إعلان
إعلان

حكاية “الميكروفون” بين قرطاج وقاسيون.. شغف يكسر المسافات

#سفير_برس – تونس – نورس برو

إعلان

لا يمكن للباحث في وجدان الشعوب العربية أن يغفل تلك العلاقة الوجدانية التي ربطت المواطن بجهاز “الراديو”، وتحديداً في تونس وسوريا؛ فهذان البلدان لم يتعاملا مع الإذاعة كصندوق لبث الأخبار فحسب، بل كصانع للهوية ومرآة للتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى. إنها حكاية “أثير” لم يكن يوماً حيادياً، بل كان ينبض بحرارة الحناجر التي وقفت خلف الميكروفون، وبشغف الجماهير التي جعلت من “الترانزستور” فرداً من أفراد العائلة.

جذور من صوت وسيادة: مخاض الولادة

بدأت الحكاية في تونس مبكراً، حين انطلق صوت “الإذاعة التونسية” عام 1938 تحت مسمى “راديو تونس”. كانت الولادة في حضن الاستعمار الفرنسي، لكن الإرادة التونسية سرعان ما حولتها إلى منبر للمقاومة الثقافية والسياسية. كان المذيع التونسي الأول يدرك أن صوته هو الرصاصة الأولى في معركة الوعي، ومع بزوغ فجر الاستقلال، تحولت الإذاعة إلى “قاطرة للتحديث” في عهد الحبيب بورقيبة، حيث لعبت دوراً محورياً في نشر التعليم وتحرير المرأة ومحاربة الجهل، مما جعل “صوت تونس” مدرسة تنويرية بامتياز.

على الضفة الأخرى من المتوسط، وفي قلب بلاد الشام، كانت “إذاعة دمشق” تولد عام 1947 كإعلان صريح عن ولادة الجمهورية السورية المستقلة بعد جلاء المستعمر الفرنسي. دمشق لم تكن تبحث عن مجرد إذاعة محلية، بل كانت تطمح لأن تكون “قلب العروبة النابض”. ومن هنا، اكتسبت الإذاعة السورية صبغتها القومية الرصينة، فكانت الأخبار تُقرأ بلهجة تجمع بين الهيبة والوقار، والبرامج الثقافية تُعد بدقة أكاديمية، مما جعل من “دمشق” قبلة لكل الباحثين عن اللغة العربية السليمة والأداء الإذاعي المتقن.

شغف المذيعين: الميكروفون كرسالة مقدسة

في كلا البلدين، كان المذيع يمثل “النخبة” الثقافية والاجتماعية. في تونس، لم يكن المذيع مجرد قارئ لنصوص جاهزة؛ بل كان مثقفاً عضوياً يتفاعل مع محيطه. تميزت المدرسة التونسية بظهور أسماء حفرت في الذاكرة مثل صالح جغام ونجيب الخطاب، اللذين استطاعا نقل الإذاعة من القوالب الجامدة إلى الحميمية المطلقة. المذيع التونسي يمتلك تلك “اللكنة” المهذبة التي تمزج بين الفصحى واللهجة البيضاء، مع لمسة من الانفتاح المتوسطي الذي يجعله قريباً من القلب ومن العقل في آن واحد.

أما في سوريا، فقد كان للميكروفون “قدسية” خاصة. المذيع السوري هو ابن اللغة العربية بامتياز، يخضع لتدريبات صوتية ولغوية صارمة تجعل من صوته أداة موسيقية قادرة على إيصال أدق المشاعر. أصوات مثل جمال الجيش وماريا ديب لم تكن مجرد أسماء، بل كانت تمثل “مرجعية” لغوية وأدائية. هذا الشغف المهني جعل المذيع السوري يشعر بمسؤولية تاريخية تجاه كل كلمة ينطق بها، فالخطأ اللغوي في “إذاعة دمشق” كان يُعتبر خطيئة لا تغتفر، مما خلق جيل الإذاعيين “الحكماء” الذين يقودون الوعي الجمعي.

