كتبت د.غالية اسعيد: الدماغ والروتين: لماذا يحب عقلنا التكرار رغم شعورنا بالملل؟
#سفيربرس
عزيزي القارئ.. هل شعرت يوماً أنك تبدأ يومك بنفس الطريقة كوب من القهوة، تفقد الرسائل، العمل، ثم العودة إلى المنزل في المساء؟
يبدو هذا مملًا، أليس كذلك؟ لكن دماغنا يرى الأمور بشكل مختلف تماماً.
فما تقوم به كل يوم بنفس الطريقة والوتيرة وحتى الإتقان يسمى بالروتين.. والروتين ليس مجرد عادة يقوم بها الدماغ إنما هو استراتيجية ذكية يستخدمها دماغنا لتوفير الطاقة العقلية والتركيز، ولضمان استمرارية الأداء اليومي بدون إجهاد كبير.
فعقولنا يا عزيزي تبحث عن الأمان، والتكرار يوفر هذا الشعور، فعندما نعرف ما سيحدث لاحقاً، يقل القلق ويزداد الشعور بالسيطرة على حياتنا، حتى لو كان الروتين بسيطاً أو يومياً.
أعتقد أنك قد تتسائل لماذا يفضل الدماغ الروتين؟
دعنا نفكر سوياً … الدماغ البشري يعمل بطريقة فعّالة لتوفير الطاقة، وفي كل مرة نكرر سلوكاً معيناً، تبدأ الخلايا العصبية في إنشاء مسارات عصبية جديدة تجعل تنفيذ هذا السلوك أكثر سهولة وأقل استهلاكاً للطاقة ومن الممكن أن تكون أكثر إحساساً بالأمان.
وهذا ما يجعل العادات تتحول إلى شبه أوتوماتيكية، فنحن لا نحتاج للتفكير كثيراً عند القيام بها.
ففي دراسة نشرتها مجلة Psychology Today أوضحت أن الدماغ يشكل العادات عن طريق المكافآت والتكرار المستمر، ما يجعل السلوك يتحول إلى آلية شبه تلقائية.
وهذا التكرار يقلل الحاجة للتفكير المستمر، ويترك مساحة ذهنية أكبر للقيام بمهام تتطلب تركيزاً أعلى أو تفكيراً إبداعياً.
إليك هذا المثال يا عزيزي.. إن شرب كوب القهوة صباحاً، الذي يبدو بسيطاً، في الواقع يساعد دماغك على الاستيقاظ والاستعداد للمهام، لأن الروتين يربط هذا الفعل بالتحفيز العصبي للطاقة واليقظة.
وليس كوب القهوة بحد ذاته …
والآن وبرأيك هل لهذا الروتين فوائد على الصحة النفسية؟
من المؤكد أن الروتين ليس فقط لتنظيم الوقت وترتيب الأعمال، بل له تأثيرات واسعة على صحتنا النفسية والجسدية، مدعومة بأبحاث علمية سأسردها لك.
فمثلاً تقليل التوتر والقلق، إن وجود خطة يومية واضحة يقلل شعورنا بعدم السيطرة ويخفف من القلق النفسي.
وكذلك تحسين النوم وجودته أثبت الروتين اليومي جدارته في مساعدة الجسم على ضبط الساعة البيولوجية، مما يحسن جودة النوم ويسهل الاستيقاظ صباحاً، ويقينا من نوبات الأرق المزعجة والمتكررة.
إضافة إلى زيادة الإنتاجية في قطاعات مختلفة بالحياة، فعندما تتحول بعض العادات إلى سلوكيات شبه تلقائية، يمكن استثمار الطاقة الذهنية في التفكير والإبداع بدلاً من إهدارها على مهام بسيطة ومتكررة.
كما أشارت دراسة من WebMD إلى أن الالتزام بالروتين يقلل الضغوط النفسية ويزيد من الإحساس بالراحة والاستقرار العاطفي.
بالإضافة لذلك، أظهرت دراسة أجرتها جامعة ميشيغان أن الأشخاص الذين لديهم روتين يومي منظم يشعرون بتحسن في حالتهم المزاجية ويقل لديهم معدل التوتر اليومي مقارنة بمن يعيشون حياتهم بشكل عشوائي.
رأيت يبدو أن الروتين على الرغم من سمعته المملة قد يكون في أحيان عديدة مفيداً لأدمغتنا.
ومع هذا فإن الروتين لا يزال يسمى القاتل الصامت الذي إن تملك الدماغ والجسد أهلكه فدعنا نعرف ماهي تلك السلبيات التي أطلقت على الروتين هذا اللقب السيئ.
فبرغم فوائد الروتين، الإفراط فيه أو الجمود التام يمكن أن يصبح ضاراً، وقد يوقعنا في فخ الملل النفسي، فعندما يصبح الروتين صارماً جداً، يشعر الدماغ بالملل، مما قد يقلل الحافز ويزيد شعورنا بالرتابة.
وبالتالي هذا الإحساس قد يؤدي إلى انخفاض الإبداع، فالروتين القاسي يقلل القدرة على الابتكار، لأن الدماغ لا يترك لمساحة التجربة والتفكير الجديد.
كما أن الإرهاق العقلي والجسدي قد يؤثر بشكل سلبي فالالتزام المفرط بجداول صارمة دون مرونة قد يؤدي إلى شعور بالإجهاد العام.
بدراسة قدمتها Learn Do Grow أشارت إلى أن الروتين الممل والمتكرر يمكن أن يصبح عبئاً نفسياً ويحد من قدرة الفرد على مواجهة مواقف جديدة أو التكيف مع التغيرات المفاجئة في الحياة، خاصة في العمل أو العلاقات الاجتماعية.
والآن يدور في بالك سؤال وأنت تقرأ … هل أستطيع أن أحافظ على روتين صحي ومتوازن؟
السر هنا يا عزيزي في الروتين الناجح فهو يكمن في الموازنة بين الثبات والتجديد.
وإليك استراتيجيات عملية مدعومة علمياً قد تساعدك في التعامل مع الروتين بشكل صحي ومتوازن
1. جرب إدخال عنصر جديد يومياً ولو كان بسيطاً إن التغيير البسيط في الروتين، مثل مسار المشي أو فقرة قراءة قصيرة، ينشط الدماغ ويكسر الجمود.
2. حاول ممارسة التأمل أو اليقظة الذهنية، فقد أظهرت أبحاث جامعة هارفارد أن التأمل اليومي يقلل التوتر ويزيد المرونة العصبية، كما يعزز القدرة على التركيز في مهام أخرى.
3. اسعى في تغيير أوقات الروتين بشكل دوري، جرب مثلا ً إضافة ساعة جديدة لهواية أو تعديل ترتيب المهام اليومية، فإن من نتائج هذا التغير أن يحافظ على حيوية الدماغ ويمنع الشعور بالرتابة.
4. عليك بتحدي النفس بالتجارب الصغيرة، إن تجربة وصفة جديدة، أو تعلم مهارة قصيرة، أو حتى القيام بمهمة غير مألوفة في العمل تجعل الروتين ممتعاً وفعّالاً.
5. لا تحرم نفسك من المكافأة، وذلك لأن الدماغ يحب المكافآت ويقدرها ويربطها بمثيرات واستجابات عصبية، حتى وإن مكافآت صغيرة فبعد إتمام روتينك اليومي ستعزز المكافأة من الاستمرارية وتزيد من شعور الرضا.
ولتطبيق الروتين بشكل صحي وتنشيط الدماغ، إليك نصائح سريعة وسهلة التنفيذ:
1. حاول البدء بنشاط صغير وأضف إليه كل يوم شيئاً مختلفاً بحيث لا تكون الإضافة أكثر من 5–10 دقائق.
2. جرب تغيّر التفاصيل، حتى لو بقي الروتين نفسه، غيّر ترتيب المهام أو المكان لتفادي الملل.
3. لا بأس أن تخصص وقتاً للإبداع جرب وقتاً قصيراً لهواية جديدة أو تجربة فكرة مبتكرة.
4. مارس اليقظة الذهنية، وركّز في لحظة معينة يومياً على شعورك الحالي أو إحساسك بالجسد لتقليل التوتر.
والآن هل تعلم أن الروتين والإبداع قد يكونان وجهة ممتعة للدماغ؟؟
قد يبدو التناقض واضحاً، كيف يمكن للدماغ أن يحب الروتين وفي نفس الوقت يحتاج للإبداع؟
دعنا نناقش الأمر سوياً فالروتين يوفر قاعدة ثابتة، هذه القاعدة تمنح العقل الأمان والطاقة للتفرغ للأفكار الجديدة.
والدراسات النفسية تشير إلى أن الأشخاص الذين لديهم روتين منظم غالباً ما يكونون أكثر قدرة على الإبداع، لأن دماغهم لا ينشغل بالمهام المتكررة، ويترك مساحة للتفكير المبتكر وحل المشكلات بطرق جديدة.
وفي نهاية المطاف بين هذه السطور دعنا نلخص ما قرأت ونتعامل مع الروتين على أنه ليس قيداً يثقل كاهلنا، بل هو جناح يمنح دماغنا الحرية لنبتكر ونتطور.
وأننا حين نوازن بين الثبات والتجديد، يصبح الروتين صديقاً ذكياً يقودنا نحو حياة أكثر نشاطاً وإبداعاً.
لذلك.. اعطِ دماغك قاعدة آمنة، وأضف لمسة من التغيير… ستكتشف أن كل يوم يمكن أن يكون مغامرة جديدة، وأن كل عادة يومية تحمل في طياتها فرصة لتنشط دماغك، تطور نفسك، وتجعل حياتك أكثر إشراقاً وحيوية.
فالروتين هو المفتاح، والإبداع هو الباب… فلتفتح ذهنك لعالم من الإمكانيات التي لم تتخيلها بعد، ولتجعل كل يوم خطوة نحو نسخة أفضل من نفسك.
#سفيربرس ـ بقلم الدكتورة: غالية اسعيّد



