إعلان
إعلان

(معركة تلو الأخرى).. ومواجهاتٌ مستمرة. بقلم : لميس علي

#سفيربرس

إعلان

بخطٍ درامي تشويقي متصاعد تسير أحداث فيلم (معركة تلو الأخرى، One battle after another) إنتاج ونص وإخراج الأمريكي بول توماس أندرسون.
لن تخفت وتيرة مفاجآته لمدة زمنية تزيد عن الساعتين والنصف، التي تمتلئ بحبكة هي خليط من أنواع درامية عديدة. فثمة شيء من واقعية إلى جانب النفسي إلى الكوميدي مع خليط لا يبتعد عن الغرائبي.
يمكن أن نطلق على الفيلم توصيف “الملحمي”، ليس لضخامة إنتاجه ولا لاستغراقه بتصوير فترتين زمنيتين.. بل لتميز المضمون الذي يمسك بعمق أفكار لم تباشر إلا بنسبة بسيطة وهنا تبدو إحدى جماليات الفيلم الذي يرصد مواجهات إحدى المجموعات الثورية السرية، أعضاؤها بغالبيتهم من العرق الأسود، مع ضابط في الشرطة يمثل توجهات الحكومة لاسيما بما يخص المهاجرين على الحدود المكسيكية الأمريكية.
في هذه المعركة تحديداً، تبدأ لحكاية الفتاة الثائرة (بيرفيديا، تيانا تايلور) برفقة صانع المتفجرات (بوب، ليوناردو ديكابريو) إلى جانب رفاقهما الثائرين ضد عنصرية الحكومة وفاشيتها العصرية “المخبأة”، متمثلةً بشخصية الضابط (ستيف لوكجو، شون بن) الذي تميّز بأداء “لافت” يظهر انحراف السلطة، ما يعني أنه كان رمزاً قدّم دوره بتكثيف أدائي “جسدي” يوحي بانحلال من يمثلون ويطبّقون عنصرية فئة تتحكم بسير الأمور في الخفاء بمراكز القوى عالمياً.
في المعركة الأولى ستكون النتيجة لصالح “المجموعة الثائرة”.. ثم تالياً في معركة أخرى سيتمكن “لوكجو” من إلقاء القبض على “بيرفيديا” التي تشي بأصدقائها.. وبسبب ذلك سيهرب “بوب” الذي أصبح زوجها مع طفلتهما.
ينتقل زمن الفيلم إلى فترة لاحقة مختصراً ستة عشر عاماً.. وبهذا تنتقل أجواء العمل من مواجهات ثورية إلى نوع آخر من صراعٍ لأجل البقاء هذه المرة، وهو ما مثّله خوف الأب بوب على ابنته “ويللا”.. ليظهر مرة أخرى “لوكجو” باحثاً عن الفتاة التي اعتقد أنها ابنته وبالتالي هي تهدد مستقبل ترقيته ضمن جماعة سرية “عنصرية”.. وبهذا تنتقل المعارك إلى مستوى آخر.
ثمة حالة من تمايز بين الفترتين الزمنيتين تقصّد المخرج إظهاره تعبيراً عن تباين المزاج والأفكار التي كانت سائدة في كلا المرحلتين.
فبينما أُشبعت الفترة الأولى بمشاهِد وأفكار ثورية، حتى على صعيد “علاقة الحب” بين  (بيرفيديا وبوب).. ذهبت الفترة الثانية لتبدو بإيقاع عصري أكثر تمّ التعبير عن مواجهاتها بأسلوب الكوميديا السوداء.. فمشاهد المطاردة بحثاً عن “ويللا” وهروب “بوب” قُدمت بطريقة تميل لرصد مفارقة تمزج ما بين جدية الوضع وخطورته مع تمرير هامش من أداء كوميدي مضبوط من قبل (ديكابريو) أبدع به، بالإضافة للموسيقا التصويرية التي راقصت إيقاع الأداء في هذا جزء من العمل وأضافت إليه بُعداً ساخراً.. وكأنها تسخر من سياسة بلدٍ قائم على (التمييز العنصري) بأعماقه.
إحدى أهم نقاط القوة في (معركة تلو الأخرى) تكمن برمزيته التي جاءت بخفة ورشاقة متقنة من قبل المخرج. على سبيل المثال مشهد الدهليز الذي يدخل منه أحد رجال الجماعة “السرية العنصرية” للقاء قادة جماعته، وكأن أندرسون يوحي من خلاله بإشارة إلى دهاليز السياسة العالمية التي تخفي نبرة فاشية وعنصرية تؤمن بتفوق فئة من البشر على البقية.
أيضاً، اشتمل  السيناريو على تلميحات نصّية قوية تختصر وتختزل الكثير من المضامين التي أراد الفيلم مقاربتها، كما عبارة “بوب” في حديثه عن التاريخ مع إحدى مدرّسات ابنته متسائلاً هل تدرّسون النسخة الصحيحة..؟
وأخيراً.. الانتقال من معنى (المعركة أو الثورة) إلى بُعد آخر غير الذي بدأ به العمل إيحاءً إلى أن معركة الثورة الحقيقية تبقى قائمة في مواجهات الحياة عموماً.. ولهذا كان العنوان (معركة تلو الأخرى) دلالةً على الاستمرارية والديمومة في تقديم المعنى (الثائر، المختلف، والمغاير) لِما هو سائد.

#سفيربرس _ بقلم : لميس علي

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *