السلطة التي ترقص على أنغام الشعب. بقلم: هدى زوين
#سفيربرس _ بيروت
السلطة في جوهرها مسؤولية، وفي حقيقتها عقد ثقة بين الحاكم والمحكوم. لكن حين تنقلب الموازين، وتتحوّل هذه السلطة إلى راقصة تتمايل على أنغام الجماهير، يغدو المشهد أقرب إلى عرضٍ مسرحي منه إلى ممارسة حقيقية للقيادة.
فحين تُتقن السلطة فن “الإيقاع السياسي”، فإنها تعرف كيف تلتقط أصوات الناس لا من أجل الاستماع إليها، بل من أجل تطويعها. تصرخ الشعوب من وجع الفقر، فترد السلطة بأغنية عن “النهضة القادمة”. يطالب المواطن بالعدالة، فترد بخطاب عن “الصبر والمستقبل المشرق”. وحين يعلو صوت الحرية، تُقابلها برقصةٍ جديدة على أنغام الشعارات البراقة.
إنها رقصة بارعة تُبقي الجماهير مأخوذة بالمشهد، لكنها لا تقدّم لهم الخبز ولا العدالة. السلطة هنا لا تخاطب جوهر الاحتياجات، بل تُغطيها بموسيقى تُلهي العقول لحين.
ومن هنا يأتي السؤال
هل الشعب هو المايسترو الغائب؟
المفارقة الكبرى أن الشعب هو من يُفترض أن يكون المايسترو، قائد السيمفونية، وصاحب الصوت الأقوى. لكن حين يُغيب وعيه، ويتحول إلى “جوقة تصفيق”، يفقد دوره الطبيعي. السلطة التي ترقص لا تستطيع أن ترقص إلا إذا وجدت من يصفق، ومن يقبل بأن يكون مجرد متفرج في مسرحية سياسية طويلة.
إن غياب الوعي الشعبي يمنح السلطة مساحة أكبر لممارسة الاستعراض بدلًا من الحكم الرشيد. وهنا يتحوّل الوطن إلى مسرح، والمواطن إلى كرسي فارغ لا يُسمع له صوت إلا في لحظات التصفيق.
لكن متى تتحول الرقصة إلى سقوط؟
قد تنجح السلطة لبرهة في خداع الناس بالألحان والوعود، لكن الشعوب بطبيعتها لا تنام طويلًا. يأتي وقت يصبح فيه الصمت صرخة، والتصفيق صفعة، والأغاني هتافًا غاضبًا. عندها تتحوّل الرقصة التي بدت متوازنة إلى سقوطٍ مدوٍّ.
فالسلطة التي تعيش على التمثيل السياسي تفقد مصداقيتها بمرور الوقت، لأن الشعوب حين تجوع، أو تُهان كرامتها، أو تُسلب حقوقها، لا تعود تنظر إلى الرقصات والخطابات، بل تبحث عن حلول حقيقية تحفظ لها إنسانيتها.
القيادة الحقيقية ليست رقصًا على أنغام الناس، ولا استعراضًا في الميادين الإعلامية، بل هي مسؤولية أخلاقية أولًا، وسياسية ثانيًا. القائد الحق لا يتمايل مع صوت الشعب ليتزين به، بل ينصت إليه ليترجمه إلى سياسات عادلة.
فالسلطة التي تفهم أن قوتها من الشعب، لا عليه، تدرك أن وظيفتها أن تكون مرآة لآماله لا راقصة على جراحه. إن أعظم الأنظمة هي التي تحترم وعي الناس، وتحوّل أصواتهم إلى قرارات، لا إلى موسيقى استعراضية عابرة.
حيث ان السلطة التي ترقص على أنغام الشعب قد تُبهر البعض، لكنها لا تخدع التاريخ. فالتاريخ لا يسجل الخطابات ولا الألحان، بل يسجل العدالة والإنجاز. والشعوب مهما صمتت، ستظل يومًا ما هي المايسترو الذي يُسقط الرقصة، ليعيد التوازن بين الحاكم والمحكوم.
#سفيربرس _ بيروت _ بقلم : هدى زوين _ كاتبة وإعلامية


