مفاتيح فهم علاقة الجمهور بالأخبار المولدة بالذكاء الاصطناعي. بقلم : حسين الإبراهيم
#سفيربرس

• هل تثق بخبر كتبته آلة كما تثق بخبر كتبه إنسان؟
• جيل الشباب يثق بأخبار الذكاء الاصطناعي، آباؤهم يشكّون… أنت مع من؟
• مستقبل الصحافة: هل نخاف من تسريح الصحفيين، أم من أن نعتاد على أخبار بلا روح؟

في صباح أحد الأيام، تتصفح هاتفك فتجد خبراً عاجلاً عن حادث طرق مروع. النص منظم، المعلومات دقيقة، لكنك تتفاجأ بملاحظة صغيرة في الأسفل: “تم إنتاج هذا الخبر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي”. هل ستثق به كما تثق بخبر كتبه صحفي بشري؟ هل ستشاركه مع أصدقائك؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل أصبح يشغل بال المؤسسات الإعلامية والباحثين على حد سواء.
في دراسة منهجية حديثة، نشرها الباحث الجزائري نصر الدين مازاري في مجلة “فيستنيك موسكوفسكوفو يونيفيرسيتيتا” (نشرة جامعة موسكو)، حاول الإجابة عن هذا السؤال عبر تطوير أداة علمية لقياس ثقة الجمهور في الأخبار المنتجة آلياً.
شملت الدراسة التي أكثر من 1700 مشارك، كشفت أن نظرة الجمهور ليست بسيطة (إما ثقة عمياء أو رفض قاطع)، بل تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية تشكل معاً المفتاح الحقيقي لفهم مستقبل الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي.
ثلاثة أبعاد تحدد ثقتك
العامل الأول هو الثقة في الموثوقية والدقة. هل ما تقدمه الآلة صحيح؟ هل يمكنني الاعتماد عليه كمصدر للأحداث؟ هنا يتعامل الجمهور مع المحتوى الآلي كما يتعامل مع أي معلومة، لكن مع حساسية إضافية تجاه أخطاء محتملة، خاصة مع ما نسمعه عن “هلوسة” الذكاء الاصطناعي واختلاقه للحقائق أحياناً.
العامل الثاني يتعلق بالنزاهة والموضوعية. يعتقد كثيرون أن الآلة قد تكون أكثر حياداً من الإنسان، لأنها لا تحمل انتماءات سياسية أو عاطفية. لكن السؤال الأعمق يبقى: من الذي برمج هذه الآلة؟ ألا تحمل الخوارزميات تحيزات مبرمجيها دون أن ندري؟
أما العامل الثالث فهو الأكثر إنسانية، إنه إدراك مخاطر الأتمتة. هنا لا يتعلق الأمر بالخبر نفسه، بل بقلق أوسع: ماذا سيحدث لمهنة الصحافة؟ هل سنفقد الصحافة الاستقصائية والتحليل العميق؟ هل تتحول غرف الأخبار إلى مصانع محتوى باردة تفتقر إلى الروح؟
جيل الثقة، جيل القلق
لكن العامل النفسي الأهم، الذي تبرزه الدراسة بشكل غير مباشر، هو مسألة الاعتياد. الجمهور اعتاد على “الخبر البشري” لعقود. هناك علاقة ضمنية بين القارئ والصحفي، حتى لو لم يلتقيا أبداً. هذه العلاقة تبني نوعاً من الثقة المسبقة التي يصعب تكرارها مع آلة.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأجيال. جيل الشباب، الذي نشأ مع الهواتف الذكية و”غوغل” و”تشات جي بي تي”، أكثر استعداداً لقبول فكرة أن الآلة يمكنها إنتاج محتوى موثوق. إنهم يتعاملون مع التكنولوجيا كامتداد طبيعي لحياتهم، ولا يشعرون بالغرابة إزاء فكرة “صحفي افتراضي”. بل إن البعض قد يرى في الذكاء الاصطناعي ضماناً لخلو الخبر من الميول الشخصية أو الأجندات الخفية.
أما الأجيال الأكبر سناً، التي تذكر زمن المراسلين الميدانيين والمطبوعات الورقية، فتنظر إلى الأمر بتشكك أكبر. هي لا تشك فقط في دقة الآلة، بل تشعر أن هناك انتهاكاً لمساحة إنسانية كانت حكراً على البشر. الخبر بالنسبة لهم ليس مجرد معلومات، بل هو نتاج جهد إنساني، ومهنة تتطلب حساً أخلاقياً ومسؤولية اجتماعية. استبدال الصحفي بآلة يبدو لهم مثل استبدال طيار بطيار آلي في رحلة طويلة – قد يكون آمناً، لكنه يفتقر إلى الطمأنينة.
الخبر البشري مقابل خبر الذكاء الاصطناعي
هنا جدول يلخص أبرز ميزات وعيوب كل نوع من الأخبار، مع التركيز على البعد الإنساني الذي يميز الصحفي البشري:

هذه المقارنة توحي بأن الخبر البشري يبقى لا غنى عنه في نقل الروح الإنسانية، والعمق التحليلي، والتفاعل العاطفي مع الأحداث. بينما يتفوق خبر الذكاء الاصطناعي في السرعة، والتكلفة، ومعالجة البيانات الضخمة. المستقبل على الأرجح سيكون مزيجاً بينهما: استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأخبار العاجلة والتقارير الروتينية، مع بقاء الصحفيين البشر للإشراف والتحليل والكتابات الإبداعية التي تتطلب لمسة إنسانية.
الوعي التكنولوجي والشك الإعلامي
كشفت الدراسة أيضاً أن متغيرين آخرين يلعبان دوراً حاسماً في تشكيل هذه الثقة: “الوعي التكنولوجي” و”الشك الإعلامي”. الأشخاص الأكثر وعياً بالتكنولوجيا، وهم غالباً من فئة الشباب، يستطيعون تمييز نقاط قوة وضعف الأخبار الآلية بشكل أفضل. هم لا يثقون بها بشكل أعمى، لكنهم لا يرفضونها تلقائياً. بالمقابل، المتشككون إعلامياً (أي الذين يشكون أصلاً في نزاهة وسائل الإعلام التقليدية) قد يرون في الذكاء الاصطناعي فرصة للحصول على أخبار “غير متحيزة”، أو على العكس، قد يعتبرونه أداة جديدة للتضليل، تابعاً لنفس المنظومة الإعلامية التي لا يثقون بها.
ماذا يعني هذا للمؤسسات الإعلامية؟
الأهم في الدراسة أنها لم تكتف بوصف المواقف، بل أثبتت أن هذه الأبعاد الثلاثة قادرة على التنبؤ بسلوك الجمهور الفعلي. الأشخاص الذين يسجلون درجات عالية في “الثقة بالموثوقية” و”الموضوعية”، هم أكثر عرضة لمشاركة الأخبار الآلية والاعتماد عليها كمصدر. بينما الذين ترتفع لديهم “مخاطر الأتمتة” هم الأكثر تردداً.
هذا يعني أن مستقبل الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بجودة الخوارزميات، بل بقدرة المؤسسات الإعلامية على معالجة المخاوف النفسية للجمهور. على هذه المؤسسات أن تتبنى استراتيجيات واضحة: الشفافية في استخدام التقنيات، آليات رقابة صارمة على الدقة، ونقاش مجتمعي مفتوح حول مستقبل العمل الصحفي.
نحو مستقبل هجين
ربما لا تكون المعادلة “إنسان ضد آلة”، بل “إنسان وآلة معاً”. الجيل الجديد من الشباب قد يكون أكثر تقبلاً، لكنه أيضاً أكثر تطلباً. هو لا يريد محتوى آلياً رديئاً، بل يريد الأفضل من العالمين: دقة الآلة وحس الإنسان. الأجيال الأكبر قد تحتاج وقتاً أطول للتأقلم، لكنها في النهاية ستتعامل مع الواقع الجديد، خاصة إذا أثبتت التجارب العملية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة، وليس بديلاً عن الروح الإنسانية في الصحافة.
تقدم الدراسة عدسة جديدة نرى من خلالها هذا المشهد المعقد. الثقة في عصر الآلة ليست مسألة تقنية بحتة، بل هي معادلة نفسية واجتماعية وأخلاقية. والإعلام الناجح هو من يستطيع فهم هذه المعادلة، وبناء جسور ثقة مع جمهور يبحث عن الحقيقة، بأي وسيلة كانت، لكنه لا يريد أن يفقد الاتصال بالإنسان خلف الخبر.
وأنت، عندما تقرأ خبراً صباح الغد، هل ستسأل نفسك: من كتبه؟ إنسان أم آلة؟ وهل سيختلف جوابك إذا كان الخبر عن حرب أو عن رياضة أو عن اكتشاف علمي؟
#سفيربرس _بقلم : الإعلامي حسين الإبراهيم



