إعلان
إعلان

بين تونس والمشرق… ثقافة المقهى على طاولة واحدة

#سفير_برس - نورس بّرو - تونس

إعلان

في المدن العربية القديمة، لم تكن المقهى مكاناً للجلوس فحسب، بل فضاءً يُعاد فيه ترتيب العالم. هناك، على الطاولة الخشبية الصغيرة، بين دخان السجائر وصوت الملاعق في فناجين القهوة، كانت تُدار السياسة وتُكتب القصائد وتُحل النزاعات وتولد الحكايات. في تونس كما في المشرق، تحوّل المقهى من محطة عابرة إلى مؤسسة ثقافية واجتماعية لها تقاليدها وطقوسها الخاصة، بل يمكن القول إنه كان أول “منتدى عام” قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة.

تشير دراسات تاريخية إلى أن أولى المقاهي العربية ظهرت في القرن السادس عشر، بعد انتشار القهوة القادمة من اليمن عبر الحجاز إلى دمشق ثم القاهرة وإسطنبول. ومن هناك وصلت إلى تونس في القرن السابع عشر مع الحركة التجارية والبحرية في البحر المتوسط. ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت المقاهي جزءاً من النسيج الحضري: في دمشق وُجدت مقاهي في الأسواق والخانات، وفي تونس انتشرت في المدينة العتيقة وعلى أطرافها، خصوصاً قرب الزوايا والأسواق الكبرى.

المقهى كمؤسسة ثقافية

لم يكن دخول الناس إلى المقهى بهدف شرب القهوة وحدها. كان الهدف الحقيقي هو المشاركة في الحياة العامة. في المشرق، خصوصاً في دمشق وحلب، عُرفت المقاهي بأسماء أحيائها، وصار لكل مقهى جمهوره ورواده الدائمون. كانت مقاهي مثل النوفرة والهافانا والروضة تشبه صالونات أدبية مفتوحة، يجلس فيها الشعراء والصحفيون والسياسيون، حتى إن بعض المؤرخين يقدّرون أن أكثر من 60% من النقاشات السياسية الشعبية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي كانت تجري في المقاهي، لا في المؤسسات الرسمية.

وفي تونس، لم يكن المشهد بعيداً. فمقاهي العاصمة مثل “المرسى” و”باب البحر” و”تحت السور” تحولت منذ مطلع القرن العشرين إلى فضاءات للثقافة. هنا كان يجلس الأدباء والصحفيون والفنانون، وهنا وُلدت أسماء أدبية تونسية بارزة. وكان يُقال إن من يريد معرفة مزاج البلاد لا يحتاج إلى قراءة الصحف، بل إلى جولة في المقاهي عند العصر.

المقهى كان أيضاً مدرسة شعبية غير رسمية. فالشباب يتعلمون الخطاب السياسي، والعمال يتابعون أخبار النقابات، والطلبة يناقشون الفلسفة. في زمن كان فيه الوصول إلى الكتب محدوداً، أصبح المقهى مكتبة شفوية؛ المعرفة تنتقل عبر النقاش والجدل والحكايات. وهنا يظهر دور الحكواتي.

الحكواتي: ذاكرة المكان

في المشرق العربي، كان الحكواتي نجماً حقيقياً. يجلس على كرسي مرتفع، يمسك كتاب السيرة الهلالية أو عنترة أو الظاهر بيبرس، ويبدأ السرد. ومع كل ليلة يتجمع عشرات وربما مئات المستمعين. تشير بعض المصادر إلى أن مقهى النوفرة في دمشق كان يستقبل أكثر من 150 مستمعاً في الليلة الواحدة خلال خمسينيات القرن الماضي لمتابعة حكاية واحدة تمتد أشهراً.

الحكواتي لم يكن راوياً فقط، بل كان صانع هوية. كان يمنح الناس بطلاً جماعياً يعيشون معه الهزيمة والنصر. وكانت حكاياته تمثل وسيلة تعليم غير مباشرة للأخلاق والشجاعة والوفاء. ولم يكن الجمهور صامتاً؛ كانوا يقاطعونه ويصححون له، وأحياناً يغضبون إن خالف ما يعرفونه من الرواية.

في تونس، لم يظهر الحكواتي بالشكل المسرحي ذاته، لكن وُجدت شخصية قريبة منه: الراوي الشعبي أو “القصّاص” في الأسواق والزوايا والمقاهي. كان يسرد قصص الأولياء والبطولات المحلية والحكايات الشعبية، وغالباً باللهجة الدارجة. ومع أن الحضور كان أقل تنظيماً من المشرق، فإن الوظيفة كانت متشابهة: صناعة ذاكرة مشتركة.

اللافت أن الحكواتي اختفى تقريباً في المشرق مع ظهور التلفزيون في السبعينيات، لكنه لم يمت فعلياً؛ تحوّل إلى الدراما التلفزيونية. وفي تونس، انتقل الدور نفسه إلى المسلسلات الإذاعية الرمضانية والبرامج الفكاهية الشعبية. أي أن المقهى فقد الراوي، لكنه احتفظ بروح الحكاية.

المقهى كبرلمان شعبي

مع القرن العشرين، أصبح المقهى مساحة سياسية بامتياز. خلال فترات الاستعمار في تونس وسوريا ومصر، كانت المقاهي مراكز تداول الأخبار السرية. في تونس مثلاً، كانت بعض المقاهي في العاصمة توصف بأنها “مكاتب أحزاب غير معلنة”، بينما في دمشق عُرفت مقاهي معينة بأنها معاقل للتيارات الفكرية المختلفة.

ويقدّر باحثون اجتماعيون أن المقهى أدى وظيفة الإعلام البديل قبل انتشار الصحافة الشعبية؛ فخبر سياسي قد ينتشر في يوم واحد عبر شبكة المقاهي أسرع من نشره في صحيفة. كانت الطاولة بمثابة غرفة تحرير، والنادل أشبه بوكالة أنباء متنقلة.

لكن التحول الأكبر جاء في العقود الأخيرة.

من فنجان إلى مكتب

مع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية، دخل المقهى مرحلة جديدة. لم يعد مجرد فضاء اجتماعي بل صار بيئة عمل. في تونس، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 35% من الشباب العاملين في المجالات الحرة (التصميم، البرمجة، الكتابة، الترجمة) ينجزون جزءاً من عملهم اليومي من المقاهي. وفي بيروت وعمّان ودمشق أيضاً، أصبح من الطبيعي رؤية حواسيب محمولة أكثر من أوراق اللعب.

أصبح المقهى يجمع ثلاث وظائف في وقت واحد: مكتب، غرفة اجتماعات، واستوديو إنتاج. فكاتب السيناريو يكتب حلقته، والموسيقي يعدل مقطوعته، والصحفي يجري مقابلة عبر الإنترنت. بعض المقاهي جهّزت زوايا للعمل المشترك، ووفرت مقابس كهرباء وإنترنت سريعاً، وتحولت إلى ما يشبه مساحات العمل المشتركة لكن بروح اجتماعية.

المفارقة أن المقهى عاد ليكون مكاناً للثقافة، ولكن بطريقة مختلفة. لم يعد النقاش يدور حول صحيفة واحدة يقرأها الجميع، بل حول شاشة هاتف يحملها كل شخص. ومع ذلك، ما زال الحوار قائماً: شخص يشاهد خبراً فيعرضه، وآخر يعلّق، وثالث يفتح نقاشاً طويلاً قد يمتد ساعات.

المقهى بين الفرد والجماعة

في المشرق، كان الجلوس في المقهى جماعياً بطبيعته: طاولة كبيرة وأكواب شاي متتالية. في تونس، ظل الطابع الفردي حاضراً أكثر، حيث يمكن لشخص أن يجلس ساعات يراقب الشارع بصمت. اليوم امتزج النموذجان؛ ترى طاولة يعمل عليها أربعة أشخاص بصمت، لكنهم في الوقت نفسه مجتمعون.

تشير ملاحظات اجتماعية حديثة إلى أن المقهى أصبح حلاً وسطاً بين العزلة التامة والعمل المؤسسي. فهو يوفر للفرد شعور العمل دون قيود المكتب. لذلك يفضله كثير من العاملين المستقلين، بل إن بعض الشركات الناشئة بدأت اجتماعاتها الأولى على طاولات المقاهي قبل الانتقال إلى المكاتب.

استمرار الحكاية

رغم كل التحولات، بقيت وظيفة واحدة ثابتة: إنتاج الحكايات. فالمقهى الذي احتضن الحكواتي القديم، يحتضن اليوم قصص الحياة اليومية. هناك من يكتب روايته الأولى، ومن يخطط لسفر، ومن يعيش قصة حب، ومن يناقش ثورة أو مباراة كرة قدم.

قد تغيرت الأدوات، لكن الجوهر واحد: المقهى مساحة يلتقي فيها الخاص بالعام. إنه مؤسسة ثقافية غير معلنة، لا تحتاج إلى بطاقة عضوية ولا إلى دعوة. يكفي أن تطلب فنجان قهوة لتصبح جزءاً من المشهد.

بين تونس والمشرق، تتغير اللهجات وتختلف أنواع القهوة، لكن الطقس واحد: الجلوس، النظر إلى الناس، والاستماع إلى العالم وهو يُروى من جديد كل يوم.

#سفير_برس – نورس بّرو – تونس

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *