إعلان
إعلان

“صلة ما تبقى لكم” البقاء في وجه الإبادة بعيون معاصرة

سفير برس _ ندى اسكندر

إعلان

في الحادي والعشرين من سبتمبر ٢٠٢٥، شهد مركز مرايا للفنون في الشارقة افتتاح معرض (صلة… ما تبقّى لكم)، الذي جاء ليكرّس مساحة استثنائية للتطريز الفلسطيني باعتباره أكثر من ممارسة تقليدية أو حرفة نسائية متوارثة، بل لغة بصرية وأرشيفًا حيًا للهوية والذاكرة والمقاومة. فمنذ أجيال بعيدة ظل التطريز الفلسطيني يحمل في طياته حكايات القرى وألوان الطبيعة ورموز الانتماء، حيث كانت كل غرزة تترجم علاقة المرأة الفلسطينية بمكانها وبيئتها وتختزن في نسيجها ذاكرة المكان والزمان، حتى بات كل ثوب مطرز وثيقة اجتماعية وتاريخية يمكن قراءتها مثل كتاب مفتوح على السيرة الفردية والجماعية في آن واحد.

وفي زمن تتعرض فيه الهوية الفلسطينية لتهديدات متواصلة من التهجير والاقتلاع، وبخاصة في ظل الدمار الذي يعيشه قطاع غزة، يكتسب التطريز معنى جديدًا يتجاوز حدود الزينة ليصبح فعل مقاومة وصمود. إذ لا تزال النساء الفلسطينيات اللاجئات في المخيمات يمارسن هذه الحرفة في ظروف قاسية، مستعيضات بالإبرة والخيط عن غياب الوطن، وحافظات عبرها على ما تبقى من الروابط بالذاكرة الجمعية. إنهن يثبتن أن التطريز ليس مجرّد ممارسة موروثة، بل فعل بقاء يُحاك غرزةً غرزةً في وجه المحو، ليغدو ثوبهن المطرز بيانًا صامتًا لكنه شديد التعبير عن الاستمرارية والهوية.

المعرض الذي افتتحه مرايا للفنون بالتعاون مع 1971 – مركز للتصاميم، وبمشاركة مؤسسة سلسلة معارض (صلة) رولا العلمي، جاء ليعيد تقديم هذا الفن التراثي ضمن رؤية معاصرة تسعى إلى ربط الماضي بالحاضر وإبراز الديناميكية التي يتمتع بها التطريز الفلسطيني. وقد جمعت نسخة هذا العام خمسةً وعشرين فنانًا وفنانة من فلسطين والعالم العربي والمهجر، ممن أعادوا تخيّل التطريز كلغة فنية متجددة قادرة على التحول إلى أشكال بصرية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للثوب أو القطعة المطرزة، لتظهر في لوحات تركيبية ومنحوتات وأعمال فوتوغرافية وسمعية وبصرية. بعض هذه الأعمال جاء نتيجة تعاون مباشر مع مطرّزات من جمعية (إنعاش) في لبنان، ما أضفى على المعرض بعدًا إضافيًا يقوم على التبادل المعرفي ونقل المهارات بين الأجيال، مؤكدًا أن هذا الفن لا يزال قادرًا على الاستمرار رغم الشتات وتفكك الجغرافيا.

عنوان المعرض (صلة) لم يكن اعتباطيًا، بل جاء ليؤكد معنى الارتباط بوصفه فعلًا يوحّد الأزمنة والقصص والأجيال. فالخيوط التي تشكل الزخارف المطرزة ليست مجرد عناصر زخرفية بل روابط تصل بين الفرد والمكان، بين التاريخ والذاكرة، وبين التراث والابتكار. وبذلك يتحول المعرض إلى مساحة تتيح قراءة هذه الصلة المتجذرة والمتجددة في آن واحد، حيث يظهر التطريز كفن حي يتجاوز الشكل الجمالي ليصبح أداة للتعبير الثقافي ووسيلة لتعزيز التضامن.

رولا العلمي، مؤسسة سلسلة معارض (صلة)، عبّرت عن هذه الفكرة بقولها إن “صلة هي تحية للتطريز الفلسطيني بوصفه لغة قوية للمقاومة والاستمرار، تربط بين الماضي والحاضر، الحرفة والفن، التقليد والحداثة”، مضيفة أن هذا المشروع بالنسبة لها ليس سوى خيط آخر في شبكة الانتماءات التي تربط الفلسطينيين بهويتهم وببعضهم البعض، وهو بمثابة أرشيف حي حيث يلتقي الحميمي بالكوني، وتلتقي المهارة الموروثة بالرؤية المعاصرة. ومن جهتهما أوضحت القيمتان سيما عزام ونور سهيل أن الهدف من المعرض هو تقديم التطريز بوصفه لغة تصميم معاصرة، تكشف ديناميكيته وتثبت أنه شكل متجدد من أشكال التعبير الثقافي قادر على أن يربط الحرفة بالفن والصمود بالإبداع والماضي بمستقبل متخيل.

بهذه الرؤية لا يقف المعرض عند حدود استعادة الرموز التقليدية أو إعادة إنتاج الأثواب التراثية، بل يقدّم مقاربة نقدية وجمالية جديدة ترى في التطريز مساحة لإعادة تخيّل الهوية الفلسطينية في ضوء التحديات الراهنة. ومن خلال الأعمال المعروضة يتضح أن الفنانين المشاركين لا يتعاملون مع التطريز كمادة تراثية جامدة، بل كممارسة حيّة قابلة للتطوير والتفكيك وإعادة البناء، ليصبح التطريز وسيطًا معاصرًا للتعبير عن قضايا مثل المنفى، والذاكرة، والهوية، والمقاومة.

إن (صلة. ما تبقّى لكم) ليس مجرد معرض فنون بصرية، بل هو منصّة ثقافية تؤكد أن الفن قادر على أن يكون شاهدًا وفاعلًا في الوقت نفسه. فهو يوثق الماضي لكنه ينفتح على المستقبل، يحافظ على الموروث لكنه يعيد إنتاجه بأدوات معاصرة، وهو في النهاية يذكّر أن الثقافة الفلسطينية قادرة على مواجهة محاولات التغييب والإلغاء، وأن خيوط التطريز يمكن أن تقاوم النسيان مثلما تقاوم الهوية الفلسطينية محاولات المحو.

ويستمر المعرض في مركز مرايا للفنون حتى الخامس من يناير ٢٠٢٦، ليبقى مساحة مفتوحة للتأمل والحوار، ومناسبة للتأكيد على أن الفن لا ينفصل عن سياقه التاريخي والسياسي، بل ينهض دائمًا بوصفه صوتًا آخر للمقاومة وذاكرة حيّة قادرة على أن تحكي ما تبقى لنا جميعًا.

سفير برس- ندى اسكندر 

إعلان
إعلان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *