الإعلام في زمن الضباب: هل يصنع اليقين أم يضاعف ارتباكنا؟. بقلم : حسين الإبراهيم
#سفيربرس
• لماذا يزداد غموض الواقع كلما زادت وسائل الإعلام؟
• كيف يتحول الخبر من أداة للفهم إلى أداة للارتباك؟
• ماذا يحدث حين يصبح الإعلام جزءًا من الأزمة بدل أن يكون وسيلة لفهمها؟
• كيف نميز بين إعلام يشرح وإعلام يثير؟
لم يعد السؤال عن الحقيقة كافيًا. بل أصبح السؤال الأهم: من يصوغ هذه الحقيقة؟ في بيئات مضطربة مثل سوريا بعد سقوط النظام، تتجلى حالة عدم اليقين كضباب كثيف يعيق الرؤية، ويجعل من الإعلام أداة إما لتفكيك هذا الضباب أو لتكثيفه. فهل يملك الإعلام اليوم القدرة على إنتاج يقين معرفي؟ أم أنه مجرد ناقل للارتباك؟

الإعلام بين الدقة وتضخيم حالة عدم اليقين
في عالمنا اليوم، تتزايد حالات عدم اليقين التي تؤثر على المجتمعات والدول في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذه الحالة التي تعني غموض المستقبل وعدم وضوح الأحداث، تجعل من الصعب على الأفراد وصناع القرار فهم الواقع بشكل كامل واتخاذ خطوات مستقرة وفعالة.
في إطار هذه الظاهرة، يبرز الإعلام كأحد العوامل الأساسية التي تلعب دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة يمكن له أن يساهم في توضيح الصورة وتقديم المعلومات الدقيقة التي تحد من الإرباك، ومن جهة أخرى قد يفسح المجال لتضخيم حالة عدم اليقين من خلال نشر الأخبار المتضاربة أو التحليلات المتشائمة.
هذا المقال يسعى إلى استكشاف تأثير الإعلام في تعميم حالة عدم اليقين، مع التركيز على التجربة السورية التي شهدت تحولات سياسية كبيرة، وكيف يمكن للإعلام أن يكون سلاحًا ذا حدين في تشكيل وعي الجمهور وتأثيره على الاستقرار المجتمعي.
مواصفات حالة عدم اليقين؟
تتميز حالة عدم اليقين بمواصفات رئيسية منها:
– قلة التنبؤ وصعوبة التوقع بالأحداث المستقبلية، مع وجود احتمالات لمفاجآت غير متوقعة.
– شعور غياب الوضوح وقلة الفهم الكامل للقضايا والأحداث الجارية.
– تعدد القوى والتعقيد الذي يزيد من صعوبة فهم علاقة الأسباب والنتائج بسبب تعدد العوامل المتداخلة.
– غموض الواقع وضبابية المعطيات التي قد تؤدي إلى احتمالات أخطاء أو تفسيرات غير دقيقة.
– الارتباك في اتخاذ القرارات والمخاطر الناتجة عن عدم وضوح الصورة الكاملة للوضع.
– حالة من الحرجة والتقلب في الأحداث والتغييرات السريعة التي تصعب عملية التخطيط.
هذه العوامل تجعل بيئة عدم اليقين تحتاج إلى إدارة خاصة تعتمد على الاستعداد، وتوقع المشاكل، وفهم عواقبها، والاستجابة السريعة، مما يفرض تحديات كبيرة على التخطيط واتخاذ القرار.
في الإطار الاقتصادي أو السياسي، كما هو الحال في سوريا بعد سقوط النظام، عدم اليقين يعني وجود الكثير من المتغيرات غير المستقرة التي يصعب التنبؤ بنتائجها، مما يخلق حالة من الهشاشة وعدم الاستقرار المؤقت.
الإعلام… إزدواجية القدرات
يُعدّ الإعلام وسيلة فعالة في تشكيل الوعي الجماهيري وتوجيهه، وله تأثير كبير في كيفية استيعاب الناس للأحداث والتطورات. في أوقات الأزمات، مثلما حدث في سوريا بعد سقوط النظام، يصبح الإعلام متصدراً للمشهد، حيث يقدم الأخبار والمعلومات التي يلتقطها الجمهور كمصدر أساس لفهم الواقع.
لكن مع هذا الدور الحيوي، يكمن في الإعلام قدرة مزدوجة. فمن جانب، يمكن للإعلام أن يُعمّق حالة عدم اليقين عبر التركيز على التقلبات، ونقل الأخبار المتضاربة، واستخدام عناوين مثيرة تثير القلق والخوف. وبالتالي فإن من يشاهد ويتابع باستمرار أخباراً متناقضة عن مستقبل البلاد، قد يشعر بالغموض والارتباك، مما يزيد من إحساسه بعدم الاستقرار.
في المقابل، الإعلام المسؤول والمهني يمكن أن يقلل من هذا الاحساس من خلال تقديم تقارير دقيقة ومتوازنة، تفسر الأحداث بموضوعية وتوفر سياقًا يساعد الجمهور على فهم الصورة الكاملة. هكذا، يمكن للإعلام أن يكون أداة بناءة تساهم في استقرار المشهد الاجتماعي والسياسي بدلاً من تعقيده.
في صباح الاثنين 6 شباط 2023، بدأت بتحرير خبر عن الزلزال الذي وقع في سورية. كنت أتلقى معلومات من مصادر متضاربة، وسط ارتباك وجودي، وليس مهني فقط. حينها، لم أكن أبحث عن “سبق صحفي”، بل عن معنى. شعرت أن الخبر، كما يُطلب مني صياغته، لا يشرح شيئًا، بل يضاعف القلق. توقفت عن الكتابة، وبدأت أطرح أسئلة: من يملك الحق في التفسير؟ هل نحن نعيد إنتاج الضباب بدل تفكيكه؟ تلك اللحظة كانت تؤكد موقعي كصحفي يعيد تعريف ما يجب نقله. لم أعد أبحث عن “ما حدث”، بل عن “كيف نُفكر فيه”. ومن هنا بدأت رحلتي في هندسة الأسئلة، لا تحرير الإجابات.
حسب تحليل منشور في Arab Media & Society، تمر الأزمات بخمس مراحل رئيسية، ولكل منها دور إعلامي مختلف:

الإعلام وتشكيل المناخ النفسي والاجتماعي والمزاج العام
لا يقتصر تأثير الإعلام في تعميم حالة عدم اليقين على ما سبق ذكره، بل يمتد ليشمل عدة أبعاد أخرى تؤثر على طريقة استقبال المعلومات وفهمها من قبل الجمهور وصناع القرار على حد سواء.
أولاً، تعددية المصادر وتضارب الأخبار تزيد من تشويش المتلقي. عندما تتعدد القنوات وتتنوع المواقف الإعلامية، خاصة في بيئات الصراع أو الأزمات، يصبح من الصعب على الجمهور تحديد الأخبار الموثوقة، وتبدأ الشكوك في السيطرة على تصورهم للواقع، مما يغذي حالة عدم اليقين ويجعل القرارات المستقبلية أكثر تعقيداً.
ثانيًا، وسائل التواصل الاجتماعي تعمل كمنصة تضخّم الأخبار، لكنها في الوقت نفسه تسهل انتشار المعلومات المضللة والشائعات بسرعة كبيرة، بسبب غياب الرقابة المهنية في بعض الأحيان. هذا الانتشار السريع قد يخلق موجات من القلق الشعبي والارتباك الذي يصعب السيطرة عليه، ويؤثر بشكل مباشر على الثقة بالمصادر الرسمية والخطاب السياسي.
ثالثًا، من الناحية النفسية والاجتماعية، تؤدي حالة عدم اليقين المتزايدة إلى ضغوط نفسية على الأفراد، مثل القلق، والتوتر، والشعور بالعجز. هذه الضغوط تنعكس على المجتمع من خلال زيادة الانقسامات الاجتماعية، وضعف التماسك، وانخفاض المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، ما يجعل عملية البناء والاستقرار أصعب.
لذلك، من المهم فهم أن الإعلام لا ينقل الأخبار فحسب، بل يؤثر بقوة على المزاج العام ويشكل المناخ النفسي والاجتماعي، مما يضاعف أدواره ومسؤولياته في أوقات الأزمات.
دور الإعلام في الحدّ من حالة عدم اليقين
في مواجهة حالة عدم اليقين، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا إيجابيًا وحيويًا في التخفيف من انعدام الوضوح والارتباك الذي يعاني منه الجمهور ويتمثل ذلك من خلال:
أولًا، تقديم معلومات دقيقة وموثوقة، مع الاعتماد على المصادر الرسمية والخبراء المختصين، مما يعزز ثقة الناس في الأخبار ويحد من انتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة.
ثانيًا، يمكن للإعلام المهني أن يوفر تحليلات متعمقة وشاملة تساعد الجمهور على فهم الأحداث في سياقها الصحيح، مع توضيح الأسباب والعواقب المحتملة، بدلاً من الاكتفاء بالتغطية السطحية أو الاستثارة العاطفية. هذا يعين الأفراد على بناء رؤية أوضح للمستقبل ويقلل من الشعور بالغموض.
ثالثًا، يلعب الإعلام دورًا توعويًا وتعليميًا من خلال نشر البرامج التي تشرح التطورات والمفاهيم المعقدة بشكل مبسط، مما يرفع من وعي الجمهور وقدرته على التعامل مع المستجدات بشفافية وموضوعية.
وأخيرًا، تواصل الإعلام بشفافية ومصداقية في أوقات الأزمات يساهم في بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، حيث يساعد الطمأنة والوضوح على تقليل المخاوف الجماعية والسيطرة على الانطباعات السلبية، وهو ما يعد عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقرار المجتمعي وتحقيق الانتقال السياسي والاقتصادي السليم.
أمثلة تطبيقية من دول واجهت حالة عدم اليقين:
– جنوب السودان: يعاني من عدم اليقين بسبب النزاعات المسلحة، الأزمات السياسية، وتأثيرات التغير المناخي مثل الفيضانات التي دمرت إنتاج الغذاء. للتعامل مع هذا الواقع.
– جزر المحيط الهادئ (دول مثل فانواتو وتونغا وبابوا غينيا الجديدة): تواجه هذه الدول حالة مستمرة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي بسبب الكوارث الطبيعية المتكررة (زلازل وأعاصير)، إلى جانب اضطرابات سياسية متكررة.
– ألمانيا بين الحربين العالميتين (1919-1935): عانت ألمانيا من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي الحاد، مع تغييرات سياسات معقدة وتأثيرات كبرى على الاقتصاد. تم اتباع استراتيجيات لتحليل المخاطر الاقتصادية بدقة وتحويلها إلى خطط مدروسة مع تقييم احتمالات السيناريوهات المختلفة للتقليل من الشكوك وتحسين اتخاذ القرار.
– الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات التجارية (مثل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين): زادت حالة عدم اليقين بشكل كبير في عدة دول بسبب تعقيدات السياسات التجارية. وتعاملت تلك الدول من خلال تعزيز مرونة سلاسل التوريد، تنويع الشركاء التجاريين، وتبني استراتيجيات إدارة مخاطر متقدمة لتقليل الأثر السلبي.
مخرجات معرفية
انطلاقاً من مقولة “تيم بالمر” أستاذ البحوث في جامعة أكسفورد التي تشير إلى أن “عدم اليقين لا يعني عدم الفعل، بل يعني أهمية اتخاذ قرارات سليمة في مواجهة المخاطر وحساب درجة عدم اليقين بدقة”، فإننا نستطيع مواجهة حالة عدم اليقين من خلال مزيج من الفعاليات:
• تقديم معلومات دقيقة وتحليل معمق للوضع الاقتصادي والسياسي
• وضع خطط بديلة محتملة وإعداد سيناريوهات مختلفة للمستقبل
• الاعتماد على مؤسسات دولية ومحلية لتقديم الدعم والتدخل عند الأزمات
• تعزيز الشفافية والمصداقية في الاتصال مع الجمهور وصناع القرار لتقليل الذعر والارتباك
• بناء قدرات على التكيف والمرونة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
هذه الأمثلة توضح أن التعامل مع حالة عدم اليقين يتطلب إدارة متوازنة بين التحليل الدقيق والتخطيط الاستراتيجي، إلى جانب قدرة على التكيف مع المتغيرات الحاصلة في بيئة معقدة ومتغيرة باستمرار.
إجابات:
• يزداد غموض الواقع كلما زادت وسائل الإعلام، لأن تعدد الوسائل يخلق تضاربًا في السرديات ويشوّش الإدراك حين يغيب السياق.
• يتحول الخبر من أداة للفهم إلى أداة للارتباك، حين يُختزل في الإثارة ويُعرض بلا تحليل، يتحول إلى مصدر قلق لا تفسير.
• حين يصبح الإعلام جزءًا من الأزمة بدل أن يكون وسيلة لفهمها، يفقد حياده ويغذي الصراع بدل أن يشرحه، خاصة حين يتبنى روايات متضاربة.
• نميز بين إعلام يشرح وإعلام يثير، عندما ندرك أن الإعلام المفسّر يربط الأسباب بالنتائج، أما المُثير فيكتفي بالعناوين الصادمة.
خاتمة مفتوحة:
هل سنكتفي بإعلام ينقل الحدث؟ أم سنطالب بإعلام يعيد تشكيله ليصبح فكرة قابلة للنقاش؟ هل يمكن أن نعيد تعريف وظيفة الصحفي في زمن اللايقين؟ وهل نملك رفاهية الحياد حين يكون الجمهور في حالة ارتباك؟
اقتباس ختامي:
“الشك هو جوهر المعرفة، وهو عامل أساسي لتطوير قدرتنا على اكتساب المعرفة.” ـ ريتشارد فاينمان
#سفيربرس _بقلم : الإعلامي : حسين الإبراهيم



