المقال (2): أدب الإنصات.. حين يكون الحضورُ أبلغَ من الكلام.. بقلم :د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
– الموقف:
نعيش في عصرٍ ضجّت فيه الأصوات، وتسابقت فيه المنصات ليصبح الجميع متحدثين، بينما تراجعت قيمة “الإنصات”. المشهد المتكرر في بيوتنا هو ذلك “الاستماع الشكلي”؛ ابنٌ يبث شكواه أو زميل يبوح بهمه، بينما الطرف الآخر يقلب هاتفه ببرود أو يقاطع ليقدم حلولاً جاهزة قبل فهم المعاناة. هذا الإهمال العاطفي يبني جدران العزلة ويحول التواصل إلى مجرد ضجيج لا يلمس الروح.
– من مشكاة القيم:
لقد ربط القرآن الكريم بين الإنصات وبين نيل الرحمة الإلهية، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (1). وإذا كان هذا الأدب مع كلام الله، فهو خُلُقٌ يُستصحب مع خلقه تقديراً واحتراماً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (2)، وقد قال عطاء بن أبي رباح: “إن الشاب ليتحدث بحديث، فأسمع له كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد”.
– الأثر التربوي:
أثر الإنصات في التربية سحرٌ لا يخطئ؛ فحين تمنح ابنك أو زوجك وقتك الكامل وإنصاتك العميق، أنت تخبرهم بلا كلمات: “أنا أحترمك، وأنا أهتم بما تقول”. هذا الاحتواء الصامت يبني جسور الثقة ويجعل الآخر أكثر تقبلاً لتوجيهاتك لاحقاً. المربي الناجح هو “مستمعٌ عظيم” قبل أن يكون “متحدثاً بارعاً”.
– زاوية القارئ:
متى كانت آخر مرة استمعت فيها لشخص تحبه لمدّة عشر دقائق دون أن تقاطعه بكلمة واحدة؟
——————————————
(1) سورة الأعراف، الآية: 204.
(2) أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
#سفيربرس_ بقلم :د. عطية العلي _الكويت



