“لغة البيان بين الفصاحة والرسالة”. بقلم د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
كان للعرب، قبل الإسلام، مقامٌ رفيع في عالم الكلمة؛ فقد امتلكوا الفصاحة فطرةً، والبلاغة طبعًا، فجعلوا من الشعر ديوان حياتهم، ومن الخطابة ميزان تفاضلهم، حتى غدت الكلمة عندهم عنوان قوةٍ ومجد.
وفي ذروة هذا النضج البياني، جاء القرآن الكريم؛ نزل بلسان العرب وحروف لغتهم، لكنه جاء بما لم يألفوه، وما لم يستطيعوا مجاراته، وهم سادة البيان والفصاحة. فواجههم الوحي بتحدٍّ صريح، لإقامة الحجة لا لمجرد إظهار العجز:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾،
ثم خُفِّف التحدي إلى سورة واحدة: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾… فعجزوا.
ولم يكن عجزهم عن لفظٍ أفصح، ولا عن صورةٍ أبدع، بل عن نظمٍ محكم لا يُجارى، ومعنى متكامل لا يُستنفد؛ يخاطب العقل والقلب معًا، ويجمع بين الجلال والجمال. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
ومن هنا قال النبي ﷺ: «إنَّ من البيان لسحرًا»؛ فكيف إذا كان البيان كلام ربّ العالمين؟
ليست العربية لغةً أضاءها القرآن ثم انقضى أثرها، بل لغةً اصطفاها الله للوحي، فربط بقاءها ببقاء كتابه العزيز. ما دامت آياته تُتلى، وحروفه يُتعبَّد بقراءتها، فإن سلطان العربية باقٍ لا يزول، وإن ضعف حضورها في بعض الأزمنة أو قصّر أهلها في خدمتها. وستبقى شاهدةً على إعجاز القرآن، وعمقه، وخلوده.
#د. عطية العلي – سفير برس – الكويت


