوم أن يكون كاتبًا، محلل بيانات، ومبرمجًا بسيطًا. لأن التعامل مع الخوارزميات بات ضرورة مهنية لا خيارًا. المطلوب: “صحفي مهندس” يتقن فهم واجهات المنصات كما يفهم الحدث الميداني.

3. اقتراح معيار جديد للتحقق الصحفي في زمن الخوارزم

في ظل سرعة انتشار التضليل، بات من الضروري وضع بروتوكول تحقق يتضمن التحقق الزمني (زمن النشر الأصلي)، والتحقق الجغرافي (موقع الحدث الحقيقي)، والتحقق السياقي (مدى انسجام الحدث مع الصورة العامة).

4. إعادة تعريف مفهوم التأثير الصحفي

التأثير لم يعد محصورًا بعدد القراءات أو التعليقات. التأثير الحقيقي هو في تحفيز القارئ على طرح سؤال إضافي، أو تغيير زاوية رؤيته للحدث. وهو ما يُعيد للصحافة دورها كمنصة تأمل لا كمنصة بث.

5. التحول نحو صحافة المضامين المفتوحة Open Journalism

المطلوب اليوم أن تتيح المقالات مداخل للبحث المستقل، عبر تضمين روابط مصادر أصلية، مقارنات رقمية، ومساحات مفتوحة للنقاش التفاعلي. بهذا تُصبح الكتابة الصحفية دعوة للبحث لا إجابة جاهزة.

6. تعزيز سرديات التجربة الذاتية كمصدر للتحقق العاطفي

الخبر الرقمي الذي يخلو من البعد الإنساني يُفقد المتلقي حسّه النقدي. لذا، من الضروري استخدام السرد الذاتي كوسيلة لتمكين القارئ من التفاعل الوجداني مع الحدث، دون تسطيحه أو استغلاله.

7. إنتاج دليل صحفي رقمي سوري

بناء على هذا النموذج، يمكن إطلاق دليل مرجعي للصحافة الرقمية السورية، يتضمّن: معايير الإنتاج، نماذج للمقالات المتنوعة، أدوات التحقق، قواعد التحرير، ونماذج من التجارب المحلية والعالمية.

إجابات مؤقتة… أسئلة لا تهدأ

1. كيف تتشكل الحقيقة في بيئة رقمية تعيد إنتاج الصورة أكثر مما تنقل الحدث؟

تنمو الحقيقة اليوم على أطراف الصور، لا في مركز الحدث ذاته. المنصات الرقمية لا تنقل ما جرى فعليًا، بل تعيد إنتاجه وفق أولويات الجمهور، خوارزميات الاهتمام، وسرعة التفاعل. ما يُشاهد يُصبح هو الحقيقة، حتى لو كان مبتورًا أو مشوهًا.

2. هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصّات لإعادة تشكيل الحدث، أم لأخذه رهينة لانفعالات الجمهور؟

الواقع الرقمي السوري يُظهر أن الحدث لم يُعد يُكتب من قبل الصحفي، بل يُعيد تشكيله “الترند”، ويتحول إلى مسرح للتجاذبات. المنصات اختطفت الحدث، واحتجزته في قوالب الرأي ورد الفعل، تاركة المضمون بلا تحقق.

3. ما الفرق بين التوثيق الآني والتوثيق الصحفي؟ وهل تضيع الحقيقة وسط الخوارزم؟

التوثيق الآني لا يملك ترف التحقق، بل يبحث عن الأسبقية. التوثيق الصحفي يُنقّب خلف الصورة ويوازن بين الرواية والشاهد. في ظل طغيان الخوارزميات، الحقيقة تسير بين سطرين، أحيانًا تُختصر، وأحيانًا تُنسى.

4. لماذا يبدو أن الأحداث الكبرى تُقرأ من خلال “الترند” لا من خلال التحليل؟

لأن الجمهور أُعيد تشكيله كـ “مستخدم”، يتلقى لا يُناقش، ويتفاعل لا يُدقّق. الترند هو البوصلة الجديدة؛ يعلو كل من يركبه، ويسقط كل تحليل لا يواكبه زمنيا… حتى لو كان أكثر صدقًا.

5. هل الصحافة الرقمية قادرة على الفصل بين العاطفة والوقائع حين يصبح المستخدم هو الناشر؟

هذه الصحافة ليست عاجزة، لكنها بحاجة لإعادة برمجة ذاتها كي تواجه التدفّقات العاطفية الهائلة. المطلوب: صحفي-مُبرمج يُعيد تعريف المعايير لا بالحياد الجامد، بل بتمكين العاطفة العقلانية المسؤولة.

6. هل ما زالت للسوريين سردية واحدة؟ أم أن المنصات فرّقتها إلى جُزر رقمية معزولة؟

لا توجد سردية واحدة، بل فسيفساء رقمية تتنازع على تمثيل السوريين. المنصات قوّت الهويات الفرعية، لكن أضعفت السردية الجامعة. بين الحيّز الذاتي والفضاء الجمعي، هناك فراغ ينتظر صحافة تسترجع صوتًا مشتركًا.

“في غرف التحرير القديمة، كنا نفتش عن الحقيقة داخل الوثائق. اليوم، نفتش عنها وسط ضجيج الآراء وتعقيد الخوارزميات. لكنها ما تزال هناك… تنتظر من يتوقف ليسأل، لا من يُسارع لينشر.”

ويبقى السؤال…

هل صارت الكتابة الصحفية مجرّد موجة في بحر المنصات؟ أم أن الوقت قد حان لاستعادة دور الصحفي كمفكّر ومحقق لا كمؤثر لحظي؟

#سفيربرس _ بقلم : حسين الإبراهيم

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *