كتب سعيد بن عمران المعمري : الأُبُوَة قيادة مُغَلفَة بالرحمة والتفهم …
#سفيربرس _ مسقط

يُطرح اليوم تساؤل على ألسنة الكثير من الآباء ” كيف أكون أبا جيدا/ناجحا ؟ ” والإجابة الهادئة والمتزنة تتمثل في النظرة المشرقة التي ترى أن الأب أكثر من مجرد مُعيل فهو ليس موظفا عائليا ينحصر دوره في الإنفاق بل القائد الذي يرسم معالم التربية ، فيما تكون الزوجة / الأم شريكته في تثبيت هذه المعالم ، ودعم قراراته لِيُشكلا معا جدار الأمان العاطفي والنفسي لأطفالهم.
ويواجه الشريكان تحديا في عصرالتكنولوجيا ” الآيباد والشاشات ” حيث لن ينجح الأب بمفرده في وضع الضوابط وتطبيقها بشأن استخدام الأبناء للتكنولوجيا دون دورالأم المكمل له بحكم قربها اليومي منهم ، لذا يتطلب منهما رسم خطة موحدة ( وقت محدد ، محتوى مناسب ، بدائل واقعية ) كي يتحول مسارهما التربوي المشترك إلى فرصة لبناء وعي تكنولوجي سليم لدى الأبناء.
ويتبين حزم القائد (الأب ) في سلطته الأسرية المرنة عبر وضوح المبدأ الذي يرسمه للكيان الأسري ، ويتطلع إلى دعم زوجته كي يصبح أكثر قبولا عند الأبناء فيرونه جزء متفق عليه ولا نزاع فيه بين الأبويْن ، ويُقابل مبدأ الحزم الأبوي لغة ” حنان الأم ” كجسر عاطفي مخفف يوازن متطلبات الانضباط وحاجة الطفل إلى الحب.
ومن هنا نؤكد على الصورة الأوضح أن الأب يُؤمن للعائلة نوعا من الاستقرار والأمان قد يصعب على الأم أن تُؤمنها وحدها ، أما الأم فتخلق جوا من المحبة والحنان حين تستمع إلى أولادها وتتعاطف معهم ، فالإثنان يتعاونان معا كفريق واحد . ومثالا على ذلك تخبر الباحثة في شؤون العائلة ” جوديت والرستاين ” عن موقف حصل في عائلتها يؤكد هذه النقطة بقولها : ” حين تعرضت ابنتي لحادث سير بعمر 12 سنة أرادت أن يكون أبوها معها في سيارة الإسعاف لأنها واثقة أنه يعرف كيف يتصرف في مواقف كهذه ، ولكن لاحقا في المستشفى أرادت أن أجلس أنا طُوال اليوم قرب سريرها كي أطمئنها وأرفع معنوياتها “.
وكيْ ينشأ الابن/ الابنة في بيئة مثالية فعلى الوالديْن أن يتعاملا بمحبة واحترام مع رابط مسؤولية غرس محبة الله ورسوله في قلوب أبنائهما ، ويتحتم عليهما أن يتفرغا للحديث مع أبنائهم والتخاطر الذهني معهم دائما وليس فقط عند وجود مشكلة عبر تحفيز بيئة الحوار لأولادهم بقاعدة تربوية ” حيث يتحدث ابنكم/ابنتكم معكما كونا سريعيْن نحو الاستماع له/ــها ، وبطيئيْن في التكلم معه/ــها ” ليشعر أولادكم أن بإمكانهم التحدث إليكما بحرية لذلك يجب أن تُرِيانِهِم أنكما مستعدان للإصغاء متى ما يحتاجون إليكما مع الحرص تجاه خلق جو مريح يسوده السلام ليسهل عليهم التعبير عن أنفسهم ..لماذا ؟ لأن الأبناء لن يفتحوا لكما قلبهم إذا شعروا أنكما ستقسوان عليهم أو تديناهم ، لذا فدوركما التربوي يستدعي أن تتحليا كوالديْن بالصبرعليهم والتأكيد دائما أنكما تحبونهم ، والعمل على منحهم مساحة أمان للتعبير بعدم مقاطعتهم أوالمبالغة في ردة الفعل مهما قالوا ، إيمانا منكما بحنين الماضي حول ما كنتما تَشعُران به أو تَعتبرانه مهما وأنتما في عمرأبنائكم ، وكوالديْن أعطِيا المزيد من الوقت لأبنائكم ودعوهم يحسون أن محبتكما لهم لن تتغير ، وهكذا سيتولد لديهم حافز الأمان للتعبير لكما عن أي موضوع يخصهم دون قلق أو خوف ، أما إذا كنتما مشغوليْن عنهم فسيحسون بذلك مما يقودهم للبحث عن الاهتمام في مكان آخر/ مع أشخاص آخرين.
والأنصح أن لا تَخْتَلِفا أمام أولادكم ، وعززا قاعدة ذهنية في عقولهم بتوصية الإبن/الإبنة : ” كقول الأم “اسمع يا بُنَيْ / ابنتي تأديب أبيك ” وقول الأب ” يا بُني / بُنَيتِي لا تتخل عن شريعة أمك ” وهذا استدلال أن الله اعطى السلطة على الأولاد للأب والأم كليهما ، وعلى الأبويْن أن يعلما أولادهما احترام السلطة الأبوية وإطاعتهما لأنه إذا كانا غير متحدين في الفكر نفسه فقد يُضعف احترام الأبناء لهما.
وعلى عاتق الشريكين أن يتُناقشا مسألة تربية الأولاد والاتفاق على طريقة تأديبهم ، ومحاولة أن يتفهما وجهات نظربعض حين تتباين آراؤهما في تربية الأولاد ، فالنجاح في تنشئة الأولاد لا يتحقق بالصدفة بل عبرالالتزام بخطة تدريب يكون التأديب جزءا منها ، والذي لا يعني بالضرورة معاقبة الولد/الابنة بل يشمل مساعدته/ها على فهم أسباب القواعد الموضوعة في البيت ، كما أن جزء لا يتجزأ من تنشئة الأبناء هو تعليمهم أن يحبوا كلمة الله ، ويميزوا المبادئ الموجودة فيها فهذا يساعدهم على تنمية ضمير صالح يُحْيي في عقولهم ويُطَمئِن قلوبهم أن الله حقيقي ويمكنهم الوثوق به ، كما يزداد دورهما في مساعدة الأبناء ليميزوا ويتجنبوا المخاطر الأدبية الموجودة على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، وتعليمهم كيف يتجنبون الوقوع ضحية للمتحرشين أو أصحاب السوء وغيرها من التعاليم التربوية .
وعن آلية التأديب النافع بعد الإيمان أن تربية الأبناء مهمة شاقة ، فعدم تأديب الأولاد يسهل عليهم مخالفة القوانين ، مما يُجهد والديْهم ، وبالمقابل الأمثل أن يكون التأديب بمحبة واتزان لغرس القيم في تفكير الأولاد بما يهذب أخلاقهم ، مما يمنحهم ثقة بالنفس حينما يكبرون ويصيرون راشدين يُتكل عليهم . وصحيح أن الأولاد قد يكونون لُطفاء لكنهم يميلون إلى التصرف بحماقة لذا يحتاجون إلى التأديب ، والمبدأ الصالح ” لا تمنع التأديب عن الصبي ولا تخف على أولادك من التأديب المتزن ، ولا تتوهم أنهم سيكبرون وهم حاقدون عليك ” فالتأديب بمحبة يعلمهم قبول الملاحظات بتواضع فهم يحتاجون إليه الآن وفي سن الرشد أيضا.
ومن الطبيعي أن يشعر كلا الشريكين أنهما يريدان حماية أولادهم ، وهذا من حقهما لكن الاتزان مطلوب في هذا المجال ، والقصد كأبويْن إذا لفت نظركما أحد الأساتذة أو الراشدين إلى خطأ ارتكبه ابنكما فأنتما لا تحسنان إليه أبدا إذا أعفيتُماه من عواقب فعلته أو حاميْتُما عنه ، و بدلا من ذلك ، اعتبرا هؤلاء الأشخاص حلفاؤكما فبهذه الطريقة يتعلم أولادكم احترام السلطة بشكل عام ، وسلطتكُما أنتما بشكل خاص.
والتوصية للشريكين كونا مُحبان ومُتزنان ولا ترجعا في كلامكما الموحد ، ونعم لا يجب أن تكونا مُتسلطيْن وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تكونا مُتساهلين أيضا ، ويشير كتاب ثمن الجاه والتميز : ” حين يكون الأبوان متساهلان لا يشعر الأولاد أن السلطة في يد والديْهم ” أي أنه في حال لم تفرضا سلطتكما سيظن ولدكما أنه المسؤول ، وسيؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات غير حكيمة تسبب الألم لكما أنتما الاثنين.
وصحيح أن رفاق الأبناء الذين من عمرهم لديهم بعض المعرفة لكنهم لا يملكون المهارات في الحياة والخبرة والحكمة ليساعدوهم على اتخاذ أفضل القرارات ، فالوالدين هما من يُعطيان أولادهم إرشادا يتناسب مع عمرهم كي يكبروا وينضجوا كما يلزم ، والتساؤل الأهم ” لماذا يشعر الأولاد أن علاقتهم برفاقهم أقوى من علاقتهم بوالديْهم ؟ ولعل الإجابة المدروسة تتمثل في عوامل مؤثرة مرتبطة ببيئة المدرسة وما بعد عودة الأبناء منها إلى جانب أسباب مرتبطة بطريقة حياة المراهقين والتسويق المعاصر .
فمثلا في المدرسة عندما يقضي الأولاد معظم وقتهم مع أولاد آخرين يتعلقون بهم ، وفي عائلات كثيرة لا يكون أحد في البيت عندما يعود الأولاد من المدرسة ربما لأن أحد الوالديْن أو كليهما في العمل ، وعندما يصبح الأبناء مراهقين يكونون قد تعودوا أن يعيشوا طريقة حياة يقلدون فيها أبناء جيلهم في اللبس والتكلم والتصرف ، ويصير رأي رفاقهم فيهم أهم من رأي والديْهم ، وما هو أخطر استهداف الشركات التجارية للشباب عبر بث أفكار تسويقية لمنتجات ووسائل تسلية مخصصة لهم ، وهذا يزيد من التباعد بين الوالديْن والأبناء ، وعن الحلول العلمية لتفادي هذا الانهيار المحتمل فعلى كلا الأبويْن/ الوالديْن أن يُبقيا علاقة قوية بأبنائهم كي يؤثران فيهم أكثر من رفاقهم ، وعليهما ألا ييأسا فالخبراء يقولون أن معظم الأولاد والمراهقين يحترمون والديْهم ، ويريدون أن يُرضونَهم .
ومن المهم كذلك أن يقضي الشريكين يوميا وقتا مع أولادهم لممارسة أنشطة مشتركة مثل الطبخ والتنظيف وحتى الفروض المنزلية إلى جانب تخصيص وقت للتسلية واللعب ومشاهدة التلفزيون والأفلام سويا ، ولا ينبغي أن يعتقد الوالديْن قضاء وقت قصير ” نوعيته جيدة ” كاف فالنوعية لا تعوض عن النقص في الكمية ، وكذلك يتحتم عليهما إعطاء أبنائهم نصائح حكيمة فالسائر مع الحكماء يصير حكيما ، وغالبا ما يأخذ الشباب قرارات بناء على خبرتهم المحدودة والنتيجة قد تكون كارثية ولكن إذا سمعوا إرشاد والديْهما يفهمون الأمور بشكل أوضح ، وهذا يساعدهم أن يأخذوا قرارات جيدة ، لذا افعلا أمورا يحبها أولادكم لو لم تكن تحبهونها وتمتعا بالوقت الذي تقضياه معهم وكونا مثالا جيدا لهم ، وصديقان موثوقان بهما ، ومهم أن يشعروا أنكما تريدان مصلحتهم.
وعبر منصة سفير برس الإعلامية يسعدني كمستشار أسري وتربوي التأكيد على نداء خاص للآباء والأمهات – مليء بالإنسانية والعقلانية والعاطفة الرشيدة ، وذلك للمناشدة والتوعية أن البيئة المثالية لا يصنعها طرف واحد حيث لا يمكن لبيت أن يوفر بيئة صحية إذا عمل كل طرف بمفرده لكون تحقيق ذلك ثمرة تعاون حينما يتحول الأب إلى قائد صامت يضع الاتجاه وتصبح الأم شريكة واعية تدعم هذا الاتجاه بروح الحوار والاتفاق، وهكذا يتعلم الطفل أن الحياة ليست صراعا بل شراكة .
وأن المسؤولية صناعة مشتركة تبدأ من ترتيب المسؤوليات الى اتخاذ قرارات صغيرة حيث يبدأ الأب بزرع مسؤولية وتدعمه الأم في المتابعة اليومية ، و هذا التناغم بينهما يشعر الطفل بأن المسؤولية ليست عبئا مفروضا بل ممارسة طبيعية للحياة تماما كما يرى والديْه حين يتقاسمان الأدوار بروح تعاون.
واستنتاجا علينا أن نعي بدور الأب القائد بملائِكِية الروح الصامتة التى يرى عبرها أن مصلحة حياة أبنائه النفسية والاجتماعية تضحية خاصة في قاموس صبره الجميل ضد كل أنواع التوترات الناجمة عن التحديات الطبيعية أو المصطنعة بجهل ممن تمتلك سلطة قانونية هَشة ، فهو دائما يسعى ليترك أثره بقدرته على قيادة الأسرة بتوازن وبالشراكة الصادقة مع أم أبنائه وإن تعذر التواصل المباشر، فهو قائد الأمان العاطفي عبر بث رسائل حياة صامتة تغليبا للحكمة المساندة لأبنائه.
والنداء الأهم المِفْصلي بأن الوالديْن/الأبويْن ينبغي أن يكونا معا فريقا موحدا في تربية أبنائهم حتى بعد الانفصال ، والدعوة الأنضج للنساء المنفصلات أنكن البوصلة التي تُهدئ الأبناء وتمنحهم القوة ليواجهوا العالم بثقة ووعي حين تُدْرِكْن دوركن الحيوي بعدم السماح للاختلافات الشخصية بتقويض دور الأب بل دعم وجوده وحبه في حياة أبنائه فحضوره العاطفي هو الدرع النفسي الذي يحتاجه الطفل لينمو بثقة واستقرار فخلاصة الرسالة أن ” الأب القائد الصامت الذي يترك الأثريستمد قوته من دعم زوجته / أم أولاده ” .
وخلاصة للأب القدوة والمعلم والسند والملاذ أن تكون أبا ناجحا لا يعني أن تكون كاملا بلا عيوب فبمجرد أنك تبذل ما تستطيع بإخلاص فهذا شعور صادق لدعمهم بأنهم ليسوا وحدهم أبدا ، ويكفيك فخرا حين يتكلم بوح صمتك لملحمة صيانة العائلة بصوت القوة والحنان والكلمة المشجعة بما يمنح أبناءك ما يستحقونه من أمان وحب ونمو متوازن ، والنصيحة الغنية بالفيتامين استمر في توازن معادلة المسؤولية والعطاء بالتوازي مع أهمية مكافأة نفسك بالاستراحة الخاصة التي تعزز صحتك النفسية والجسدية متى ما احتجت إليها ، وكأب ليس شرطا أن يكون نجاحك خياليا أو خارقا أو مثاليا فيكفي جهدك الملتزم بزرع الثقة بالصراحة مع الأبناء وإشعارهم أن وجودك ثابت وأمانك حاضر بين قيادة حازمة و حنونة عبر قوانين أسرية واضحة مغلفة بالرحمة والتفهم .
#سفيربرس _ مسقط _ بقلم : سعيد بن عمران المعمري



