التربويون العرب، الألكسو في خطر _بقلم أ. د. عبد الله المجيدل
#سفيربرس
اقتداءً بالحديث النبوي الشرف “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
عادة ما يجري تقويم أداء المؤسسات التربوية اعتماداً على الكفايات الداخلية والخارجية ومقارنة مدى تحقيق مخرجاتها مع الأهداف المرسومة، وبالنظر لعملي في التخطيط التربوي وفلسفة التربية في جامعة دمشق وعدد من الجامعات العربية لسنوات، ومن ثم عميداً لكلية التربية بجامعة الفرات، وخبرة طويلة في منظمات جامعة الدول العربية، إذ كنت مستشاراً لسنوات في “أكساد”، كما كانت رسالتي لمرحلة الماجستير في جامعة دمشق عام 1985 بعنوان: “المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من المنطلقات النظرية إلى لتطبيق”. وحتى وقت قريب عملت خبيراً تربوياً في إدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وبالتالي فإن تقييمي لأداء المنظمة لا يقوم على افتراضات نظرية، بقدر ما يستند إلى ملاحظات واقعية مشفوعة بخطط المنظمة المظللة لغير المتخصصين بالتربية، وللذين ليس لديهم دراية بخطط التربية واستراتيجياتها وأولوياتها ومشكلاتها في كل بلد عربي، ومن خلال ملاحظة الأداء بعين تربوية تتطلع لإعادة المنظمة إلى مسارها الذي أسست من أجله، وإعادتها إلى ألقها التربوي الذي عهدناه في أيام مديرها العام الأستاذ الدكتور محيي الدين صابر، عندما وضعت المنظمة استراتيجية تطوير التربية العربية عام 1979، وإلى إدارة التربية وأنشطتها، عندما كان على رأسها أ. د. محمود السيد، و أ. د. بشارة و أ. د. ناصر.
وانطلاقاً من أن إدارة التربية، تعد أهم إدارات المنظمة، إذ إن الثقافة، والعلوم والبحث العلمي والتقانات الرقمية، ماهي إلا مخرجات للعملية التربوية، فمن خلال عملي لسنة ونصف في إدارة التربية في هذه المنظمة العريقة، والتي يفترض أن تكون إدارة التربية فيها قدوة لمختلف المؤسسات التعليمية العربية في النزاهة والشفافية والحوكمة، أيقنت بأنه من المؤسف أن تنفق مشاركات الدول العربية على السياحة والسفر الاستعراضي والإعلامي، دون أي مخرجات تلامس مشكلات التربية العربية. فعلى سبيل المثال: البلدان التي مرت بأزمات خلال التحولات في السنوات الخمس عشرة الأخيرة ابتداءً من الصومال إلى اليمن مروراً بفلسطين وسورية والعراق وليبيا، والسودان، فهل قامت المنظمة بالمبادرة في تسهيل تعليم طفل واحد من أطفال هذه الدول؟ هل أسهمت في إنشاء مدرسة واحدة، في مخيمات النزوح ومناطق التشرد لملايين الأطفال العرب؟ هل قامت بترميم مدرسة واحدة من آلاف المدارس التي تضررت في كل بلد من البلدان العربية التي مرت بمختلف الأزمات؟ وهل قامت المنظمة بتطبيق دليل الدعم النفسي والتربوي للأطفال في ظروف الكوارث والنزاعات الذي قمت بتأليفه وطبعته المنظمة، ولكنها لم تعمل على تطبيق صفحة واحدة منه في كل الأزمات التي مرت بها بعض الدول العربية؟ حتى أن المبادرة التربوية التي أطلق عليها اسم “مبادرة الألكسو لتعليم الأطفال العرب في مناطق النزاع” والتي حظيت بموافقة المجلس الاقتصادي والاجتماعي عليها؛ لدعم تعليم الأطفال في سورية، والصومال، والعراق، واليمن، وليبيا، وفلسطين، وأخيرا التحقت السودان بقائمة البلدان التي تعاني من أزمات تربوية لم تشهد هذه البلاد لها مثيلا منذ استقلالها، فلم يطبق أي بند من بنود هذه المبادرة في أي من هذه البلدان، فإذا أزمات التربية في ظروف الأحداث التي تمر فيها هذه البلدان لم تدفع المنظمة لأن تبادر لنجدتها، وهذا يعد من أولى مهامها الرئيسة، فلا أمل أن تقوم المنظمة بما أسست من لأجله من أهداف، وهذا ليس بسبب عجز مالي، إذ إن المدير العام في أثناء لقائة بالدكتور سالم المالك مدير عام الإيسيسكو صرح بأن فائض ميزانية المنظمة 25 مليون دولار، وأردف بأن المنظمة قادرة على دفع رواتب الموظفين لمدة خمس سنوات قادمة في حال لم تدفع الدول العربية إسهاماتها المالية، وكأن الإسهامات المالية التي تدفعها الدول العربية هي فقط لدفع رواتب الموظفين في المنظمة، دون أي فعل تربوي على أرض الواقع في البلدان العربية. وبالتالي كان من الأجدى توجيه إسهامات الدول للمؤسسات التربوية مباشرة، وهذا أفضل بألف مرة من أن تحول لميزانية المنظمة وتنفق على شكل أجور فنادق خمسة نجوم وبطاقات طائرات للاستعراض والتصوير، وتنقيذ أنشطة شكلية لا تلبي الحاجات الحقيقية للتربية في معظم الدول العربية. إذ إنني على دراية كاملة بمن يضع خطط الإدارات وهي توضع من قبل منتسبين للمنظمة لا يحملون حتى شهادة الماجستير ولا علاقة لهم بالتخطيط التربوي لا من قريب ولا من بعيد، بل توضع أنشطة مكررة عن الخطط السابقة، تتيح أبواب للسفر بفعاليات شكلية لاتسمن ولا تغني من جوع، ولعل من يقارن بين خطط المنظمة في مختلف السنوات سيكتشف هذه الحقيقة، وبالتالي يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
1. ينفق الجزء الأكبر من الميزانية على سفر المدير العام ومديري الإدارات وبعض المنتسبين للمنظمة من أصحاب الحظوة لدى مديري الإدارات والمدير العام الذي همه الرئيس، هو الآخر للأسف، التمديد له مديراً عاماً لفترة ثالثة، ومثال على ذلك مدير إدارة التربية في سفره المتواصل في أنشطة لا تلامس الحاجات التربوية الملحة لبلداننا العربية، فهو الأكثر سفرا في تاريخ المنظمة منذ تأسيسها، مع أن توافر التقانات الحديثة حالياً يتيح الحضور الرقمي لكثير من الفعاليات والاجتماعات وهي جميعها غير ضرورية، وبالمقارنة يفوق عدد مهمات سفر مدير إدارة التربية الحالي، مهمات سفر مديري الإدارة في أي حقبة من الحقب السابقة الذين تناوبوا على هذا الموقع منذ تأسيس المنظمة، في حين تشريعات منظمات العمل العربي المشتركة تؤطر الحد الأقصى لأيام السفر السنوية المخصصة للمدير العام، بألّا تتجاوز (62) يوماً في السنة الميلادية الواحدة، وذلك التزاماً بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وضماناً لحسن إدارة الموارد المالية، وتكريساً لمبدأ التفرغ الوظيفي لمهام الإدارة العليا، وقياساً على هذا المبدأ فإنه لاشك ينطبق على مديري الإدارات في المنظمات، ولكن أن تتجاوز أيام سفر مدير إدارة التربية 250 يوما في السنة، فهذا يستوجب تطبيق القانون واتخاذ إجراء بإعادة المبالغ المنفقة على ما يزيد على 62 يوماً,
2. لم يصل أداء المنظمة إلى هذه الدرجة من السوء عبر تاريخها منذ نشأتها إلى يومنا هذا، والسبب يعود إلى أنه قد أوكل الأمر لغير أهله، فالمدير العام غير متخصص لا بالتربية ولا بالثقافة ولا بالعلوم، فهو رجل متخصص في الاقتصاد ولا علاقة لتخصصه بجوانب عمل المنظمة، وبالتالي من غير الممكن أن يقود المنظمة لتحقيق أهدافها، بل وجوده كان سبباً في تدهورها وتراجع أدائها، مقارنة بإدارة المديرين العامين الذين كانوا يدققون في جدوى سفر كل موظف، ورحم الله الأستاذ الدكتور عبدالله محارب الذي ألغى حتى الاجتماع السنوي لوزراء التربية ولوزراء الثقافة العرب؛ عندما وجد أن لا جدوى تربوية أو ثقافية من مثل هذه الاجتماعات، وهي هدر للموارد في غير المجال الذي خصصت له.
3. مدير إدارة التربية الذي يدّعي زوراً بأنه أستاذ دكتور في حين مرتبته أستاذ مساعد وبالتعليم الإلكتروني، فإذا كان هذا الموقع من حصة جمهورية مصر، فإن ما يتوافر في جمهورية مصر العربية، من أطر تربوية عالية التأهيل في التخطيط التربوي وفي فلسفة التربية واستراتيجياتها، ويشهد لها في المحافل التربوية العربية والعالمية، وهم الأولى أن يشغلوا هذا الموقع، إذ لا يستقيم أن يتولى هذا الموقع أستاذ مساعد ويتعامل مع جيش من الأساتذة في مختلف البلدان العربية، قياسا على الجامعات، فلا يكلف أستاذ مساعد برئاسة الجامعة في مختلف جامعات العالم، لأنه سيتعامل مع أساتذة وهناك تراتبية أكاديمية لا بد من الالتزام بها. فمدير إدارة التربية منتحل لصفة أستاذ دكتور، وهذا تزوير، إذ إنه في الحقيقة أستاذ مساعد، ويوقع البريد الرسمي في المنظمة بصفة منتحلة بأنه أستاذ دكتور، في مؤسسة يفترض أن تكون هي الأكثر حرصاً على حوكمة الألقاب الأكاديمية، وليس أول من يخرقها وبعلم الجميع، كما هو مثبت في موقع الجامعة التي ينتمي إليها، بأنه أستاذ مساعد، وليس أستاذاً، وهذا انتحال صفة، ولا يليق، وليس من الأخلاق الأكاديمية أن يتولى إدارة التربية المعنية بالبلدان العربية جميعها منتحل لصفة أكاديمية، في الوقت الذي يوجد فيه آلاف المتخصصين في البلدان العربية من ذوي الكفاءة لشغل هذا الموقع.
4. المخالفات التي حصلت في الإعلان الأخير لانتقاء خبراء في مختلف التخصصات، وكان مدير إدارة التربية رئيسا للجنة الاختبار، ولم تلتزم اللجنة بمعايير الاختبارات المعروفة، ولا سيما أن المتقدمين دفعوا نفقات سفرهم وإقامتهم من حسابهم الخاص. حتى أن مدير إدارة التربية بوصفه رئيسا للجنة الاختبارات؛ ولكي يغطي على الخلل الحاصل والتزوير أعلن أمام الجميع بعد صدور نتائج الاختبار الكتابي، بأن هذه النتائج لا تعني شيئا والمهم هو اختبار المقابلة. إضافة للمخالفة بإلغاء طلبات الترشح للمرشحين الثمانية من الجمهورية العربية السورية، لمختلف الوظائف المعلن عنها، ظلماً وعدواناً، بحجة عدم اكتمال الاستمارات، فما دام الترشيح جاء بالأسماء والوظائف المرشح لها كل اسم من الأسماء بشكل رسمي من اللجنة الوطنية في سورية، وموقعه بتوقيع رئيس اللجنة الوطنية، وزير التربية، فلو كانت النوايا سليمة لطلب مدير إدارة التربية، بوصفه رئيساً للجنة، الاستمارات، إذا كانت الاستمارات بهذه الدرجة من الأهمية، من خلال الإيميل أو الوتس وتصل بدقائق. ولكن الجنة كانت تبحث عن أي ذريعة لإلغاء الترشيح، وحقيقة الأمر الترشيحات جميعها ذرا للرماد في العيون، وهي من مستلزمات الالتفاف على الأنظمة والقوانين، وكل من في المنظمة كان على علم بمن سيفوز، وما الاختبارات إلا مسرحية ممجوجة، إذ إن من المؤسف، جعل المتسابقين يتكبدون نفقات السفر والإقامة بالفنادق، لتأدية دور المتسابقين لضرورة الإخراج المسرحي، وألا تلتزم اللجنة المعنية بالمسابقة، بالقيم الحضارية في الصدق، والإخلاص، والعدل. فالمنظمة التي ينبغي أن تكون قدوة للمؤسسات التربوية والثقافية العربية في النزاهة والشفافية، تمارس أبشع أساليب الغش والتزوير، إذ قام أحد مديري الإدارات، وهو غير مكلف بتصحيح الاختبار، بتصحيح ورقة أحد أبناء العاملين بالمنظمة، ومن المفارقات أن يفوز بالوظيفة دون وجه حق، في حين يرسبون في الاختبار وزير الثقافة الأسبق وهو دكتور وأستاذ جامعي ويشهد له في ميدان الثقافة والتربية على مستوى البلدان العربية، ويتحمل المدير العام ومديرو الإدارات وزر هذه المخالفات، فلا بد من فتح تحقيق من قبل جامعة الدول العربية بهذه الوقائع، وإلغاء نتائج هذه المسابقة وما بني على أساسها، لأن ما بني على باطل فهو باطل. فتأملوا حجم الانحراف القيمي لمؤسسة معنية بالقيم التربوية والثقافية. ولا يخفى على أحد لو أن مثل هذا السلوك وقع في بلد من البلدان التي تحترم المبادئ والقوانين؛ لكان كفيلاً بإسقاط وزارات وحكومات بحالها.
وبناءً على ذلك نستطيع القول بأن المنظمة ليست فقط في خطر، بل هي مختطفة من ثلة من غير المتخصصين، ولا بد لكل التربويين من العمل على تصويب مسارها، من خلال تشكيل لجنة تقويم أداء من قبل جامعة الدول العربية، إذا أرادت هي الأخرى ألّا تفقد مصداقيتها لدى لتربويين العرب، بهدف تصويب عمل المنظمة، ووضعها في الموقع الذي أنشئت من أجله، ومعالجة الفساد والمحسوبيات، وأن تكون الكفاءة والتخصص هما المعيار في انتقاء العاملين فيها، ابتداءً من المدير العام مروراً بمديري الإدارات.
#سفيربرس _بقلم أ. د. عبد الله المجيدل


