كتب زياد ميمان : دخول المكتبة ليس كالخروج منها

سفير برس – زياد ميمان
خلال دراستي الجامعية في قسم الصحافة في كلية الآداب بجامعة دمشق(١٩٩٥-١٩٩٩)، كنا نتردد كثيراً إلى المكتبة الوطنية بدمشق لنأخذ من الكتب والمراجع ما يغني حلقات البحث التي كان يكلفنا بها الدكاترة في القسم.
مرة نذهب مجتمعين ومرة يذهب كل واحد بمفرده حسب وقت كل منا، ولا ندخل المكتبة إلا بعد أن أعطونا بطاقة اشتراك مكتوب فيها اسمنا واختصاص الدراسة وصورة شخصية لكل واحد منا ورقم تسجيل.
خلال سنوات الدراسة الأولى يحق لنا نحن طلاب السنة الأولى والثانية الدخول إلى قاعة معينة وفي السنة الثالثة والرابعة يمكن لنا الدخول لقاعة أخرى.
خلال السنة الاولى كنت ارتبك من الكثير من المواقف التي تحدث معي، وأنا الذي جئت إلى العاصمة من قرية في آخر ريف دمشق، معتاد على جوها وطبيعتها وطبيعة أهلها، ولكن بانتقالي إلى دمشق للدراسة تغيرت عليّ الحياة ، وتتطلب مني الأمر التأقلم مع الحياة في العاصمة والحياة الجامعية التي لم تكن معروفة لي من قبل، كوني أول شخص من أسرتي أدرس في الجامعة، على الرغم من وجود أصدقاء كثر كانوا يدرسون في الجامعة من قريتي وقتها، لكني لم أكن ادخل معهم بتفاصيل دقيقة عن الجامعة وعن الحياة الجامعية، فبقيت الجامعة مجهولة لي بعض الشيء، حتى دخلت الجامعة وبدأت اتعرف عليها وأتعرض للكثير من المواقف التي حدثت معي ومنها موقف خلال السنة الدراسية الأولى وكان ذلك في مكتبة الوطنية
بعد ان منحونا بطاقات الدخول قررت أن اذهب إلى المكتبة للحصول على مراجع لأغني بها حلقة البحث التي كنت أنوي أن اكتبها في مادة الاعلان والعلاقات العامة والتي كان يدرسنا إياها الدكتور محمود المشوط.
بعد زيارتي للقاعة المخصصة لنا كطلاب جدد وجلوسنا في القاعة , حيث يجلس كل طالب على مقعد وطاولة، وكل مقعد له رقم يقوم الطالب بتقديم طلب للحصول على الكتاب الذي يريده فيسجل في الطلب اسم الكتاب واسم المؤلف ورقم الكتاب التسجيلي بعد أن يكون حصل على ذلك من الفهارس الموجودة في الطابق الأول ، ثم يضع رقم المقعد الذي يجلس عليه، ويعطي هذا الطلب للموظفين العاملين في القاعة وهم يحضرون الكتاب المطلوب وبعد ذلك يكتبون رقم المقعد على لوح فيعرف الطالب أن كتابه قد وصل ويذهب ويأخذه ويحصل على ما يريد منه.
بعد عدة زيارات للمكتبة كنت أرى بعض الطلاب يقومون بنسخ بعض الصفحات من الكتب وذلك بطلب تصوير يقدمونه للعاملين في القاعة.
فقررت أن افعل ذلك حيث آخذ بعض الصفحات وأكتب منها ما احتاجه منها في البيت, لأن جو المكتبة كان مملاً جداً، فكله هدوء ولا احد يتكلم مع أحد وانأ كنت أشعر بالملل من هذا الجو.
وفعلاً طلبت كتاباً وحصلت عليه وسجلت الصفحات التي أريد أنسخها وتوجهت إلى مكان وجود العاملين حتى أخبرهم أنني أريد نسخ بعض الصفحات من الكتاب.
وقفت أمام موظفتين وهما تتحدثان مع بعضهما بصوت خافت لأن القاعة فيها طلاب يدرسون. ومطلوب الهدوء.
لم أكن أعرف كيف يتم نسخ الصفحات، فقلت لهما أيضاً بصوت خافت أريد ان أنسخ بعض صفحات هذا الكتاب، فلم تنتبها إليّ واستمرتا بالحديث وانا أعيد السؤال حتى قلت لها هل آخذ الكتاب أنا إلى قاعة النسخ؟ فأشارت إحداهن برأسها نعم، وفعلا خرجت أنا من القاعة ومعي الكتاب ذاهبا إلى قاعة النسخ وهناك استقبلتني موظفة باستغراب فقالت لي من أين حصلت على الكتاب قلت لها من القاعة التي أجلس بها وسألتني في أي سنة أنت تدرس فقلت لها في السنة الأولى، فقالت لي اترك الكتاب هنا واذهب إلى القاعة وسوف تصل الاوراق المنسوخة إليك.
وفعلا عدت إلى القاعة وبعد فترة وجيزة جاء مدير المكتبة ووقتها كان الأستاذ علي العائدي. وبيده الكتاب والأوراق التي طلبت نسخها.
وكتبوا على اللوح رقم مقعدي فعرفت أن الاوراق أصبحت جاهزة وتوجهت لكي آخذها .
فقال لي المدير وهو منزعج جدا؛ أنت الذي أخرجت الكتاب من القاعة ؟
قلت له نعم :
فأخرجني خارج القاعة حتى لا يحدث ضجيجاً داخلها وقال لي كيف تخرج الكتاب ألا تعلم ان ذلك ممنوع، وان ذلك يكلفك أن تسحب منك بطاقة الاشتراك وتحرم من الدخول للمكتبة
وقتها جاءت لذهني الكثير من الأفكار المليئة بالخوف والارتباك من هذا الموقف وهو في بداية دراستي الجامعية فقلت في نفسي ( من أولها هيك ولسا ما بلشنا ) لكني استجمعت نفسي وجرأتي وقلت له بصدق ما حدث معي وانا اقف امام الموظفتين وحدث ما حدث.
وهنا طلب مني أن ادخل الى القاعة ودخل معي ووقفنا امام الموظفتين وقال لي من هي التي قالت لك أخرج الكتاب
فقلت له يا استاذ هي لم تقل لي ذلك أنا سألتها وهي كانت تشير برأسها بنعم خلال حديثها من زميلتها فظننت أنا انها تقول لي نعم وحدث ما حدث.
هنا الجو أصبح حانقا فالموظفتين في حالة لا يرثى لها وهو يريد أن يعاتبهما على هذا الموقف وانا خائف من سحب بطاقتي فقالي لي بهدوء اذهب إلى مقعدك .
وطلب من الموظفتين أن تلحقا به إلى مكتبه
وأنا تركت الكتب والنسخ وأخذت بطاقتي وخرجت مسرعاً .على مبدأ (يافكيك)
بعد هذا الموقف توقفت عن زيارة المكتبة ما يقارب الشهرين حتى تنسى الموظفتان شكلي واسمي .
وفعلا ذهبت وكانتا في المكان المخصص لهما وجلست وحصلت على كتاب ولم تتذكرا شكلي ولا اسمي ومرت على خير.
بعد أعوام طويلة وفي شهر أيار ٢٠٢٣ كنت برفقة وفد من سلطنة عمان في زيارة للمكتبة وخلال جولة قاموا بها في للتعرف على أقسام المكتبة وقاعاتها مررنا بالقاعة ذاتها التي حدث بها ذلك الموقف، وتذكرت القصة فقصصتها لهم فقالوا هذه مشاغبة ولكن كان مدير المكتبة حكيما حيث لم يأخذ منك البطاقة ويحرمك من دخول المكتبة.
#سفير برس
#زياد ميمان
#المكتبة الوطنية