شغف الجماهير: طقوس الانتماء عبر الأثير

ارتبط الجمهور التونسي والسوري بجهاز الراديو برابطة عاطفية تجاوزت منطق التكنولوجيا. في تونس، الراديو هو “أنيس” الصباح في المقاهي الشعبية العتيقة، حيث يمتزج صوت المذيع برائحة القهوة والياسمين. الإذاعة التونسية نجحت في أن تكون مرآة للمواطن، وبرامج مثل “الخدمة العامة” والتحقيقات الميدانية جعلت المستمع يشعر أن صوته مسموع لدى السلطة، مما خلق حالة من الوفاء المنقطع النظير.

في سوريا، تحول الراديو إلى “طقس” مقدس يبدأ بصوت فيروز صباحاً، ولا ينتهي إلا بانتهاء “التمثيلية الإذاعية” ليلاً. الجمهور السوري كان يمتلك قدرة فائقة على “تخيل” الشخصيات، فالدراما الإذاعية السورية التي تألق فيها كبار الممثلين كانت هي التلفزيون البديل. كان المستمع في الأرياف والمدن السورية ينتظر برامج مثل “حكم العدالة” بشغف يضاهي انتظار أهم المباريات الرياضية، وهذا يعكس قدرة الإذاعة على اختراق النسيج الاجتماعي السوري وتشكيل جزء من ذكرياته الشخصية.

نقاط الالتقاء والاختلاف: روح واحدة وتعبيرات متعددة

يلتقي التونسي والسوري في “الرصانة” و”احترام ذكاء المستمع”. المدرستان ترفضان الابتذال، وتصران على تقديم مادة ثقافية دسمة حتى في البرامج الترفيهية. كما تجمع بينهما “الأمانة التاريخية”؛ فكلاهما كان شاهداً على الحروب والأزمات والانتصارات، وكانا الملاذ الأول للمواطن عند انقطاع الكهرباء أو غياب الصورة.

أما الاختلافات، فتكمن في “المناخ” الإذاعي. الإذاعة التونسية، بحكم موقعها الجغرافي، كانت أكثر انفتاحاً على التجارب الإذاعية الفرنسية والمغاربية، مما منحها مرونة في البرامج الحوارية المباشرة وجرأة في طرح المواضيع الاجتماعية والسياسية، خاصة بعد عام 2011 حيث انفجر الفضاء الإذاعي التونسي بإذاعات خاصة رفعت سقف الحرية.

بينما حافظت الإذاعة السورية على “كلاسيكيتها” المشرقية العريقة، والتمسك بالبناء اللغوي المتين، والتركيز العالي على الإنتاج الدرامي الذي يعد الأقوى عربياً. المذيع السوري يميل إلى “الأداء الفخم”، بينما يميل المذيع التونسي إلى “الأداء التفاعلي” القريب من يوميات الشارع.

التحديات الرقمية: هل يصمد الأثير؟

اليوم، ومع اجتياح “البودكاست” ومنصات التواصل، يواجه الراديو في تونس وسوريا تحدي البقاء. في تونس، استطاعت الإذاعات الخاصة أن تطور نفسها رقمياً وتستقطب الشباب عبر “الديجيتال راديو”، بينما في سوريا، ظلت الإذاعات التقليدية والخاصة هي الصوت الأكثر موثوقية في ظل الأزمات، نظراً لقدرتها على الوصول إلى أبعد النقاط الجغرافية بجهد تقني بسيط.

الأثير الذي لا يشيخ

في النهاية، تظل الإذاعة في تونس وسوريا هي “الخيط السري” الذي يربط شعوبنا بجذورها. إنها حكاية شعوب وجدت في ذبذبات الأثير متنفساً، وفي أصوات المذيعين بوصلة في عواصف الزمان. ستبقى الكلمة المنطوقة، حين تخرج بصدق وشغف، هي الجسر الذي يجمع قرطاج بقاسيون، مؤكدة أن “سحر الراديو” يكمن في كونه الوسيلة الوحيدة التي تجعلنا نرى العالم.. بآذاننا وقلوبنا.

#سفير_برس – تونس – نورس برو

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *