بين المخاض و الإحتضار _ بقلم : د. سناء شامي
#سفيربرس _إيطاليا
ضمن هذا المحيط الهائج للسياسة في العالم إلى أن تسير المجتمعات؟ هل النماذج الإجتماعية التي قادت تفكيرنا منذ القرن التاسع عشر في طريقها للأفول؟
في عالم تهشّمت فيه الروابط الجماعية، وتراجعت فيه فاعلية الدول، وتقدّمت الفردية على الجماعة، هل هذا سوف يلغي دور المجتمع بوصفه كتلة متجانسة، و سيمنح الذات التي تبحث عن المعنى، وتطالب بالحقوق، وتخوض مواجهتها الخاصة مع الأنظمة والمؤسسات، دوراً أكثر فاعلية؟
في الوطن العربي هناك تحوّلات جذرية تحدث، إنطلاقاً من تآكل البنى الجماعية، إلى صعود الهويات، إلى عودة الذات كفاعل مركزي في السياسة والثقافة، هل هذه مؤشرات لبدء ذوبان هذه المجتمعات العربية؟
هل هناك من يقلق لما يحدث من تغيرات بنيويه، أو مَنْ يُشخّص الأزمات التي تمر بها هذه المجتمعات من أجل الحد من التهمّش المجتمعي و الأُسروي، الذي بدأ يحفر أخاديده داخل المجتمعات العربية، و من أجل منع الوصول إلى الإنهيار و تلف الجذور؟
هل حقاً المجتمعات العربية، كنسيج من العلاقات والتمثيلات والمؤسسات، تستطيع أن تواجه المتغيرات و تجدد نفسها و تتأقلم مع الحداثة دون أن تمحق وجودها؟
لم تعد تُشكّل المجتمعات الغربية إطاراً يفسّر أفعال الأفراد، بل أصبح هؤلاء الأفراد يتصرّفون خارج الصيغ الاجتماعية التقليدية، في عالم تحكمه الأنظمة التقنية، والعولمة، وتفتت الروابط الجماعية، فهل المجتمعات العربيه ذاهبة بنفس الإتجاه؟
فها هي طبقات المجتمع تتفكك، و الدولة القومية في إحتضار شديد، و أعتقد بأنها دخلت في الحالة السريرية، و القطيعة بين الأنظمة والفاعلين في مجتمعاتهم قد باتت واضحة، و المجموعات المهنية تشرذمت فيما تزداد سيطرة الأنظمة التقنية الإقتصادية الباردة التي تعير الحسابات إهتمامها على حساب المجتمع، و هذا ساهم في دفع الفرد نحو عيش في حالة الإنفصال: فالأنظمة تعمل من الأعلى لحساب بعضها البعض، والأفراد من الأسفل يتحركون، بلا لغة مشتركة بينهم.
الفرد اليوم لا يتحرّك داخل أطر اجتماعية منظمة، بل داخل شبكات، هويات مرنة، جماعات ضبابية، وفضاءات افتراضية، محوّلاً بذلك الفعل من عمل إجتماعي إلى نشاط ثقافي فردي، يمارسه كهواية ربما و ليس أكثر، تتحكم بنشاطه هذا فكرة اللحظة، أي يقوم بتحليل الأحداث عبر الذات، و إختياراته الفردية
نعيش انتقالًا تاريخيًا: من مجتمع يحدّد الأدوار إلى عالم يتحدد فيه كل شيء عبر الخيارات الذاتية، التي صارت هي الفاعل الجديد الذي يمارس المقاومة اليومية عبر الإستهلاك، الممارسات الثقافية، والإختيارات الأخلاقية بمعايير اللحظة، و بذلك يُفرّغ الفعل من معانيه الفاعلة و حركته الثورية، و يتحول إلى أفعالاً تراكمية، تتبع مسار الحداثة لتُأنّث العلاقات، و تغتال الذكورة و تُظهرها و كأنها مصدر لسلطة العنف…فيسقط مفهوم الرب: رب الأسرة، رب العمل، و رب الكنيسة و الجامع و المعابد تدريجياً تُفرغ، لأن الرب يتمّ إغتياله، بإغتيال مفهوم الذكورة، ففي جميع الأساطير كانت الآلهة أولاً ذكرية، و الآلهة الأنثى غالباً ما تكون زوجة الإله الذكر، و هذا ما حدث تماماً في الغرب المتعب، فرغت كنائسه من المتعبدين، بإستثناء السوّاح الذين يزورن جدران الكنيسة للتمتع بجمالها العمراني و التاريخي. كل هذه التغيرات تزيل الحدود: الحدود بين الدول، الحدود بين الجنسين، و يصبح تأنيث الذكر و عكسه مسألة حرية شخصية، الحدود بين الصح و الخطأ و بين الحرام و الحلال و بين الأبيض و الأسود، و يُصبح إنفتاح الذات على الآخر شرطاً حتمياً لفعلها، و بذلك تتحول الصراعات الجديدة من طبقية إلى هويّاتية، و الهوية نفسها تبدأ بالذوبان، عندما تحاول الذات إعادة بناء نفسها، تاركةً للسوق و الإعلام و النزعات الشمولية، دور المؤثر الأكبر فيها، و تتحول القيم لتصبح ممارسات يومية مُحرّكها الأساسي الإستهلاك، و تتقزم الروابط الإجتماعية، فتأخذ شكل حركات إجتماعية صغيرة، تطفو على السطح من غير عمق، تسبح في بحيرة الدفاع عن حقوق الإنسان، و النشاطات الثقافية الأفقية المسطحة… ضمن هذه التحولات، تصنع الذات الحديثة معايرها الأخلاقية خارج الأطر الدينية والإجتماعية التقليدية، و حداثة المعايير نفسها هي التي تحاصر الذات لتخنقها ببطئ. لماذا يحدث كل هذا؟ لأن الغرب صانع الحداثة فقد مركزيته، و جاءت
العولمة النيوليبراليه لتقوّض الحرية التي جاءت بها الحداثة المنتجة لنظام بلا فاعلين، و لتلغي دور الدين كمُنظّم إجتماعي، و تحوّله إلى مجرد فضاء تبحث فيها الذات عن روحها. إن المجتمعات في تفكك، و لم تعد إطاراً للتمثيل، و الفرد صار مركز الفعل و يحاول الدفاع عن قيم الحرية والكرامة في عالم تسوده الأنظمة التقنية و العولمة، و القطيعة بين الأنظمة والفاعلين باتت واقع تزداد فيه، يوماً بعد يوم، سيطرة الأنظمة التقنية–الاقتصادية، و بالتالي يعيش الفرد حالة انفصال و إنفصام، فالنظام يعمل من فوق، والأفراد يتحركون من تحت، بلا لغة مشتركة.
الفرد اليوم لا يتحرّك داخل أطر إجتماعية منظمة، بل داخل شبكات، هويات مرنة، جماعات ضبابية، وفضاءات افتراضية.
يجب على المجتمعات أن تصحو و تستوعب بأن العولمة الاقتصادية الليبرالية وأسواقها الحرة ليست مساراً حتمياً للتقدم البشري، بل هي مشروع محفوف بالمخاطر الإجتماعية والسياسية، و بأن النموذج الأمريكي للرأسمالية الحرة يقود إلى عدم المساواة، تدمير المؤسسات الاجتماعية، وزعزعة الإستقرار، في حين أن الإقتصادات الإجتماعية المحلية والثقافية في أوروبا وآسيا تُظهر أن طرق التنمية متعددة ومتنوعة. يجب على المجتمعات أن تدافع عن تنوعها الإقتصادي والثقافي وتعدد أشكال الرأسمالية، بدلاً من أوهام السوق الحر المطلق، فالأسواق الحرة ليست طبيعية بل هي خلق سياسي و تقني، بينما الأسواق الإجتماعية المدمجة في المجتمعات الأوروبية أكثر استقراراً لأنها تراعي القيم الأخلاقية و الثقافية لكل مجتمع.
إن العولمة اليوم و التوحيد الإقتصادي للعالم، لن يخدم المجتمعات و سيزيل تنوعها، إلا إنه من خلال التكنولوجيا سيخلق أنواع جديدة من الرأسمالية، إذا سعت الرأسمالية، عبر العصور، إلى تجديد نفسها، و هندسة المجتمع بما يناسب أسواقها، و خير مثال على ذلك ما حدث في بريطانيا في فترة حكم تاتشر، إذ أدت توسعاتها الإصلاحية إلى تقوية نفوذ الدولة و تدمير الروابط، إنخفاض مستوى الخدمات العامة و إتساع التفاوت الطبقي بين أفراد المجتمع… كما هو حال الرأسمالية الأمريكية أيضاً، إذ تُركّز على الإنتاجية على حساب القيم و المجتمع، و هذا ما أدى إلى إنتشار الجريمة بسبب التفكك العائلي و التفاوتات المجتمعية الحادة…
و من يظن بأن النموذج الرأسمالي الليبيرالي الغربي لا يمكن تجاوزه أو لا بديل له، فهو مخطئ، و مثال على ذلك تقدم الإقتصاد في اليابان و تايوان و الصين مقترناً بالحفاظ على التقاليد و الترابط العائلي و الإجتماعي
إن التمسك بالموديل الإقتصادي العلماني الرأسمالي نيوليبيرالي، سيؤدي إلى المزيد من الإضطرابات و التصدعات الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية في العالم، و هذه التصدعات و الزلازل، هي جلية اليوم في المجتمعات العربية، و الرأسمالية المالية الجديدة تقتل إقتصادها و تسرق ثرواتها و تعتمد سياسة المضاربات و الديون وسلاحها الأول تقنياتها و تكنولوجياتها الذي لا يمكن للمجتمعات العربية أن يكون لها دور فاعل فيها، الثروات تنفصل عن قيمة العمل و تتحول المنظومة المالية إلى مارد متوحش يصنع الثراء عبر إفقار المستقبل، و ضمن هذه التحولات العميقة للعالم، تبدو المجتمعات العربية وقوداً لإستراتيجيات لا يستطيعون أن يكونوا فاعلين فيها، أو مدركين لمحتواها، أو لديهم مخططات إقتصادية و سياسية و إجتماعية يستطيعون من خلالها تدارك الهاويه…يقول الفيلسوف الفرنسي فريدريك غرو: ” الطاعة ليست فضيلة طبيعية، بل بناء سياسي و أخلاقي يتحول عبر التاريخ إلى آلية لإخضاع البشر و تعطيل قدرتهم على المقاومة، و أن لحظة قدرتنا على قول لا، في السياسة و في الأخلاق و في حياتنا اليومية، هي الشرط الضروري لإستعادة إنسانيتنا”.
#سفيربرس _إيطاليا _ بقلم : د. سناء شامي



