إعلان
إعلان

كرة الثلج تشتعل .. قراءة في الأبعاد الاقتصادية لفاتورة الحرب _ بقلم : د. عدي سلطان

#سفيربرس

إعلان

كما حذرنا..فإن التصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي الواسع ضد إيران في الساعات الماضية يُنذر بصدمة اقتصادية عالمية حادة تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى شرايين الاقتصاد الكوني. مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو عشرين مليون برميل يومياً أي خُمس الإمدادات البحرية العالمية وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تحول إلى نقطة الاشتعال الرئيسية. قبل الضربات كان سعر برنت يتداول عند 72.49 دولار للبرميل، لكنه قفز فوراً مع إعلان العمليات العسكرية.

وفق تقديرات اقتصادية متخصصة، فإن أي تعطيل مؤقت للملاحة أو استهداف للسفن قد يرفع السعر بنسبة 10 إلى 30 في المئة أو أكثر، ليتجاوز المئة دولار ويصل إلى 120-130 دولاراً في سيناريو إغلاق ممتد، مما يُسبب شللاً تدريجياً في سلاسل التوريد العالمية وارتفاعاً حاداً في تكاليف الشحن والتأمين.
هذه الصدمة الطاقية تنتقل مباشرة إلى التضخم العالمي، إذ يضيف كل عشرة دولارات إضافية على سعر البرميل نحو 0.4 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى بحسب دراسات صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي. في الولايات المتحدة وأوروبا قد يرتفع التضخم 1-2 نقاط مئوية إضافية إذا استمر البرميل فوق المئة دولار لأشهر، مما يُجبر البنوك المركزية على تشديد السياسة النقدية أو تأجيل التخفيضات، ويُبطئ النمو الاقتصادي إلى حد الركود. أما الصين والهند، أكبر مستوردي النفط، فيواجهان خسارة نقاط مئوية كاملة من نموهما بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
أسعار الغذاء تُشكل الضربة الأقسى والأكثر إيلاماً؛ فالنفط يدخل في كل حلقة من حلقات إنتاجه من الأسمدة والوقود الزراعي إلى النقل والتبريد والتغليف. وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، يترجم ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 20-50 في المئة إلى زيادة تتراوح بين 10-25 في المئة أو أكثر في أسعار الغذاء العالمية خلال أشهر قليلة، مع تأثير أشد على الحبوب واللحوم والألبان. في إيران واليمن ولبنان وسوريا، حيث يتجاوز التضخم الغذائي 50-70 في المئة بالفعل، يتحول الجوع الحاد إلى واقع يومي لملايين الأشخاص، حيث يضطر الآباء إلى تخطي وجباتهم لإطعام أطفالهم، ويُهدد ملايين الأطفال بالتقزم والموت جوعاً.
أزمة المياه تتفاقم في الوقت ذاته؛ فمتوسط توافر المياه العذبة للفرد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يتجاوز 480 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من 10 في المئة من المتوسط العالمي وفق تقارير البنك الدولي. أي تعطيل لمحطات التحلية أو السدود أو الطاقة اللازمة لضخ المياه سيرفع تكاليف إنتاج المياه الصالحة للشرب والزراعة في دول الخليج، مما يربط أزمة المياه ارتباطاً وثيقاً بأزمة الغذاء والتضخم ويزيد الاعتماد على الاستيراد في وقت تتعطل فيه الإمدادات العالمية.
جيوسياسياً، تبرز مواقف القوى الكبرى بوضوح: الصين تدين الضربات وتدعو إلى الحوار، روسيا تُسرّع صفقات الأسلحة مع إيران، تركيا تعارض التدخل العسكري وتسعى لدور وساطة محتمل مستفيدة من ضعف إيران. بيئياً، يُنذر أي تسرب نفطي واسع النطاق في مياه الخليج المالحة والضحلة بكارثة تلوث طويلة الأمد تهدد مصائد الأسماك والمنغروف ومحطات التحلية لعقود، مع مخاطر إضافية من أسطول الظل الإيراني غير المؤمن.
التوترات الجيوسياسية دفعت الطلب على الملاذات الآمنة إلى الارتفاع، فاقترب سعر الذهب الفوري من مستويات 5260 دولاراً للأونصة أو تجاوزها في بعض التقارير، مدعوماً بتحول واسع نحو الأصول غير المرتبطة بالمخاطر، بينما ارتفعت الفضة بوتيرة أعلى نسبياً. أوروبا، كونها مستورداً صافياً للطاقة، تواجه مخاطر خاصة حيث يُفاقم ارتفاع أسعار النفط التضخم المستورد وقد يضيف 1-2 نقاط مئوية أو أكثر في سيناريو إغلاق ممتد، مما يضغط على النمو الاقتصادي الضعيف أصلاً ويزيد تكاليف الطاقة الصناعية والمنزلية، مع احتمال إعادة تقييم سياسة البنك المركزي الأوروبي نحو التشديد.
ومع ذلك تبقى سيناريوهات أقل سوءاً ممكنة؛ فإذا نجحت وساطة دبلوماسية سريعة أو حدث تراجع تكتيكي، قد يقتصر الاضطراب على أسابيع قليلة ويستقر برنت عند 85-95 دولاراً مع تفعيل الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية وتسريع إنتاج أوبك+. منظمة الطاقة الدولية تقدر أن الاحتياطيات العالمية المتاحة تغطي 90-120 يوماً من الاستهلاك، مما يمنح نافذة زمنية لاحتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى كارثة طويلة الأمد.
دول الخليج تواجه مخاطر جمة، إيران تواجه انهياراً اقتصادياً شاملاً، والمستوردون الصافون يعانون عجزاً تجارياً هائلاً وضغطاً على عملاتهم. هذا التصعيد ليس مجرد نزاع عسكري؛ إنه قنبلة اقتصادية وإنسانية وبيئية موقوتة. إن لم يُحتوَ النزاع بسرعة، فإن التكلفة ستكون باهظة إلى حد لا يُحتمل.

#سفيربرس _د. عدي سلطان
إعلامي وباحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
28-2-2026

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *