إعلان
إعلان

«سُوريَّةُ الاقتصاديَّةُ: مِن ظِلالِ الانهيارِ إلى بَوادِرِ النُّهوضِ» بقلمِ: الدُّكتورِ رَمَضان أحمَد العُمر

#سفيربرس

إعلان

يَدخلُ الاقتصادُ السُّوريُّ عامَ 2025، وهو مُثقلٌ بخمسةَ عشرَ عامًا من الحُروبِ والعُقوباتِ والتَّراجُعِ المؤسَّسيِّ. أدَّتِ الأزماتُ المُتتاليةُ – من الدَّمارِ الواسعِ للبُنيةِ التحتيَّةِ، وانهيارِ العُملةِ المحليَّةِ، وانكماشِ الإنتاجِ، إلى الأزماتِ المناخيَّةِ ومَوجاتِ الجفافِ – إلى تَشكيلِ اقتصادٍ هشٍّ يَعتمِدُ بدرجةٍ واسعةٍ على المُساعداتِ الإنسانيَّةِ والتَّحويلاتِ الخارجيَّةِ. ومعَ ذلكَ، ظهرتْ مؤخرًا مؤشِّراتٌ محدودةٌ على إمكانيَّةِ التَّعافي، من خلالِ استثماراتٍ جديدةٍ، وإعادةِ انفتاحٍ نِسبيٍّ على الأسواقِ الإقليميَّةِ والعالميَّةِ.

والجديرُ بالذِّكرِ أنَّهُ قبلَ عامَ 2011، كان الاقتصادُ السُّوريُّ يَتمتَّعُ بمعدَّلاتِ نموٍّ مقبولةٍ نوعًا ما (5–6% سَنويًّا)، مع قاعدةٍ إنتاجيَّةٍ مُتنوِّعةٍ تَضمُّ الزِّراعةَ (تحديدًا القمحَ والقطنَ)، والنِّفطَ والغازَ، والسِّياحةَ. ولكنَّ الصِّراعَ أدَّى إلى فُقدانِ نحوِ النِّصفِ من النَّاتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ، بالإضافةِ إلى تَراجُعِ دخلِ الفردِ إلى ما دونَ 900 دولارٍ سَنويًّا، وكذلك انهيارِ احتياطيَّاتِ الحُكومةِ السُّوريَّةِ من النَّقدِ الأجنبيِّ، وارتفاعِ البِطالةِ والفَقرِ إلى مستوياتٍ كبيرةٍ.

وتُشيرُ الدِّراساتُ والمعلوماتُ إلى أنَّ المؤشِّراتِ الاقتصاديَّةَ الرَّاهنةَ (2024–2025) تقولُ إنَّ:النُّموَّ: انكمشَ الاقتصادُ بنسبةٍ تُقدَّرُ بـ 1.5% في عامِ 2024، مع توقُّعِ نُموٍّ طَفيفٍ يُقاربُ 1% في 2025، وفقَ تقديراتِ البنكِ الدُّوليِّ.

الفَقرَ: يَعيشُ أكثرُ من 90% من أهالي سُوريَةَ تحتَ خطِّ الفَقرِ، بينهم رُبعُ السُّكَّانِ في فَقرٍ مُدقعٍ.

البِطالةَ: تُقارِبُ 21%، وَفقَ ما قالتهُ الأُممُ المُتَّحدةُ.

التَّضخُّمَ: بَلغَ ما يُقارِبُ 40% في 2024، ممَّا أدَّى إلى تآكُلٍ شَديدٍ في الأُجورِ والقُوَّةِ الشِّرائيَّةِ.

اللِّيرةَ السُّوريَّةَ: فَقدَت أكثرَ من 99% من قِيمتِها منذ عامِ 2011، ويُجرَى تداولُها في السُّوقِ المُوازيةِ عندَ حُدودِ 10–11 ألفَ ليرةٍ للدُّولارِ الواحدِ. ومِن جانبٍ آخرَ، نرى أنَّ الحُكومةَ السُّوريَّةَ تَبحثُ في خيارِ حذفِ صِفرَينِ من العُملةِ السُّوريَّةِ.

ومن مَنظوري الخاصِّ، أرى أنَّ الاقتصادَ السُّوريَّ أمامَ تحدِّياتٍ كبيرةٍ، أبرزُها:

أزمةُ الغِذاءِ والزِّراعةِ:
حيثُ تَعرَّضت البلادُ السُّوريَّةُ إلى جَفافٍ تاريخيٍّ هو الأسوَأ منذ 36 عامًا، نتجَ عنهُ انخفاضُ إنتاجِ القَمحِ بنسبةٍ قد تَصِلُ إلى 40%. وبالمُقابِلِ، فإنَّ سُوريَةَ تَحتاجُ إلى استيرادِ ما يُقارِبُ 2.7 مليونِ طنٍّ من القَمحِ في 2025، ومِن جانبٍ آخرَ يُواجِهُ ما يُقارِبُ 3 ملايينَ إنسانٍ خطرَ الجوعِ الحادِّ.

قِطاعُ الطَّاقةِ:
إنَّ الحَربَ والعُقوباتِ الدَّوليَّةَ التي فُرِضت على سُوريَةَ أوقَفَت مُعظَمَ صادِراتِ النِّفطِ، إلى أنْ تَمَّ في شَهرِ سبتمبر 2025، الإعلانُ عن أوَّلِ شُحنةٍ نفطيَّةٍ رسميَّةٍ منذ ما يُقارِبُ 14 عامًا (600 ألفِ برميلٍ)، وهي خُطوةٌ يُمكنُ اعتِبارُها رمزيَّةً أكثرَ من كونِها طَفرةً إنتاجيَّةً.

التَّضخُّمُ والقِطاعُ النَّقديُّ:
يُمكِنُ القولُ إنَّ التَّضخُّمَ المُرتَفِعَ مُستمرٌّ بفِعلِ ضَعفِ الإنتاجِ المحلِّيِّ في سُوريَةَ، واعتمادٍ واسعٍ على الاستيرادِ، وأزمةِ سيولةٍ حادَّةٍ تُحِدُّ من قُدرةِ البُنوكِ السُّوريَّةِ على تَمويلِ التِّجارةِ والاستثمارِ المحلِّيِّ.

البُنيةُ التَّحتيَّةُ:
خَسائرُ هائلةٌ في قِطاعِ الكَهرباءِ والنَّقلِ والصِّناعةِ والإسكانِ، وبالمُقابِلِ فإنَّ هذا يَتطلَّبُ استثماراتٍ بملياراتِ الدُّولاراتِ. فغِيابُ الكَهرباءِ المُستقرَّةِ يَعوقُ أيَّ نُموٍّ محلِّيٍّ صِناعيٍّ أو زِراعيٍّ.

العُقوباتُ الدَّوليَّةُ والاندماجُ العالَميُّ:
على أيِّ حالٍ، رَغمَ التَّخفيفِ الجُزئيِّ لبعضِ العُقوباتِ الأَمرِيكيَّةِ والأُورُوبِّيَّةِ، ما تزالُ المَنظومةُ الماليَّةُ في الجُمهوريَّةِ العربيَّةِ السُّوريَّةِ في طورِ إعادةِ التَّأهيلِ، باعتقادي الخاصِّ، والمَصارِفُ بحاجةٍ إلى إصلاحاتٍ هيكليَّةٍ لاستعادةِ الثِّقةِ العالَميَّةِ.

ومعَ ذلكَ، فإنِّي أرى أنَّ هناكَ مؤشِّراتٍ إيجابيَّةً وفُرَصًا حقيقيَّةً للنُّهوضِ بواقِعِ الاقتصادِ السُّوريِّ، ومنها:

الاستثماراتُ الخليجيَّةُ:
صَفقاتٌ مع المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ تَتَجاوزُ قيمتُها 20 مليارَ دولارٍ، تَشمَلُ مشاريعَ إسكانٍ، وطاقةٍ، ومطاراتٍ، ومِترو أنفاقٍ. باعتقادي، هذهِ المشاريعُ قد تُوفِّرُ مئاتِ الآلافِ من فُرَصِ العملِ للسُّوريِّينَ، وتُحرِّكُ عَجَلةَ إعادةِ الإعمارِ والإسكانِ للمُجتمعِ السُّوريِّ.

إعادةُ الاندماجِ الماليِّ:
تَفعيلُ نظامِ سويفت مُجدَّدًا يَفتَحُ المَجالَ أمامَ تَدَفُّقاتٍ ماليَّةٍ وتَحويلاتٍ رسميَّةٍ.

الدَّعمُ الدَّوليُّ:
هُناكَ خُطَّةٌ أُمميَّةٌ لتَقديمِ 1.3 مليارَ دولارٍ على شَكلِ مُساعداتٍ إنمائيَّةٍ خلالَ ثلاثِ أعوامٍ، في مَجالاتِ الطَّاقةِ، والتَّشغيلِ، والحَوكمةِ.

النِّفطُ والطَّاقةُ:
إنَّ استِئنافَ تَصديرِ النِّفطِ يُتيحُ موردًا من العُملةِ الصَّعبةِ، ولو كانَ مَحدودًا في المَراحلِ الأُولى.

توقُّعاتٌ مُستقبليَّةٌ

سِيناريو التَّعافي الحَذِرِ:
استِمرارُ النُّموِّ عندَ 1–3% سَنويًّا، ويَعودُ ذلكَ إلى الدَّعمِ الدَّوليِّ والمشاريعِ الاستثماريَّةِ الكُبرى، لكن دونَ قُدرةٍ على تَعويضِ خَسائرِ الماضي بشكلٍ سريعٍ.

سِيناريو التَّعافي السَّريعِ:
يتحقَّقُ في حالِ اتَّسعت صادِراتُ النِّفطِ السُّوريِّ، وتدفَّقَت استثماراتُ إعادةِ الإعمارِ، مع إصلاحٍ نقديٍّ ومَصرفيٍّ مبنيٍّ على أُسُسٍ وخُطَطٍ واستراتيجيَّةٍ جادَّةٍ. وفي هذهِ الحالةِ يُمكنُ مُضاعفةُ النُّموِّ لِستَّةِ أضعافِ المُعدَّلِ الحاليِّ.

سِيناريو النُّكوصِ:
في حالِ لم تَنجَحِ الاستثماراتُ، وظلَّت حالاتُ الجفافِ، والأزماتُ الغِذائيَّةُ، قد يَعودُ الاقتصادُ السُّوريُّ إلى الانكماشِ والاعتمادِ المُفرِطِ على المَعوناتِ.

وأخيرًا، يُمكنُنا القولُ إنَّ الاقتصادَ السُّوريَّ الحاليَّ (2025) يَقِفُ على مُفترَقِ طُرُقٍ: بينَ واقِعِ الانكماشِ العَميقِ والتَّحدِّياتِ والمُعوِّقاتِ المُعقَّدةِ، وبينَ فُرَصِ التَّعافي المدعومةِ بالاستثماراتِ الاقتصاديَّةِ الخليجيَّةِ، بالإضافةِ إلى التَّخفيفِ الجُزئيِّ للعُقوباتِ الغربيَّةِ. إلَّا أنَّ التَّعافي المُستدامَ يَحتاجُ إلى أكثرَ من مُجرَّدِ تَدَفُّقِ أموالٍ؛ فهو يَحتاجُ إلى إصلاحٍ مؤسَّسيٍّ جَذريٍّ يَطالُ القِطاعَ النَّقديَّ والمَصرفيَّ، ويَتطلَّبُ شَفافيَّةً في إدارةِ المواردِ، بالإضافةِ إلى تعزيزِ الأمنِ الغِذائيِّ من خلالِ الاستثمارِ في قِطاعِ الزِّراعةِ والمِياهِ. وغيرَ ذلكَ، ستظلُّ بَوادرُ الانتعاشِ مُؤقَّتةً، وقد يَتأجَّلُ حُلمُ الاستقرارِ الاقتصاديِّ السُّوريِّ لِسنواتٍ أُخرى…

#سفيربرس _ بقلمِ:  الدُّكتورِ رَمَضان أحمَد العُمر

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *