أيام قرطاج المسرحية 2025… دورة تُعيد المسرح إلى الشارع وتكشف شروخ المشهد العربي
#سفير_برس - نورس برو - تونس

عادت أيام قرطاج المسرحية في دورتها السادسة والعشرين لتشعل العاصمة التونسية بحيوية عروضها، وتعيد للنقاش المسرحي وهجه القديم، تحت شعار «المسرح وعي وتغيير… المسرح نبض الشارع». شعارٌ يبدو للوهلة الأولى شاعرياً، لكنه يختزن رغبة صريحة في إعادة المسرح إلى موقعه الأصلي: مساحة مقاومة واحتجاج، ومنبر يلتقط نبض الناس قبل أن يتحول إلى عرض ثقافي مناسباتي.
هذه الدورة قدمت ببرمجة تجاوزت 80 عرضاً من تونس والعالم العربي وإفريقيا وأوروبا، موزعة بين المسابقات الرسمية، العروض الموازية، المسرح الحر، عروض الأطفال واليافعين، والعروض القادمة من السجون ومراكز التأهيل. برمجة عريضة، مشتهاة من جهة، ومثار تساؤل نقدي من جهة أخرى: هل ما زال المهرجان قادراً على ضبط بوصلته وسط هذا الاتساع؟
الافتتاح… حين يعود “الملك لير” إلى خشبة الوعي
افتُتحت الدورة بعرض ضخم لمسرحية «الملك لير» بطولة الفنان المصري يحيى الفخراني. اختيار العمل ليس صدفة، ولا هو مجرد نزوع نحو الكلاسيكيات. فالقراءة المعاصرة التي حملها العرض لمأساة السلطة والتصدّع النفسي والخيانات العائلية، بدت كأنها مرآة لواقع عربي يخوض صراعات تشبه صراعات لير، وإن اختلفت الأزياء والسيوف والأقنعة.
وفي الشارع الرئيسي للعاصمة، بدأت الاحتفالات بعرض موسيقي جمع الأنغام التونسية والإفريقية والعربية، ليعيد المهرجان نفسه إلى الرصيف الشعبي، حيث لا تحتاج الجماهير إلى بطاقات دعوة كي تشاهد المسرح.
برمجة واسعة… تلتقط تعددية المسرح التونسي والعربي
قدمت تونس هذا العام حضوراً قوياً، منها عروض: «الهاربات» لوَفاء التبوبي، «Jacaranda» لنزار السعيدي، وعروض أخرى من تجارب نسوية وشابة.
في المسابقة الرسمية، شاركت 12 مسرحية عربية وإفريقية، بينها أعمال من العراق، ليبيا، السعودية، بوركينافاسو والسنغال.
أما “المسرح الحرّ” — وهو قسم أصبح أحد أكثر أقسام المهرجان حساسية وإثارة للجدل — فضم عروضاً من داخل السجون ومراكز الإصلاح. خطوة يرى فيها كثيرون تأكيداً على أن المسرح ليس امتيازاً نخبوياً، بل أداة لتحرير الصوت، حتى لو كان صاحبه خلف الجدران.
وللطفل نصيبه أيضاً، عبر برمجة تتوجه إلى التربية الفنية المبكرة، في محاولة لزرع علاقة طويلة الأمد بين الأجيال الصاعدة وفن الخشبة.
المنتدى الفكري… تنفسٌ بعمق داخل الأسئلة الكبرى
من 24 إلى 26 نوفمبر، انعقد المنتدى الفكري بعنوان «الفنان المسرحي: زمنه وأعماله»، وشارك فيه أكاديميون ومخرجون وكُتّاب من تونس والعالم العربي.
طرح المنتدى أسئلة من وزن كبير:
– ما الذي تعنيه مقاومة الفنان اليوم؟
– هل ما زال المسرح قادراً على التأثير في زمن الإعلام الرقمي؟
– وما هي مسؤولية الفنان إزاء الصراعات السياسية والاجتماعية؟
ورغم أهمية العناوين، إلا أن المنتدى لم ينجُ من الانتقادات، إذ رأى بعض المشاركين أن الطابع الأكاديمي طغى على الحوار، وأن النقاش ظلّ معلقاً فوق الرؤوس دون أن يغوص في تجارب الفنانين اليومية ومعاركهم الواقعية.
الوجه الآخر…
لا يكتمل الحديث عن أيام قرطاج المسرحية دون المرور بالزاوية النقدية، خاصة وأن هذا المهرجان بالذات اعتاد أن يكون مرآة لمزاج المسرحيين وأحلامهم وخيباتهم.
1. وفرة العروض… نعمة أم عبء؟
أكثر من ثمانين عرضاً في أسبوع واحد تبدو كثافة لافتة، لكن بعض المسرحيين يرونها كثافة بلا سياسة فنية واضحة. إذ يصعب — حتى على المتخصصين — متابعة ما يكفي من العروض كي يتشكل رأي شامل. وتُطرح هنا معادلة معاكسة: كم يحتاج المهرجان إلى التخفيف من الكم كي يرفع مستوى الفرز والاختيار؟
2. تكافؤ الفرص غائب… رغم وجود الجميع على الورق
كثير من الفرق الشابة تشكو من أن مشاركتها في البرنامج لا يرافقها دعم تقني أو إعلامي يوازي مشاركات أخرى ذات إمكانيات أكبر. بعضهم قال صراحة إن وجودهم في المهرجان “ديكور تنوّع”، وليس احتضاناً حقيقياً.
3. غياب الحضور السوري… سؤال أكبر من مجرد “دعوة”
من الملاحظ هذا العام غياب أي مشاركة سورية في أيام قرطاج المسرحية 2025، وهو غياب أثار تساؤلات داخل الوسط المسرحي العربي، لأن المسرح السوري — تاريخياً — كان أحد أعمدة التجربة العربية في الإخراج، الكتابة، التمثيل، والبحث الجمالي.
هذا الغياب لا يمكن المرور عليه باعتباره صدفة تنظيمية، بل هو نقطة نقص واضحة في دورة تُفاخر بالتنوع والانفتاح.
ففي حين فتحت إدارة المهرجان أبوابها لفرق من ليبيا والسعودية والعراق ودول إفريقية، بقي المسرح السوري — بكل تراكمه وعلله وابتكاراته — خارج الصورة.
هل المشكلة في الدعوات؟ في صعوبات السفر؟ في تراجع الإنتاج السوري بفعل الظروف؟ أم في غياب سياسة ثقافية عربية تُعامل الفنان السوري كجزء من المشهد لا كمسافر دائم على تخومه؟
فحين يغيب المسرح السوري، يغيب جزء من روح المسرح العربي نفسه، ذلك الجزء الذي مزج الواقعية القاسية بالشعر، والضحك المرّ بالتراجيديا اليومية، وصنع أسماء أثّرت في المنطقة لعقود.
ورغم أنّ هذه الإشكالات لا تُلغي القيمة الفنية للمهرجان، لكنها تظلّ نقاطاً يجب معالجتها كي يحافظ JTC على مكانته كأحد أهم التظاهرات المسرحية في المنطقة.
المعنى الحقيقي لهذه الدورة: المسرح كفعل مقاومة
ما يلفت في دورة 2025 هو أنها تسعى إلى إعادة تعريف المسرح في زمن مضطرب. فالعالم العربي يعيش تحوّلات سياسية واجتماعية كبيرة، وتونس تواجه بدورها تحديات اقتصادية وسياسية تنعكس على المشهد الثقافي. في هذا السياق، يظهر المهرجان كحاجة جماعية، وليس مجرد احتفال.
تبرز هذا العام مساحة واسعة للقضية الفلسطينية، سواء في الخطاب الرسمي أو في الانعكاسات الرمزية داخل بعض الأعمال. المسرح هنا يصبح، من جديد، مساحة ضمير، لا وسيلة ترفيه عابرة.
خاتمة: بين الضوء والظل… مهرجان لا يزال مهماً
يبقى هذا المهرجان واحداً من أهم الظواهر الثقافية في المنطقة: مساحة يتقاطع فيها الفن مع الوعي، والاحتفال مع النقد، والضوء مع الظل.
وربما هنا تكمن أهميته: أنه لا يقدم صورة مصقولة، بل صورة حقيقية… صورة مسرح يعيش ويُقاوم، تماماً مثل الناس الذين يصعدون على خشبته.
#سفير_برس – نورس برو – تونس




